![]() |
د. محمد جاموس |
بقلم د. محمد جاموس - جامعة القدس
مقدمة:
هل حدث معك أن تفكر في شيء، أو تتحدث به مع صديقك، ثم تفتح هاتفك لتجده أمامك مباشرة على شاشة فيسبوك أو إنستغرام؟
ذلك الشعور المربك بأن التقنية تعرفك أكثر مما تعرف نفسك، لم يعد وهماً ولا مصادفة… إنه ببساطة الذكاء الاصطناعي وهو يطل من وراء الستار.
تخيل أنك تقود سيارتك، فيأتيك إشعار من تطبيق الملاحة يخبرك أن أمامك ازدحام خانق، فيقترح طريقاً آخر قبل أن تصل إليه. أو أنك تفتح تطبيقاً ليقترح عليك فيلماً أو أغنية تشبه ذوقك تماماً وكأنه صديق قديم يعرف ما تحب وما تكره. أو ربما تجلس لتكتب رسالة، فتجد أن هاتفك يسبقك إلى الكلمة التالية وكأنه يقرأ أفكارك.
هذه ليست مشاهد من فيلم خيال علمي، بل تفاصيل يومية صارت جزءاً من حياتنا.
هذا هو الذكاء الاصطناعي؛ الضيف الذي لم يطرق الباب بل دخل من أوسع الأبواب، فوجدناه في جيوبنا على شكل هواتف ذكية، وفي سياراتنا كمساعدات للملاحة، وفي بيوتنا عبر الأجهزة الذكية، وفي شاشاتنا عبر المحتوى المخصص بدقة مريبة. والأكثر إثارة أنه أصبح يتدخل في قرارات أكبر بكثير: من إدارة البنوك إلى تشخيص الأمراض، ومن تحليل الاقتصاد إلى قيادة الجيوش.
لقد خرج الذكاء الاصطناعي من الكتب والمختبرات ليصبح لاعباً أساسياً في حياتنا اليومية، يرافقنا في أبسط تفاصيلنا، ويتسلل إلى أعمق اختياراتنا. وبين من يراه فرصة تاريخية للنهضة البشرية، ومن يخشاه كوحش يتربص بخصوصيتنا ووظائفنا، يبقى الذكاء الاصطناعي في النهاية مرآة لوعينا نحن: أداة تحمل في طياتها الوعد بالخلاص والخطر في آن واحد.
ما هو الذكاء الاصطناعي؟
عندما نسمع عبارة "الذكاء الاصطناعي" قد نتخيل روبوتاً يشبه الإنسان أو آلة تفكر بمفردها، لكن الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي ليس عقلاً سحرياً، بل علم من علوم الحاسوب يهدف إلى تصميم أنظمة قادرة على القيام بمهام تحتاج عادةً إلى ذكاء بشري: مثل الفهم، التعلّم، اتخاذ القرار، أو حتى الإبداع.
لتقريب الصورة، تخيّل طفلاً يتعلّم التمييز بين قطة وكلب. في البداية يخطئ، ثم يصحّح أخطاءه بالتكرار حتى يكوّن صورة دقيقة. الذكاء الاصطناعي يعمل بالمبدأ نفسه، لكنه يتغذى على ملايين الأمثلة من البيانات ليبني قدرته على التعرّف والتوقّع.
إنه ليس منافساً للإنسان، بل انعكاس لفضوله العلمي ورغبته في توسيع حدود المعرفة.
لمحة تاريخية: بداية المصطلح ومحاربة الآلة
عام 1956، اقترح الباحث جون مكارثي لأول مرة مصطلح “Artificial Intelligence” في مؤتمر علمي بجامعة دارتموث. وقتها، كانت الفكرة أقرب إلى الحلم: تعليم الآلة كيف تتعلّم.
لكن المثير أن الإنسان لم يكن يوماً صديقاً سهلاً للآلة. كل تطور جديد كان يثير خوفاً أو مقاومة كوميدية:
· عندما ظهرت الآلة الحاسبة، منعتها بعض المدارس خوفاً على “قدرات الطلاب”!
· وفي الثورة الصناعية، خرج عمال إنجلترا محطّمين الآلات البخارية ظناً أنها ستسرق أرزاقهم.
· حتى الطابعة قوبلت بالرفض، بحجة أنها “لن تفهم روح الكتابة”.
لكن النتيجة أن كل هذه “المعارك” انتهت بخسارة الإنسان خوفه لا عمله. فالآلة صارت أداة، والإنسان بقي العقل الذي يوجهها. واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي.
لماذا انتشر المصطلح الآن؟
قديماً كان المصطلح محصوراً بين الباحثين، أما اليوم فأصبح على كل لسان. السبب أن الذكاء الاصطناعي خرج من المختبرات ودخل حياتنا اليومية عبر تطبيقات ملموسة:
· ChatGPT يكتب ويجيب كما لو كان إنساناً.
· Google Maps يحلل ملايين البيانات ليقترح الطريق الأسرع.
· الترجمة الفورية تفك شيفرة لغات لم نكن نتصور أن نتعامل معها.
· المساعدات الصوتية مثل "سيري" و"أليكسا" تفهم أوامرك وتنفذها فوراً.
الهاتف الذي في جيبك يملك قوة حوسبة لم يحلم بها أقوى حاسوب قبل عقود. لهذا بات المصطلح لغة العصر الجديد.
الأدوات ليست الذكاء نفسه:
من الخطأ اختزال الذكاء الاصطناعي في تطبيق مثل ChatGPT أو سيارة ذاتية القيادة. فكما أن المصباح ليس الكهرباء، كذلك هذه التطبيقات ليست سوى مظاهر سطحية لقوة أعمق: الخوارزميات والنماذج التي تقف خلفها.
السيارة التي تتوقف عند إشارة المرور ليست "سائقاً آلياً"، بل نظاماً رياضياً استوعب ملايين الحالات. والبنك الذي يكشف الاحتيال على بطاقتك لا يملك موظفاً يراقبك، بل خوارزميات تحلل الأنماط.
الذكاء الاصطناعي أشبه باللغة؛ القواعد والمعاني هي الجوهر، أما الكتب والخطب فهي تجلياتها. وما نراه أمامنا من تطبيقات ليس سوى نوافذ صغيرة تطل على عالم واسع من المعرفة.
الأرقام إلى أين تقودنا؟
الأرقام العالمية ليست توقعات جامدة، بل بوصلة لمستقبل العمل. تشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن ما يقارب 40% من الوظائف الحالية ستتأثر أو تختفي خلال العقد القادم، لكن في المقابل ستنشأ ملايين الوظائف الجديدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني.
هذا يعني أن المستقبل لن يبحث عن موظفين تقليديين، بل عن عقول قادرة على فهم هذه التقنية وتطويعها. ومن يتقن مهارات العصر الجديد لن يبحث عن وظيفة، بل الوظيفة هي من ستبحث عنه.
فلسطين والذكاء الاصطناعي: التحديات والفرص
رغم الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة، بدأ الفلسطينيون يشقّون طريقهم نحو الذكاء الاصطناعي بخطوات جادة. فقد شهدت الجامعات الفلسطينية أبحاثاً متقدمة، وأصبحت جامعات رائدة مثل جامعة القدس تحتضن أهم الحاضنات التكنولوجية، لتكون جسراً يربط بين المعرفة الأكاديمية وسوق العمل.
صحيح أن البنية التحتية الرقمية والتمويل ما زالا تحدياً، لكن الفرص تتسع يوماً بعد يوم. فالعالم يدخل سباقاً تكنولوجياً جديداً، والدول التي تستثمر في البحث العلمي والكفاءات تحجز مكانها في المقدمة. أما فلسطين، فمفتاحها الحقيقي هو الاستثمار في تأهيل الشباب بالتخصصات التي يحتاجها السوق:
· علم البيانات وتحليلها لقراءة الواقع وصنع القرار.
· الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة لتطوير النماذج والخوارزميات.
· الأمن السيبراني لحماية الأنظمة الذكية من التهديدات.
· الهندسة الروبوتية والميكاترونكس لمواكبة الصناعة والأتمتة.
· الرياضيات التطبيقية والإحصاء كأساس لفهم وتحليل البيانات.
· الأخلاقيات والقانون التكنولوجي لتقنين استخدام هذه الأدوات وضمان عدالتها.
الخلاصة: أمام فلسطين فرصة تاريخية، وإذا أحسنّا الاستثمار في هذه التخصصات ودعم الأبحاث والمبادرات الجامعية، يمكننا أن نكون جزءاً فاعلاً من الثورة التكنولوجية، لا مجرد متفرجين عليها. فالمستقبل سيُكتب بأيدي من يتقنون لغة الذكاء الاصطناعي، والشباب الفلسطيني قادر على أن يكون بينهم.
الذكاء الاصطناعي… مسؤولية قبل أن يكون أداة
إلى جانب الفرص الاقتصادية، هناك نقاش عالمي متصاعد حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي: كيف نتأكد من أن الخوارزميات لا تتحيز ضد فئة؟ من المسؤول إذا اتخذت آلة قراراً قاتلاً؟ وهل يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة للسيطرة بدلاً من التحرير؟ هذه الأسئلة تضع مسؤولية مشتركة على عاتق العلماء والمشرعين والمجتمعات، حتى لا تتحول التقنية إلى عبء على الإنسان بدلاً من أن تكون حليفاً له.
خاتمة
الذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة نظرية، بل تحول إلى قوة اقتصادية ومعرفية تعيد تشكيل العالم. من خلاله تُخلق وظائف جديدة بقدر ما تُستبدل وظائف تقليدية. الفارق الحقيقي لن يكون في امتلاك الأدوات، بل في فهم العلم العميق الذي يقف وراءها وتطويعه محلياً بما يخدم التنمية والهوية.
وبالنسبة لفلسطين، فإن الاستثمار في الكفاءات ودعم الأبحاث والحاضنات الجامعية، خاصة في مؤسسات مثل جامعة القدس، هو المدخل الوحيد لضمان مقعد في المستقبل الرقمي العالمي. السؤال لم يعد: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل سنشارك في صناعته وتوجيهه، أم نكتفي بأن نكون مستخدمين على الهامش؟
ولعل ما يدهشني أنني بالأمس فقط كنت أتابع بعض الأصدقاء عبر احدى وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة الامريكية يدخلون مطعماً عبر خدمة الـ Drive-Thru، فلم يجدوا موظفاً خلف الشاشة بل نظاماً ذكياً يشبه "سيري" يتحاور معهم ويأخذ الطلب بدقة. وفي تركيا، صديق طبيب حدّثني عن روبوت بدأ يشارك في إجراء عمليات جراحية ناجحة. هذه ليست أحلاماً مستقبلية، بل واقع يُستخدم بالفعل يومياً وبشكل هائل حول العالم.
وبالنسبة لفلسطين، فإن الاستثمار في الكفاءات ودعم الأبحاث والحاضنات الجامعية، خاصة في مؤسسات مثل جامعة القدس، هو المدخل الوحيد لضمان مقعد في المستقبل الرقمي العالمي. السؤال لم يعد: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل سنشارك في صناعته وتوجيهه، أم نكتفي بأن نكون مستخدمين على الهامش؟
ولعل ما يدهشني أنني بالأمس فقط كنت أتابع بعض الأصدقاء عبر احدى وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة الامريكية يدخلون مطعماً عبر خدمة الـ Drive-Thru، فلم يجدوا موظفاً خلف الشاشة بل نظاماً ذكياً يشبه "سيري" يتحاور معهم ويأخذ الطلب بدقة. وفي تركيا، صديق طبيب حدّثني عن روبوت بدأ يشارك في إجراء عمليات جراحية ناجحة. هذه ليست أحلاماً مستقبلية، بل واقع يُستخدم بالفعل يومياً وبشكل هائل حول العالم.
ولذلك، وحتى على مستوى الاستخدام، أجد نفسي ككاتب أشفق على من لم يجرّب أدوات الذكاء الاصطناعي حتى الآن، لأنه يحرم نفسه من لغة العصر وأدواته.
ولذلك، وحتى على مستوى الاستخدام، أجد نفسي ككاتب أشفق على من لم يجرّب أدوات الذكاء الاصطناعي حتى الآن، لأنه يحرم نفسه من لغة العصر وأدواته.
مقدمة:
هل حدث معك أن تفكر في شيء، أو تتحدث به مع صديقك، ثم تفتح هاتفك لتجده أمامك مباشرة على شاشة فيسبوك أو إنستغرام؟
ذلك الشعور المربك بأن التقنية تعرفك أكثر مما تعرف نفسك، لم يعد وهماً ولا مصادفة… إنه ببساطة الذكاء الاصطناعي وهو يطل من وراء الستار.
تخيل أنك تقود سيارتك، فيأتيك إشعار من تطبيق الملاحة يخبرك أن أمامك ازدحام خانق، فيقترح طريقاً آخر قبل أن تصل إليه. أو أنك تفتح تطبيقاً ليقترح عليك فيلماً أو أغنية تشبه ذوقك تماماً وكأنه صديق قديم يعرف ما تحب وما تكره. أو ربما تجلس لتكتب رسالة، فتجد أن هاتفك يسبقك إلى الكلمة التالية وكأنه يقرأ أفكارك.
هذه ليست مشاهد من فيلم خيال علمي، بل تفاصيل يومية صارت جزءاً من حياتنا.
هذا هو الذكاء الاصطناعي؛ الضيف الذي لم يطرق الباب بل دخل من أوسع الأبواب، فوجدناه في جيوبنا على شكل هواتف ذكية، وفي سياراتنا كمساعدات للملاحة، وفي بيوتنا عبر الأجهزة الذكية، وفي شاشاتنا عبر المحتوى المخصص بدقة مريبة. والأكثر إثارة أنه أصبح يتدخل في قرارات أكبر بكثير: من إدارة البنوك إلى تشخيص الأمراض، ومن تحليل الاقتصاد إلى قيادة الجيوش.
لقد خرج الذكاء الاصطناعي من الكتب والمختبرات ليصبح لاعباً أساسياً في حياتنا اليومية، يرافقنا في أبسط تفاصيلنا، ويتسلل إلى أعمق اختياراتنا. وبين من يراه فرصة تاريخية للنهضة البشرية، ومن يخشاه كوحش يتربص بخصوصيتنا ووظائفنا، يبقى الذكاء الاصطناعي في النهاية مرآة لوعينا نحن: أداة تحمل في طياتها الوعد بالخلاص والخطر في آن واحد.
ما هو الذكاء الاصطناعي؟
عندما نسمع عبارة "الذكاء الاصطناعي" قد نتخيل روبوتاً يشبه الإنسان أو آلة تفكر بمفردها، لكن الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي ليس عقلاً سحرياً، بل علم من علوم الحاسوب يهدف إلى تصميم أنظمة قادرة على القيام بمهام تحتاج عادةً إلى ذكاء بشري: مثل الفهم، التعلّم، اتخاذ القرار، أو حتى الإبداع.
لتقريب الصورة، تخيّل طفلاً يتعلّم التمييز بين قطة وكلب. في البداية يخطئ، ثم يصحّح أخطاءه بالتكرار حتى يكوّن صورة دقيقة. الذكاء الاصطناعي يعمل بالمبدأ نفسه، لكنه يتغذى على ملايين الأمثلة من البيانات ليبني قدرته على التعرّف والتوقّع.
إنه ليس منافساً للإنسان، بل انعكاس لفضوله العلمي ورغبته في توسيع حدود المعرفة.
لمحة تاريخية: بداية المصطلح ومحاربة الآلة
عام 1956، اقترح الباحث جون مكارثي لأول مرة مصطلح “Artificial Intelligence” في مؤتمر علمي بجامعة دارتموث. وقتها، كانت الفكرة أقرب إلى الحلم: تعليم الآلة كيف تتعلّم.
لكن المثير أن الإنسان لم يكن يوماً صديقاً سهلاً للآلة. كل تطور جديد كان يثير خوفاً أو مقاومة كوميدية:
· عندما ظهرت الآلة الحاسبة، منعتها بعض المدارس خوفاً على “قدرات الطلاب”!
· وفي الثورة الصناعية، خرج عمال إنجلترا محطّمين الآلات البخارية ظناً أنها ستسرق أرزاقهم.
· حتى الطابعة قوبلت بالرفض، بحجة أنها “لن تفهم روح الكتابة”.
لكن النتيجة أن كل هذه “المعارك” انتهت بخسارة الإنسان خوفه لا عمله. فالآلة صارت أداة، والإنسان بقي العقل الذي يوجهها. واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي.
لماذا انتشر المصطلح الآن؟
قديماً كان المصطلح محصوراً بين الباحثين، أما اليوم فأصبح على كل لسان. السبب أن الذكاء الاصطناعي خرج من المختبرات ودخل حياتنا اليومية عبر تطبيقات ملموسة:
· ChatGPT يكتب ويجيب كما لو كان إنساناً.
· Google Maps يحلل ملايين البيانات ليقترح الطريق الأسرع.
· الترجمة الفورية تفك شيفرة لغات لم نكن نتصور أن نتعامل معها.
· المساعدات الصوتية مثل "سيري" و"أليكسا" تفهم أوامرك وتنفذها فوراً.
الهاتف الذي في جيبك يملك قوة حوسبة لم يحلم بها أقوى حاسوب قبل عقود. لهذا بات المصطلح لغة العصر الجديد.
الأدوات ليست الذكاء نفسه:
من الخطأ اختزال الذكاء الاصطناعي في تطبيق مثل ChatGPT أو سيارة ذاتية القيادة. فكما أن المصباح ليس الكهرباء، كذلك هذه التطبيقات ليست سوى مظاهر سطحية لقوة أعمق: الخوارزميات والنماذج التي تقف خلفها.
السيارة التي تتوقف عند إشارة المرور ليست "سائقاً آلياً"، بل نظاماً رياضياً استوعب ملايين الحالات. والبنك الذي يكشف الاحتيال على بطاقتك لا يملك موظفاً يراقبك، بل خوارزميات تحلل الأنماط.
الذكاء الاصطناعي أشبه باللغة؛ القواعد والمعاني هي الجوهر، أما الكتب والخطب فهي تجلياتها. وما نراه أمامنا من تطبيقات ليس سوى نوافذ صغيرة تطل على عالم واسع من المعرفة.
الأرقام إلى أين تقودنا؟
الأرقام العالمية ليست توقعات جامدة، بل بوصلة لمستقبل العمل. تشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن ما يقارب 40% من الوظائف الحالية ستتأثر أو تختفي خلال العقد القادم، لكن في المقابل ستنشأ ملايين الوظائف الجديدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني.
هذا يعني أن المستقبل لن يبحث عن موظفين تقليديين، بل عن عقول قادرة على فهم هذه التقنية وتطويعها. ومن يتقن مهارات العصر الجديد لن يبحث عن وظيفة، بل الوظيفة هي من ستبحث عنه.
فلسطين والذكاء الاصطناعي: التحديات والفرص
رغم الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة، بدأ الفلسطينيون يشقّون طريقهم نحو الذكاء الاصطناعي بخطوات جادة. فقد شهدت الجامعات الفلسطينية أبحاثاً متقدمة، وأصبحت جامعات رائدة مثل جامعة القدس تحتضن أهم الحاضنات التكنولوجية، لتكون جسراً يربط بين المعرفة الأكاديمية وسوق العمل.
صحيح أن البنية التحتية الرقمية والتمويل ما زالا تحدياً، لكن الفرص تتسع يوماً بعد يوم. فالعالم يدخل سباقاً تكنولوجياً جديداً، والدول التي تستثمر في البحث العلمي والكفاءات تحجز مكانها في المقدمة. أما فلسطين، فمفتاحها الحقيقي هو الاستثمار في تأهيل الشباب بالتخصصات التي يحتاجها السوق:
· علم البيانات وتحليلها لقراءة الواقع وصنع القرار.
· الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة لتطوير النماذج والخوارزميات.
· الأمن السيبراني لحماية الأنظمة الذكية من التهديدات.
· الهندسة الروبوتية والميكاترونكس لمواكبة الصناعة والأتمتة.
· الرياضيات التطبيقية والإحصاء كأساس لفهم وتحليل البيانات.
· الأخلاقيات والقانون التكنولوجي لتقنين استخدام هذه الأدوات وضمان عدالتها.
الخلاصة: أمام فلسطين فرصة تاريخية، وإذا أحسنّا الاستثمار في هذه التخصصات ودعم الأبحاث والمبادرات الجامعية، يمكننا أن نكون جزءاً فاعلاً من الثورة التكنولوجية، لا مجرد متفرجين عليها. فالمستقبل سيُكتب بأيدي من يتقنون لغة الذكاء الاصطناعي، والشباب الفلسطيني قادر على أن يكون بينهم.
الذكاء الاصطناعي… مسؤولية قبل أن يكون أداة
إلى جانب الفرص الاقتصادية، هناك نقاش عالمي متصاعد حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي: كيف نتأكد من أن الخوارزميات لا تتحيز ضد فئة؟ من المسؤول إذا اتخذت آلة قراراً قاتلاً؟ وهل يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة للسيطرة بدلاً من التحرير؟ هذه الأسئلة تضع مسؤولية مشتركة على عاتق العلماء والمشرعين والمجتمعات، حتى لا تتحول التقنية إلى عبء على الإنسان بدلاً من أن تكون حليفاً له.
خاتمة
الذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة نظرية، بل تحول إلى قوة اقتصادية ومعرفية تعيد تشكيل العالم. من خلاله تُخلق وظائف جديدة بقدر ما تُستبدل وظائف تقليدية. الفارق الحقيقي لن يكون في امتلاك الأدوات، بل في فهم العلم العميق الذي يقف وراءها وتطويعه محلياً بما يخدم التنمية والهوية.
وبالنسبة لفلسطين، فإن الاستثمار في الكفاءات ودعم الأبحاث والحاضنات الجامعية، خاصة في مؤسسات مثل جامعة القدس، هو المدخل الوحيد لضمان مقعد في المستقبل الرقمي العالمي. السؤال لم يعد: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل سنشارك في صناعته وتوجيهه، أم نكتفي بأن نكون مستخدمين على الهامش؟
ولعل ما يدهشني أنني بالأمس فقط كنت أتابع بعض الأصدقاء عبر احدى وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة الامريكية يدخلون مطعماً عبر خدمة الـ Drive-Thru، فلم يجدوا موظفاً خلف الشاشة بل نظاماً ذكياً يشبه "سيري" يتحاور معهم ويأخذ الطلب بدقة. وفي تركيا، صديق طبيب حدّثني عن روبوت بدأ يشارك في إجراء عمليات جراحية ناجحة. هذه ليست أحلاماً مستقبلية، بل واقع يُستخدم بالفعل يومياً وبشكل هائل حول العالم.
وبالنسبة لفلسطين، فإن الاستثمار في الكفاءات ودعم الأبحاث والحاضنات الجامعية، خاصة في مؤسسات مثل جامعة القدس، هو المدخل الوحيد لضمان مقعد في المستقبل الرقمي العالمي. السؤال لم يعد: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل سنشارك في صناعته وتوجيهه، أم نكتفي بأن نكون مستخدمين على الهامش؟
ولعل ما يدهشني أنني بالأمس فقط كنت أتابع بعض الأصدقاء عبر احدى وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة الامريكية يدخلون مطعماً عبر خدمة الـ Drive-Thru، فلم يجدوا موظفاً خلف الشاشة بل نظاماً ذكياً يشبه "سيري" يتحاور معهم ويأخذ الطلب بدقة. وفي تركيا، صديق طبيب حدّثني عن روبوت بدأ يشارك في إجراء عمليات جراحية ناجحة. هذه ليست أحلاماً مستقبلية، بل واقع يُستخدم بالفعل يومياً وبشكل هائل حول العالم.
ولذلك، وحتى على مستوى الاستخدام، أجد نفسي ككاتب أشفق على من لم يجرّب أدوات الذكاء الاصطناعي حتى الآن، لأنه يحرم نفسه من لغة العصر وأدواته.
ولذلك، وحتى على مستوى الاستخدام، أجد نفسي ككاتب أشفق على من لم يجرّب أدوات الذكاء الاصطناعي حتى الآن، لأنه يحرم نفسه من لغة العصر وأدواته.