أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

حقيقي في زمن اصطناعي

د.صبري صيدم
د.صبري صيدم
الكاتب: د.صبري صيدم
يندفع العالم اليوم نحو هاويةٍ من الزيف، حيث يتقدّم الذكاء الاصطناعي بخطوات هائلة، فيما تتراجع الحقيقة بخطواتٍ أشدّ إيلاماً. ويغزو هذا الزحف الرقمي تفاصيل حياتنا حتى أصبح الإنسان نفسه نسخةً مشكوكاً بأصالتها.
ومع تراكم الظلم، يتأكد أكثر من ذي قبل بأن كوكبنا بات بحاجة إلى قلبٍ حقيقي يُعيد للعالم توازنه، ويُنقذ الشعب الفلسطيني من أكاذيب المشهد الراهن، الذي يتغذى على اختلاقات إلكترونية ومشاهد مفبركة تحاول تفنيد الراوية الفلسطينية، إذ يَكشف المشهد المتعلق بفلسطين عن فجوةٍ عميقة بين ما يُعلَن وما يُمارَس. فالكلام عن وقفٍ للنار إنما يطفو على السطح، لكنه يفتقر إلى أيّ جذور تمسكه بالأرض. والحديث المتكرر عن إعادة الإعمار يتحول إلى صدىً أجوف لا أثر له. والوعود بالغذاء والمساعدات لا تتجاوز حبر التوقيعات ولا شاشات البث المباشر، فيما يفضح الواقع حقيقة غياب الوقف الحقيقيّ للنار، وغياب الإعمار، والغذاء، وأنّ كل ما يُمنح للفلسطينيين هو وعود قابلة للاندثار، مثل خطوط تُرسم على الضباب.
يغرق الناس في غزة في مياه الأمطار كما يغرقون في الوعود الدولية بإنهاء معاناتهم. تتدفّق مياه الأمطار بين الخيام، لكن تتدفق معها العهود المنقوصة، مكتوبة على ألواحٍ من الثلج، وعلى شيكات بلا رصيد. وتتساقط كلمات الدعم مثل قطرات باردة، لكنها لا تُسعف جسداً يرتجف ولا تطعم فماً جائعاً. وتتعالى تهديدات ترمب من خلف المنابر: إما القبول بما يُفرض، أو العودة إلى نار الحصار، والسحق، والخراب. مشهدٌ يبدو كأنه إعادة إنتاج لمعركةٍ طويلة، تُخاض دون أن يُسمح للشعب الفلسطيني بتغيير نهايتها.
ومع ذلك، ينهض الفلسطيني رغم الأسى، حاملاً أطفاله وأحلامه، محافظاً على تفاؤله ووجهه الحقيقي وسط عالمٍ يتقن صناعة الأقنعة، ليخرج من بين الركام ويرتاد مدارس تعود للحياة، وعيادات تتحدى العتمة، وأصواتاً تُنشد الحلم رغم الضجيج. وبين هذا وذاك، تتحرك الأمهات في الأزقة المتهاوية بحثاً عن لقمة العيش، فيما يتقدم المعلمون إلى الصفوف دونما مقاعد، ويواصل الأطباء عملياتهم على ضوء الهواتف دونما تخدير أو حتى أبسط المستلزمات. هؤلاء هم الشهود الحقيقيون على أن الإنسانية لم تمت، وأن قلوب البشر لا تزال قادرة على النبض في زمن الاصطناع.
ويؤكّد هذا الواقع أن الفلسطيني لا يحتاج إلى مزيد من القرارات بقدر ما يحتاج إلى إرادةٍ صادقة. فلا جدوى من منصات الكلام إنْ لم تتحول إلى منصاتٍ للفعل. ولا قيمة للاجتماعات الدولية إنْ بقيت أسيرة الخطابات المنمّقة، والوعد المغلوب على أمره، الذي يختار تجاهل الحقيقة، لكنه لن يستطيع الهروب منها إلى الأبد. فالحقيقة -حين تنبثق من صمود شعب- تصبح أقوى من كل خوارزميات الزيف.
يصنع الإنسان الحقيقي معجزته حين يتمسّك بجوهره، ويصبح الفلسطيني، بقدرته على تحويل الألم إلى أمل والرماد إلى بداية، هو صوت الحقيقة في زمنٍ يتقن صناعة الأكاذيب. وفي خضم هذا العالم الذي يتسابق نحو الاصطناع، يبقى القلب الفلسطيني هو الدليل الوحيد على أن ما هو حقيقي لا يمكن أن يُهزم، وأن ما هو صادق لا يمكن أن يُطفَأ… حتى لو اشتدّ ليل الزمن.
أمام هذا كله، فإن قلب الإنسان يجب أن لا يخضع للراوية الصهيونية، ولا لواقع المشهد الحالي في الضفة الغربية وقطاع غزة، الممهور قسراً بالوعود البراقة دونما فعل، والمستسلم أمام التحالف الحديدي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضمن معادلاتٍ لم تعد تنطلي على أحد مهما نجح أصحابها في "فبركة" الصورة باستخدام عالم الاصطناع.
فلسطين تحتاج فعلياً إلى قلبٍ دوليّ حديديّ يُحاكم المشهد، ويجترح سبيلاً آخر، بخلاف مدارس التقليد التي باتت مملة ومكشوفة، والتي فيها يجري الحديث عن طموحاتٍ لا أثر لها تندثر مع غرق الخيام وتضور الجوعى. للحديث بقية! 

 

تعليقات