عين لا تنام في قلب مستشفى ناصر الطبي – الطبيب محمد جمال شموط


الكاتب: ملاك أبو عودة
في قلب مستشفى ناصر، لا يسكن الصمت طويلا ، بل يصرخ من كل زاوية.
على سريرٍ بلا فراش، يحتضر جريح، وبجانبه أمّ تحتضن بقايا طفلها، تحاول أن تلملم النبض من صدره كما لو أنه لا يزال حيًّا.
حيث تزدحم غرف العمليات بالدماء، وتضيق الممرات بالنازحين، ويغدو الأطباء مقاتلين في معركة خاسرة مع الموت.
المكان ليس مستشفى، بل مسرح مفتوح للعذاب، فصوله مجازر، وأبطاله شهداء لم يُمنحوا وقتًا لوداع الحياة.
ومن زاوية لا يراها أحد، تقف عين لا تنام لم تُغلق يومًا رغم التعب،ولم تغضّ الطرف عن وجعٍ واحد مرّ من أمامه.هو ليس مديرًا ولا متحدّثًا رسميًا،لكنه الذاكرة الحيّة للمستشفى هو الطبيب محمد جمال شموط المتجوّل الصامت بين الأسرة والهموم،والأول الواقف حين يتساقط الشهداء جماعات.
هو من يمرّ على كل جريح كأنه فرد من عائلته.ينحني على الأطفال ليواسيهم،ويتفقّد كبار السن في زوايا النزوح،ويشير بيده إلى الخلل… لا ليشتكي،بل ليبحث عن حلّ، أو ليكون هو الحلّ.
كل يوم، يمرّ عبر الممرات التي تتكدّس فيها الأسرّة والمرضى، يراقب بعناية كل حالة وكل نقص.
يرى الأطفال النازحين الذين لا يجدون مكانًا للنوم إلا الأرض الباردة، والنساء اللاتي يحاولن الحفاظ على هدوئهن رغم الألم.
مستشفى ناصر اليوم ليس فقط مركزًا لعلاج الجرحى، بل مأوى لمن فقدوا بيوتهم وأمانهم، ومكانًا تجمع فيه قصص الألم والصبر، المستشفى أصبح موطنًا لأكثر من مريض، بل لمئات النازحين الذين وجدوا فيه ملاذًا مؤقتًا وسط الخراب.
وبينما تضيق المساحات، يتوسع الألم، ولكن هناك من يبقى، يراقب، لا ينام، لا يكل، في محاولة للحفاظ على شيء من الإنسانية
ومن خلال عيون الطبيب محمد جمال شموط، نرى المستشفى كما هو، بكل قسوته، بكل صموده، وكل نضاله الخفي الذي لا يعلن عنه.
مع كل يوم جديد، تتزايد أعباء المستشفى، والمكان يئن تحت وطأة الضغط.
الأجهزة الطبية تبقى على حافة الانهيار، والطواقم الطبية تعمل في ظروف صعبة لا تكاد تسمح لهم بالتنفس.
في كل زاوية من زوايا ناصر، هناك قصص لا تنتهي من معاناة المرضى والنازحين، من نقص الدواء، ومن انتظار العلاج الذي قد لا يأتي في الوقت المناسب.
يُلاحظ الطبيب محمد جمال شمّوط هذه التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية للوهلة الأولى، لكنه يعلم أن فيها حياة أو موت.
هو يرى كيف ينهار الأطفال من التعب، وكيف تصمت أصوات المرضى بعد ساعات طويلة من المعاناة، لكنه لا يفقد الأمل ولا يتوقف عن مراقبة كل شيء، كل حركة، كل نفس.
في مستشفى ناصر الطبي، تختزن الجدران آلاف القصص التي لا تُنسى، ولا يمكن أن تخرج من الذاكرة بسهولة. بترٌ لم يكن مجرد فقدان للأعضاء، بل فقدان للحياة التي كانت تُنتظر، للأمل الذي لم يكتمل.
وصلت نساء حوامل في حالة حرجة، وكان الطبيب محمد جمال شموط يواجه مأساة اتخاذ القرار الصعب بتر أقدامهنّ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. كان يرى ليس فقط الجراح الجسدية، بل الألم الذي يغزو روح الحياة التي كانت تنمو داخلهن.
قدم صغير لم يتجاوز الأسبوع من عمره تعرض لبتر مؤلم. الطبيب محمد جمال شموط كان شاهدًا على هذه القسوة التي لا تعترف بالرحمة، يحاول أن يجد في قلبه صلابة تتناسب مع حجم الألم الذي يراه.
كانت تلك اللحظات تثقل الروح، لكنها تعزز المسؤولية في عين الطبيب الذي يحمل على عاتقه عبء إنقاذ ما تبقى وسط الفجيعة.
في أروقة مستشفى ناصر، لا يقتصر الألم على الجراح والكسور، بل يمتد إلى جوع مزمن ينهش في أجساد المرضى والنازحين على حد سواء. وجبات قليلة، لا تتجاوز بضعة لقيمات، تكاد لا تسد رمقًا في ظل التعب الشديد والمرض المستشري.
المرضى ينتظرون بصمت، أحيانًا بلا طعام، بينما الطواقم الطبية تكافح في صمت مع نقص الإمدادات، تحاول جاهدة أن تبقي على أمل الحياة قائماً رغم كل شيء.
والطبيب محمد جمال شموط، الذي لا يفتر، يداوم دون توقف، ساعات طويلة من العمل المتواصل، غالبًا بلا فرصة لتناول لقمة، لا وقت للاستراحة. جسده يئن من التعب لكنه لا يتوقف، لأن في كل مريض قصة تفرض عليه أن يبقى هناك، يقاتل بلا كلل، يتحدى الجوع والوجع معًا.
في ظل هذه الظروف القاسية، تستمر الحياة داخل مستشفى ناصر رغم كل شيء.
النساء والأطفال والرجال الذين فرّوا من بيوتهم، وجدوا بين جدران المستشفى ملجأً لا يخلو من الألم، لكنه الأمان الوحيد المتبقي لهم.
الغرف الضيقة مكتظة بالنازحين، الذين ينامون على الأرض، يحاولون التكيف مع نقص الطعام والماء، وفي كل صباح يواجهون واقعًا جديدًا من التحديات.
الطاقم الطبي، رغم قلة الإمكانات، يعمل بلا توقف.
كل يوم يواجهون حالات تستدعي علاجًا عاجلًا، وقرارات صعبة تتطلب تضحية أكبر مما يمكن تحمله.
الضغط النفسي والجسدي يُثقل كاهل الجميع، لكن الإيمان بالواجب يربطهم بالمكان ويجعلهم يستمرون.
وهنا، وسط هذه الصورة الصعبة، يظل الطبيب محمد جمال شموط رمزًا لصمود لا يُعلن عنه، عين لا تغفل، قلب يحمل أوجاع الجميع في صمت.
هو الذي يراقب، ينظم، ويقف بين الألم والأمل، نرى صورة صادقة، ليس عن بطل يرفع راية، بل عن إنسان يحمل عبء الحياة بصمت، لا يكل، ولا يملّ، ولا يغلق عينيه أبدًا.

 

تعليقات