![]() |
هديل ياسين |
الكاتب: هديل ياسين
مُنذ بواكير المشروع الصهيوني، ارتكزت البنية الأيديولوجية للحركة على وهم (إسرائيل الكبرى) التي يُراد لها أن تمتد من النيل إلى الفرات، هذا التصور لم يكن مجرّد حلم لاهوتي أو شعار سياسي عابر، بل تحوّل إلى قاعدة استراتيجية استُخدمت لتبرير عمليات الاستيطان العسكري، والتهجير القسري، والعدوان المتكرر على الدول العربية، ورغم ما حظي به هذا المشروع من دعم غير محدود من القوى الاستعمارية الغربية – بداية ببريطانيا عبر وعد بلفور 1917، ولاحقاً عبر المظلة الأمريكية – إلا أن هذا المشروع ظل فاقداً لأي أساس حقوقي أو قانوني، ومتصادماً مع الواقع الديمغرافي والسياسي للمنطقة.
وفي العقد الأخير، تجسّد هذا الوهم بوضوح أكبر في شخصية بنيامين نتنياهو، الذي يبدو أن لقب (ملك إسرائيل) لم يعد كافياً لوصف نظرته لنفسه، إذ دفعه جنون القوة إلى التطلع إلى مكانة (رسالية) يضعها في مصاف أنبياء إسرائيل وملوكها، فالرجل صرّح أكثر من مرة بأنه في ذروة مهمة (تاريخية وروحية)، ملتصق بحلم (إسرائيل الكبرى) وخرائطها الممتدة في مخيلته من النيل إلى الفرات، غير آبهٍ بوجود دول ذات سيادة وشعوب متجذرة في الأرض والتاريخ منذ آلاف السنين.
إن هذه النزعة الشخصية ليست معزولة عن بنية النظام السياسي الإسرائيلي، بل تعكس اتجاهاً بنيوياً تسعى الحكومات الصهيونية لترسيخه منذ قيام الدولة عام 1948، مروراً باحتلال عام 1967، وصولًا إلى مشاريع الضمّ الراهنة. ففي المجال الحقوقي، يترتب على هذا المشروع نفي وجود شعب كامل، إذ تُظهر الإحصاءات أن أكثر من 750 ألف فلسطيني تم تهجيرهم عام 1948 فيما يناهز عدد اللاجئين الفلسطينيين اليوم 6 ملايين وفق سجلات الأونروا، كما أن سياسة الاستيطان، التي قفزت بعد أوسلو بشكل متسارع، خلقت واقعاً جديداً قوامه أكثر من 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية والقدس الشرقية موزعين على نحو 279 مستوطنة وبؤرة، بما يشكل انتهاكاً مباشراً للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة (1949). إن هذه السياسات تُصنّف قانونياً ضمن جرائم التهجير القسري والفصل العنصري، وتتناقض مع المبادئ الآمرة للقانون الدولي
(jus cogens) وعلى رأسها حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
ومن الناحية القانونية، أكدت قرارات مجلس الأمن – مثل القرار 242 (1967) الذي نص على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، والقرار 2334 (2016) الذي اعتبر الاستيطان غير قانوني – أن كل توسع إسرائيلي فاقد للشرعية. كما أن ضم الجولان رفضه المجتمع الدولي بقرار 497 (1981). ومع ذلك، يواصل نتنياهو ومنظومته الحاكمة توظيف خطاب (إسرائيل الكبرى) لتبرير ما يجري من تهويد القدس وبناء آلاف الوحدات الاستيطانية في مناطق مثل E1، بما يهدف إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها، ومنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. هذه الوقائع تكشف أن مشروع (إسرائيل الكبرى) يجري تكريسه عبر (القوة القاهرة) رغم أن القانون الدولي يصنفه كجريمة عدوان وجرائم حرب خاضعة لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
سياسياً، يسعى نتنياهو لإعادة تعريف دوره ضمن التاريخ الصهيوني، معتبراً نفسه (المصحح) لأخطاء أسلافه: خطأ بن غوريون بترك فلسطينيي 48، وخطأ رابين بقبول أوسلو، وخطأ شارون بالانسحاب من غزة. ومن هنا يتضح أن كل ما يفعله في حكوماته المتعاقبة منذ منتصف التسعينيات يدخل ضمن ما يسميه بـ(الورشة التصحيحية)، التي يديرها بدوافع ثيولوجية وروحانية من ناحية، وبراغماتية ومراوغة سياسية من ناحية أخرى، الأرقام تؤكد طول بقائه في الحكم، إذ سجل رقماً قياسياً لم يبلغه أي من مؤسسي الكيان، وهو ما جعله يعتقد أن العناية الإلهية انتدبته لمهمة استكمال (إسرائيل الكبرى).
لكنّ الرؤية التوسعية لم تتوقف عند حدود فلسطين التاريخية، بل امتدت في المخيال السياسي الإسرائيلي إلى لبنان وسوريا وغيرها، حيث تحاول إسرائيل فرض سيطرتها على الجولان وخلق أحزمة أمنية عميقة، بل والتلويح بخطط اجتياح تصل إلى البقاع الغربي وشمال الليطاني، كما تُطرح سيناريوهات تتعلق بتهجير الفلسطينيين إلى الأردن أو سيناء، عبر ضغوط اقتصادية وعسكرية، بما يعني أن وهم (إسرائيل الكبرى) ليس مجرد فكرة بل إستراتيجية ممتدة تُدار على مراحل. ومع ذلك، فإن المعطيات الديمغرافية تشير إلى أن الفلسطينيين ما زالوا يقاربون سبعة ملايين نسمة بين النهر والبحر، وهو رقم يكاد يعادل عدد اليهود، ما يجعل استكمال يهودية الدولة هدفاً مستحيلاً دون ارتكاب جرائم تهجير جماعي جديدة.
دولياً، لم يكن لهذا المشروع أن يستمر دون غطاء أمريكي غير محدود. فقد وفر الدعم الأمريكي في عهدي ترامب وبايدن غطاءً سياسياً وديبلوماسياً غير مسبوق، بدءاً من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وصولاً إلى الاعتراف بالسيادة على الجولان، وتمرير (صفقة القرن) التي منحت إسرائيل ما يقارب ثلث مساحة الضفة الغربية. كما أن واشنطن سعت لتسويق فكرة التهجير القسري للفلسطينيين بعد حرب غزة، باعتبارها خياراً (مطروحاً) لحل المشكلة، في تحدٍ صارخ لكل المعايير الحقوقية والقانونية.
إن القراءة الحقوقية والقانونية والسياسية المتكاملة تُظهر أن وهم (إسرائيل الكبرى) – سواء بصياغة "من النيل إلى الفرات" أو "من النهر إلى البحر" – لا يعدو كونه مشروعاً استعمارياً توسعياً فاقداً لأي شرعية. فالقانون الدولي يجرّمه، والواقع الديمغرافي يقوضه، والتحولات الدولية تضعفه، فيما تؤكد المقاومة الشعبية الفلسطينية أن أي محاولة لفرضه ستظل تواجه صموداً لا ينكسر. إن نتنياهو الذي يتوهم لنفسه دوراً رسالياً في التاريخ، لن يغيّر حقيقة أن الشعب الفلسطيني هو صاحب الأرض والحق، وأن كل مشروع توسعي استعمار استيطاني مصيره الزوال مهما طال الزمن.
وهم المشروع الصهيوني
مُنذ بواكير المشروع الصهيوني، ارتكزت البنية الأيديولوجية للحركة على وهم (إسرائيل الكبرى) التي يُراد لها أن تمتد من النيل إلى الفرات، هذا التصور لم يكن مجرّد حلم لاهوتي أو شعار سياسي عابر، بل تحوّل إلى قاعدة استراتيجية استُخدمت لتبرير عمليات الاستيطان العسكري، والتهجير القسري، والعدوان المتكرر على الدول العربية، ورغم ما حظي به هذا المشروع من دعم غير محدود من القوى الاستعمارية الغربية – بداية ببريطانيا عبر وعد بلفور 1917، ولاحقاً عبر المظلة الأمريكية – إلا أن هذا المشروع ظل فاقداً لأي أساس حقوقي أو قانوني، ومتصادماً مع الواقع الديمغرافي والسياسي للمنطقة.
وفي العقد الأخير، تجسّد هذا الوهم بوضوح أكبر في شخصية بنيامين نتنياهو، الذي يبدو أن لقب (ملك إسرائيل) لم يعد كافياً لوصف نظرته لنفسه، إذ دفعه جنون القوة إلى التطلع إلى مكانة (رسالية) يضعها في مصاف أنبياء إسرائيل وملوكها، فالرجل صرّح أكثر من مرة بأنه في ذروة مهمة (تاريخية وروحية)، ملتصق بحلم (إسرائيل الكبرى) وخرائطها الممتدة في مخيلته من النيل إلى الفرات، غير آبهٍ بوجود دول ذات سيادة وشعوب متجذرة في الأرض والتاريخ منذ آلاف السنين.
إن هذه النزعة الشخصية ليست معزولة عن بنية النظام السياسي الإسرائيلي، بل تعكس اتجاهاً بنيوياً تسعى الحكومات الصهيونية لترسيخه منذ قيام الدولة عام 1948، مروراً باحتلال عام 1967، وصولًا إلى مشاريع الضمّ الراهنة. ففي المجال الحقوقي، يترتب على هذا المشروع نفي وجود شعب كامل، إذ تُظهر الإحصاءات أن أكثر من 750 ألف فلسطيني تم تهجيرهم عام 1948 فيما يناهز عدد اللاجئين الفلسطينيين اليوم 6 ملايين وفق سجلات الأونروا، كما أن سياسة الاستيطان، التي قفزت بعد أوسلو بشكل متسارع، خلقت واقعاً جديداً قوامه أكثر من 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية والقدس الشرقية موزعين على نحو 279 مستوطنة وبؤرة، بما يشكل انتهاكاً مباشراً للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة (1949). إن هذه السياسات تُصنّف قانونياً ضمن جرائم التهجير القسري والفصل العنصري، وتتناقض مع المبادئ الآمرة للقانون الدولي
(jus cogens) وعلى رأسها حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
ومن الناحية القانونية، أكدت قرارات مجلس الأمن – مثل القرار 242 (1967) الذي نص على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، والقرار 2334 (2016) الذي اعتبر الاستيطان غير قانوني – أن كل توسع إسرائيلي فاقد للشرعية. كما أن ضم الجولان رفضه المجتمع الدولي بقرار 497 (1981). ومع ذلك، يواصل نتنياهو ومنظومته الحاكمة توظيف خطاب (إسرائيل الكبرى) لتبرير ما يجري من تهويد القدس وبناء آلاف الوحدات الاستيطانية في مناطق مثل E1، بما يهدف إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها، ومنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. هذه الوقائع تكشف أن مشروع (إسرائيل الكبرى) يجري تكريسه عبر (القوة القاهرة) رغم أن القانون الدولي يصنفه كجريمة عدوان وجرائم حرب خاضعة لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
سياسياً، يسعى نتنياهو لإعادة تعريف دوره ضمن التاريخ الصهيوني، معتبراً نفسه (المصحح) لأخطاء أسلافه: خطأ بن غوريون بترك فلسطينيي 48، وخطأ رابين بقبول أوسلو، وخطأ شارون بالانسحاب من غزة. ومن هنا يتضح أن كل ما يفعله في حكوماته المتعاقبة منذ منتصف التسعينيات يدخل ضمن ما يسميه بـ(الورشة التصحيحية)، التي يديرها بدوافع ثيولوجية وروحانية من ناحية، وبراغماتية ومراوغة سياسية من ناحية أخرى، الأرقام تؤكد طول بقائه في الحكم، إذ سجل رقماً قياسياً لم يبلغه أي من مؤسسي الكيان، وهو ما جعله يعتقد أن العناية الإلهية انتدبته لمهمة استكمال (إسرائيل الكبرى).
لكنّ الرؤية التوسعية لم تتوقف عند حدود فلسطين التاريخية، بل امتدت في المخيال السياسي الإسرائيلي إلى لبنان وسوريا وغيرها، حيث تحاول إسرائيل فرض سيطرتها على الجولان وخلق أحزمة أمنية عميقة، بل والتلويح بخطط اجتياح تصل إلى البقاع الغربي وشمال الليطاني، كما تُطرح سيناريوهات تتعلق بتهجير الفلسطينيين إلى الأردن أو سيناء، عبر ضغوط اقتصادية وعسكرية، بما يعني أن وهم (إسرائيل الكبرى) ليس مجرد فكرة بل إستراتيجية ممتدة تُدار على مراحل. ومع ذلك، فإن المعطيات الديمغرافية تشير إلى أن الفلسطينيين ما زالوا يقاربون سبعة ملايين نسمة بين النهر والبحر، وهو رقم يكاد يعادل عدد اليهود، ما يجعل استكمال يهودية الدولة هدفاً مستحيلاً دون ارتكاب جرائم تهجير جماعي جديدة.
دولياً، لم يكن لهذا المشروع أن يستمر دون غطاء أمريكي غير محدود. فقد وفر الدعم الأمريكي في عهدي ترامب وبايدن غطاءً سياسياً وديبلوماسياً غير مسبوق، بدءاً من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وصولاً إلى الاعتراف بالسيادة على الجولان، وتمرير (صفقة القرن) التي منحت إسرائيل ما يقارب ثلث مساحة الضفة الغربية. كما أن واشنطن سعت لتسويق فكرة التهجير القسري للفلسطينيين بعد حرب غزة، باعتبارها خياراً (مطروحاً) لحل المشكلة، في تحدٍ صارخ لكل المعايير الحقوقية والقانونية.
إن القراءة الحقوقية والقانونية والسياسية المتكاملة تُظهر أن وهم (إسرائيل الكبرى) – سواء بصياغة "من النيل إلى الفرات" أو "من النهر إلى البحر" – لا يعدو كونه مشروعاً استعمارياً توسعياً فاقداً لأي شرعية. فالقانون الدولي يجرّمه، والواقع الديمغرافي يقوضه، والتحولات الدولية تضعفه، فيما تؤكد المقاومة الشعبية الفلسطينية أن أي محاولة لفرضه ستظل تواجه صموداً لا ينكسر. إن نتنياهو الذي يتوهم لنفسه دوراً رسالياً في التاريخ، لن يغيّر حقيقة أن الشعب الفلسطيني هو صاحب الأرض والحق، وأن كل مشروع توسعي استعمار استيطاني مصيره الزوال مهما طال الزمن.
مُنذ بواكير المشروع الصهيوني، ارتكزت البنية الأيديولوجية للحركة على وهم (إسرائيل الكبرى) التي يُراد لها أن تمتد من النيل إلى الفرات، هذا التصور لم يكن مجرّد حلم لاهوتي أو شعار سياسي عابر، بل تحوّل إلى قاعدة استراتيجية استُخدمت لتبرير عمليات الاستيطان العسكري، والتهجير القسري، والعدوان المتكرر على الدول العربية، ورغم ما حظي به هذا المشروع من دعم غير محدود من القوى الاستعمارية الغربية – بداية ببريطانيا عبر وعد بلفور 1917، ولاحقاً عبر المظلة الأمريكية – إلا أن هذا المشروع ظل فاقداً لأي أساس حقوقي أو قانوني، ومتصادماً مع الواقع الديمغرافي والسياسي للمنطقة.
وفي العقد الأخير، تجسّد هذا الوهم بوضوح أكبر في شخصية بنيامين نتنياهو، الذي يبدو أن لقب (ملك إسرائيل) لم يعد كافياً لوصف نظرته لنفسه، إذ دفعه جنون القوة إلى التطلع إلى مكانة (رسالية) يضعها في مصاف أنبياء إسرائيل وملوكها، فالرجل صرّح أكثر من مرة بأنه في ذروة مهمة (تاريخية وروحية)، ملتصق بحلم (إسرائيل الكبرى) وخرائطها الممتدة في مخيلته من النيل إلى الفرات، غير آبهٍ بوجود دول ذات سيادة وشعوب متجذرة في الأرض والتاريخ منذ آلاف السنين.
إن هذه النزعة الشخصية ليست معزولة عن بنية النظام السياسي الإسرائيلي، بل تعكس اتجاهاً بنيوياً تسعى الحكومات الصهيونية لترسيخه منذ قيام الدولة عام 1948، مروراً باحتلال عام 1967، وصولًا إلى مشاريع الضمّ الراهنة. ففي المجال الحقوقي، يترتب على هذا المشروع نفي وجود شعب كامل، إذ تُظهر الإحصاءات أن أكثر من 750 ألف فلسطيني تم تهجيرهم عام 1948 فيما يناهز عدد اللاجئين الفلسطينيين اليوم 6 ملايين وفق سجلات الأونروا، كما أن سياسة الاستيطان، التي قفزت بعد أوسلو بشكل متسارع، خلقت واقعاً جديداً قوامه أكثر من 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية والقدس الشرقية موزعين على نحو 279 مستوطنة وبؤرة، بما يشكل انتهاكاً مباشراً للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة (1949). إن هذه السياسات تُصنّف قانونياً ضمن جرائم التهجير القسري والفصل العنصري، وتتناقض مع المبادئ الآمرة للقانون الدولي
(jus cogens) وعلى رأسها حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
ومن الناحية القانونية، أكدت قرارات مجلس الأمن – مثل القرار 242 (1967) الذي نص على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، والقرار 2334 (2016) الذي اعتبر الاستيطان غير قانوني – أن كل توسع إسرائيلي فاقد للشرعية. كما أن ضم الجولان رفضه المجتمع الدولي بقرار 497 (1981). ومع ذلك، يواصل نتنياهو ومنظومته الحاكمة توظيف خطاب (إسرائيل الكبرى) لتبرير ما يجري من تهويد القدس وبناء آلاف الوحدات الاستيطانية في مناطق مثل E1، بما يهدف إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها، ومنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. هذه الوقائع تكشف أن مشروع (إسرائيل الكبرى) يجري تكريسه عبر (القوة القاهرة) رغم أن القانون الدولي يصنفه كجريمة عدوان وجرائم حرب خاضعة لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
سياسياً، يسعى نتنياهو لإعادة تعريف دوره ضمن التاريخ الصهيوني، معتبراً نفسه (المصحح) لأخطاء أسلافه: خطأ بن غوريون بترك فلسطينيي 48، وخطأ رابين بقبول أوسلو، وخطأ شارون بالانسحاب من غزة. ومن هنا يتضح أن كل ما يفعله في حكوماته المتعاقبة منذ منتصف التسعينيات يدخل ضمن ما يسميه بـ(الورشة التصحيحية)، التي يديرها بدوافع ثيولوجية وروحانية من ناحية، وبراغماتية ومراوغة سياسية من ناحية أخرى، الأرقام تؤكد طول بقائه في الحكم، إذ سجل رقماً قياسياً لم يبلغه أي من مؤسسي الكيان، وهو ما جعله يعتقد أن العناية الإلهية انتدبته لمهمة استكمال (إسرائيل الكبرى).
لكنّ الرؤية التوسعية لم تتوقف عند حدود فلسطين التاريخية، بل امتدت في المخيال السياسي الإسرائيلي إلى لبنان وسوريا وغيرها، حيث تحاول إسرائيل فرض سيطرتها على الجولان وخلق أحزمة أمنية عميقة، بل والتلويح بخطط اجتياح تصل إلى البقاع الغربي وشمال الليطاني، كما تُطرح سيناريوهات تتعلق بتهجير الفلسطينيين إلى الأردن أو سيناء، عبر ضغوط اقتصادية وعسكرية، بما يعني أن وهم (إسرائيل الكبرى) ليس مجرد فكرة بل إستراتيجية ممتدة تُدار على مراحل. ومع ذلك، فإن المعطيات الديمغرافية تشير إلى أن الفلسطينيين ما زالوا يقاربون سبعة ملايين نسمة بين النهر والبحر، وهو رقم يكاد يعادل عدد اليهود، ما يجعل استكمال يهودية الدولة هدفاً مستحيلاً دون ارتكاب جرائم تهجير جماعي جديدة.
دولياً، لم يكن لهذا المشروع أن يستمر دون غطاء أمريكي غير محدود. فقد وفر الدعم الأمريكي في عهدي ترامب وبايدن غطاءً سياسياً وديبلوماسياً غير مسبوق، بدءاً من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وصولاً إلى الاعتراف بالسيادة على الجولان، وتمرير (صفقة القرن) التي منحت إسرائيل ما يقارب ثلث مساحة الضفة الغربية. كما أن واشنطن سعت لتسويق فكرة التهجير القسري للفلسطينيين بعد حرب غزة، باعتبارها خياراً (مطروحاً) لحل المشكلة، في تحدٍ صارخ لكل المعايير الحقوقية والقانونية.
إن القراءة الحقوقية والقانونية والسياسية المتكاملة تُظهر أن وهم (إسرائيل الكبرى) – سواء بصياغة "من النيل إلى الفرات" أو "من النهر إلى البحر" – لا يعدو كونه مشروعاً استعمارياً توسعياً فاقداً لأي شرعية. فالقانون الدولي يجرّمه، والواقع الديمغرافي يقوضه، والتحولات الدولية تضعفه، فيما تؤكد المقاومة الشعبية الفلسطينية أن أي محاولة لفرضه ستظل تواجه صموداً لا ينكسر. إن نتنياهو الذي يتوهم لنفسه دوراً رسالياً في التاريخ، لن يغيّر حقيقة أن الشعب الفلسطيني هو صاحب الأرض والحق، وأن كل مشروع توسعي استعمار استيطاني مصيره الزوال مهما طال الزمن.
وهم المشروع الصهيوني
مُنذ بواكير المشروع الصهيوني، ارتكزت البنية الأيديولوجية للحركة على وهم (إسرائيل الكبرى) التي يُراد لها أن تمتد من النيل إلى الفرات، هذا التصور لم يكن مجرّد حلم لاهوتي أو شعار سياسي عابر، بل تحوّل إلى قاعدة استراتيجية استُخدمت لتبرير عمليات الاستيطان العسكري، والتهجير القسري، والعدوان المتكرر على الدول العربية، ورغم ما حظي به هذا المشروع من دعم غير محدود من القوى الاستعمارية الغربية – بداية ببريطانيا عبر وعد بلفور 1917، ولاحقاً عبر المظلة الأمريكية – إلا أن هذا المشروع ظل فاقداً لأي أساس حقوقي أو قانوني، ومتصادماً مع الواقع الديمغرافي والسياسي للمنطقة.
وفي العقد الأخير، تجسّد هذا الوهم بوضوح أكبر في شخصية بنيامين نتنياهو، الذي يبدو أن لقب (ملك إسرائيل) لم يعد كافياً لوصف نظرته لنفسه، إذ دفعه جنون القوة إلى التطلع إلى مكانة (رسالية) يضعها في مصاف أنبياء إسرائيل وملوكها، فالرجل صرّح أكثر من مرة بأنه في ذروة مهمة (تاريخية وروحية)، ملتصق بحلم (إسرائيل الكبرى) وخرائطها الممتدة في مخيلته من النيل إلى الفرات، غير آبهٍ بوجود دول ذات سيادة وشعوب متجذرة في الأرض والتاريخ منذ آلاف السنين.
إن هذه النزعة الشخصية ليست معزولة عن بنية النظام السياسي الإسرائيلي، بل تعكس اتجاهاً بنيوياً تسعى الحكومات الصهيونية لترسيخه منذ قيام الدولة عام 1948، مروراً باحتلال عام 1967، وصولًا إلى مشاريع الضمّ الراهنة. ففي المجال الحقوقي، يترتب على هذا المشروع نفي وجود شعب كامل، إذ تُظهر الإحصاءات أن أكثر من 750 ألف فلسطيني تم تهجيرهم عام 1948 فيما يناهز عدد اللاجئين الفلسطينيين اليوم 6 ملايين وفق سجلات الأونروا، كما أن سياسة الاستيطان، التي قفزت بعد أوسلو بشكل متسارع، خلقت واقعاً جديداً قوامه أكثر من 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية والقدس الشرقية موزعين على نحو 279 مستوطنة وبؤرة، بما يشكل انتهاكاً مباشراً للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة (1949). إن هذه السياسات تُصنّف قانونياً ضمن جرائم التهجير القسري والفصل العنصري، وتتناقض مع المبادئ الآمرة للقانون الدولي
(jus cogens) وعلى رأسها حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
ومن الناحية القانونية، أكدت قرارات مجلس الأمن – مثل القرار 242 (1967) الذي نص على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، والقرار 2334 (2016) الذي اعتبر الاستيطان غير قانوني – أن كل توسع إسرائيلي فاقد للشرعية. كما أن ضم الجولان رفضه المجتمع الدولي بقرار 497 (1981). ومع ذلك، يواصل نتنياهو ومنظومته الحاكمة توظيف خطاب (إسرائيل الكبرى) لتبرير ما يجري من تهويد القدس وبناء آلاف الوحدات الاستيطانية في مناطق مثل E1، بما يهدف إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها، ومنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. هذه الوقائع تكشف أن مشروع (إسرائيل الكبرى) يجري تكريسه عبر (القوة القاهرة) رغم أن القانون الدولي يصنفه كجريمة عدوان وجرائم حرب خاضعة لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
سياسياً، يسعى نتنياهو لإعادة تعريف دوره ضمن التاريخ الصهيوني، معتبراً نفسه (المصحح) لأخطاء أسلافه: خطأ بن غوريون بترك فلسطينيي 48، وخطأ رابين بقبول أوسلو، وخطأ شارون بالانسحاب من غزة. ومن هنا يتضح أن كل ما يفعله في حكوماته المتعاقبة منذ منتصف التسعينيات يدخل ضمن ما يسميه بـ(الورشة التصحيحية)، التي يديرها بدوافع ثيولوجية وروحانية من ناحية، وبراغماتية ومراوغة سياسية من ناحية أخرى، الأرقام تؤكد طول بقائه في الحكم، إذ سجل رقماً قياسياً لم يبلغه أي من مؤسسي الكيان، وهو ما جعله يعتقد أن العناية الإلهية انتدبته لمهمة استكمال (إسرائيل الكبرى).
لكنّ الرؤية التوسعية لم تتوقف عند حدود فلسطين التاريخية، بل امتدت في المخيال السياسي الإسرائيلي إلى لبنان وسوريا وغيرها، حيث تحاول إسرائيل فرض سيطرتها على الجولان وخلق أحزمة أمنية عميقة، بل والتلويح بخطط اجتياح تصل إلى البقاع الغربي وشمال الليطاني، كما تُطرح سيناريوهات تتعلق بتهجير الفلسطينيين إلى الأردن أو سيناء، عبر ضغوط اقتصادية وعسكرية، بما يعني أن وهم (إسرائيل الكبرى) ليس مجرد فكرة بل إستراتيجية ممتدة تُدار على مراحل. ومع ذلك، فإن المعطيات الديمغرافية تشير إلى أن الفلسطينيين ما زالوا يقاربون سبعة ملايين نسمة بين النهر والبحر، وهو رقم يكاد يعادل عدد اليهود، ما يجعل استكمال يهودية الدولة هدفاً مستحيلاً دون ارتكاب جرائم تهجير جماعي جديدة.
دولياً، لم يكن لهذا المشروع أن يستمر دون غطاء أمريكي غير محدود. فقد وفر الدعم الأمريكي في عهدي ترامب وبايدن غطاءً سياسياً وديبلوماسياً غير مسبوق، بدءاً من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وصولاً إلى الاعتراف بالسيادة على الجولان، وتمرير (صفقة القرن) التي منحت إسرائيل ما يقارب ثلث مساحة الضفة الغربية. كما أن واشنطن سعت لتسويق فكرة التهجير القسري للفلسطينيين بعد حرب غزة، باعتبارها خياراً (مطروحاً) لحل المشكلة، في تحدٍ صارخ لكل المعايير الحقوقية والقانونية.
إن القراءة الحقوقية والقانونية والسياسية المتكاملة تُظهر أن وهم (إسرائيل الكبرى) – سواء بصياغة "من النيل إلى الفرات" أو "من النهر إلى البحر" – لا يعدو كونه مشروعاً استعمارياً توسعياً فاقداً لأي شرعية. فالقانون الدولي يجرّمه، والواقع الديمغرافي يقوضه، والتحولات الدولية تضعفه، فيما تؤكد المقاومة الشعبية الفلسطينية أن أي محاولة لفرضه ستظل تواجه صموداً لا ينكسر. إن نتنياهو الذي يتوهم لنفسه دوراً رسالياً في التاريخ، لن يغيّر حقيقة أن الشعب الفلسطيني هو صاحب الأرض والحق، وأن كل مشروع توسعي استعمار استيطاني مصيره الزوال مهما طال الزمن.