غزة، انتبهي: من قال وداعًا للسلاح قد انتحر

عيسى قراقع
عيسى قراقع
الكاتب: عيسى قراقع 
حين كتب الروائي الأمريكي الشهير إرنست همنغواي روايته الشهيرة «وداعًا للسلاح»، كان يحاول أن يخلّص روحه من ثِقَل الحروب التي شارك فيها: الحربين العالميتين الاولى والثانية، مراسلا حربيا، وسائق سيارة اسعاف، ومتطوعا في الصليب الاحمر، واصيب بجراح بليغة، فكتب عن اهوال الحرب وحصل على جائزة نوبل للأدب عام 1954، ولكن فراغا داخليا ظل يتمدد في اعماقه، وهو يرى نفسه ذلك العجوز الجالس على شاطئ بحر غزة، يرى الموت والقصف، ولا يقذف البحر سوى هياكل عظمية ودم.
كتب رواية وداعا للسلاح، وداعا للحروب والخراب الانساني، وداعا للهيمنة والاستعمار، حان وقت السلام والحياة والحب وسط الدمار، ولكن هذه الحرب اللعينة لازالت تلاحقه حتى في زمن تأسيس الأمم المتحدة ومجلس حقوق الانسان، لا زالت فلسطين تحت النار على يد من وضعوا شرائع حقوق الانسان، ومن صاغوا نصوص القانون الدولي ومعاهدات الحروب في حالة الصراع، لم تودع الحرب الشعب الفلسطيني منذ النكبة حتى الان، فانتحر همنغواي بإطلاق رصاصة على رأسه في تموز عام 1961 بعد أن ظن أن السلام اقوى من السلاح.
كتب يقول: إن عواقب الحرب تمتد إلى ما هو أبعد من الانتصارات أو الهزائم المباشرة، الحرب تترك اماكن محطمة في النفوس البشرية، كأنه كان يصف ذاته قبل أن يطلق الرصاصة الأخيرة على نفسه.
حمل جائزة نوبل في الادب، لكن روايته الفائزة أحرقت في نيران غزة، لم تعد في المكتبات او المدارس، وكافة اصدقائه الكتاب والشعراء قتلوا، اين سليم النفار ورفعت العرعير؟ اين يوسف دواس وهبة زقوت وعمر ابو شاويش؟ اين مريم حجازي وهبة ابو ندى وعبد الكريم الحشاش، الحرب العالمية تعود بفظاعة مرة ثانية، خمس قنابل نووية ألقيت على غزة، روايتي تموت، لم تلتئم جروحي، وأفكاري عن السلام هنا في غزة تحولت إلى جثة هامدة.
لقد حاول أن يودّع السلاح، لكنه لم يستطع أن يودّع الحرب التي استوطنت داخله، ولاحقته في النوم واليقظة، هدير الطائرات، صراخ الامهات، دماء الحبر والاقلام الشهيدة. 
في كل صفحة من رواياته، كانت الحرب تعود متخفّية في وجوه النساء، في جماجم الأطفال، في نبرة الحنين، في المنازل المهدمة، في الجوع والتشرد وغبار الاجساد المتطايرة، في شعورٍ لا يهدأ بأن من يتخلى عن السلاح يعيش عبدا واسيرا ومقتولا ومستباحا، امام غطرسة القوة وايديولوجيا الإبادة والعنصرية، وحتى تكتب في الحرب عليك أن تحمل روحك وتكتب بالبندقية. 
لما أدرك همنغواي أن الكلمات لم تعد تقدر على شفاء الجرح، وان الاحلام تقتلها المتفجرات والصواريخ والقنابل، لجأ إلى السلاح مرة أخرى — لا ليكتب، بل لينهي الكتابة، ليكتب وداعا للخوف، وداعا للمذلة والركوع والاستسلام، رصاصة في جسده حتى لا يقع في قبضة من يمارسون بشاعة القتل والاغتصاب، رصاصة تحرر الجسد والروح معا، قبل ان يصل الطغاة، رصاصة في وجه الأكاذيب والصمت واللامبالاة.
انتحر همنغواي لأن السلام الذي حلم به كان زائفًا، ولأن معنى البطولة تلاشى أمام عينيه،
لم يعد يعرف لماذا قاتل، ولا من انتصر، ولا لأي غاية يجب أن يعيش، الرواية أغلقت في وجهها كل الطرق، الرواية تحت الانقاض، لا نافذة في هذه السماء الداكنة،
وحين يغيب المعنى، يصبح الموت شكلًا آخر من الكتابة.
بعد عقدين، كان الشاعر خليل حاوي في بيروت يعيش المأساة نفسها، ولكن على أرضٍ عربيةٍ ممزّقة،
رأى الدبابات الإسرائيلية تدخل
المدينة عام 1982 فرأى معها انهيار الحلم القومي والعربي، فسقط المعنى من يده كما تسقط القصيدة غير المكتملة، سقط الوطن عندما وصل الغزاة مشارف عاصمة عربية، فصرخ: ما اثقل العار، الاعتداء على بيروت اعتداء عليه، ولم يحتمل المشهد والعجز، فأطلق على رأسه الرصاص في السادس من حزيران، وافتتحت قصيدته تماما كما قال محمود درويش، صارت تابوته، لقد سئم الحضيض، سئم الاطلال على هاوية بلا قاع ، كان وحيدا بلا فكرة، ولا امرأة ولا قصيدة، ولا وعد، وماذا بعد وقوع بيروت في الحصار؟ لقد قتلته مشاهد المجازر الدامية، اين العروبة واين السلاح؟ خليل حاوي في بيروت، خليل حاوي في غزة الذبيحة التي تحولت إلى رماد، لم يبق سلاما في القصيدة، لقد جردوها من الحلم وجمال الحياة، انفجرت القصيدة في ذلك الصباح.
كتب قبل موته بسنوات قليلة يقول:
«يا وطني، من لي بحلمٍ يحتويني؟
من لي برمزٍ لا ينام؟»
كان يبحث عن رمزٍ يعيش، عن سلاحٍ لا يُسلَّم مادامت الحرية منقوصة، والكرامة تداس تحت جنازير الدبابات التي اجتاحت عقله، واسقطت كل الايديولوجيات العربية التي رأت صبرا وشاتيلا ورأت جحيم غزة.
وفي لحظة الانتحار، لم يكن يقتل نفسه، بل يعلن سقوط شعارات السلام ومبادئ العدالة،
لقد انتحر الشاعر لأن الاستعمار لم يرحل، بل تبدّل وجهه، ولأن اللغة لم تعد تملك ما تفعله أمام مشهد الاجتياح، هناك في بيروت، وهنا في غزة.
غزة انتبهي:
عندما وضع المظلومون سلاحهم دخلت الجرافات والمستوطنون إلى أراضيهم ،واقيمت المستوطنات واحرقت الحقول، وعندما اجمع العالم على خطة السلام الأمريكية، صار السلام شكلا اخر للحرب: الوصاية الاجنبية، غياب الحرية وحق تقرير المصير، إطلاق النار لم يتوقف، وسحق الأرواح تشتد في السجون، ومقابل كل رغيف خبز قنبلة.
غزة انتبهي، الشعب الفلسطيني انتبه: من قال وداعا للسلاح قد انتحر، صار عبدا وذليلا، بلا ارض وهوية وتاريخ ومكان، ودعنا السلاح ولكن الحرب لم تودعنا،جثثنا تملأ المدينة، الاستعمار لم يرحل، أنه يقيم في روايتنا، في شوارعنا وعقولنا، وفي قبورنا وذاكرتنا، في بيوتنا واغانينا، يسلبنا من ذواتنا وحقنا أن نعيش بكرامة.
غزة انتبهي: من قال وداعا للسلاح قد انتحر، يريدون أن نسلم السلاح كي يذبحونا دون مقاومة، دون رجفة أو صرخة، والمقاومة ليست عنفا، أنها فعل وجودي، رفض للعدم، حق مشروع لكل الشعوب المناضلة من أجل الحرية، هي رفض أن يتحول الإنسان إلى رقم في سجل او في كرت للمؤن، او الي جثة في حرب، او ظل في وطن منهوب، المقاومة رفض للهيمنة وانحياز للانسانية، المقاومة ليست جريمة أو ارهابا اوعبثا، وحين يغيب السلام العادل من يحمي الذات والحكاية والبيت؟ المقاومة ليست اعلان حرب بل اعلان حياة.
غزة انتبهي: من قال وداعا للسلاح قد انتحر، ومن رأى المجازر المرعبة المتواصلة، الفاشية والعنصرية، الاستقواء والتدمير والنهب، لم يجد سلاما الا في مختبرات الأسلحة والصواريخ الفتاكة، وعلى شاشات المراقبة والخضوع والطاعة، هذا السلام الذي يقتل في البشر روح الوعي والإرادة.
حين يسألها مجلس الامن "لماذا لا تودّعين السلاح؟" تجيب غزة كما لو كانت تردّ على همنغواي وحاوي معًا:
لأننا لم نودّع الحرب بعد، لأن الاستعمار لم يرحل بعد، لأن الحرية لم تتحقق بعد، الحرب تحاصرنا في خطوطها الصفراء والحمراء، بين حواجزها الكثيرة، في سياسة الضم والتهجير والاعتقالات التعسفية، تحاصرنا في كل شيئ، هذه الحرب وما يسمى السلام الأمريكي تريدنا أن نختفي من الخريطة والسردية، سلام يطمسنا في الدنيا والآخرة.
تذكّر غزة العالم أن وداع السلاح ليس دائمًا علامة سلام، بل قد يكون إعلانًا للهزيمة،
إن من يودّع سلاحه قبل أن يتحرر، يوقّع وثيقة استسلام للظلم والقهر وينتحر.
ولهذا تبدو غزة كأنها تجيب خليل حاوي حين كتب:
«يا وطني، ما زلتُ أبحث عن ميلادٍ جديدٍ للرماد».
فهي الميلاد الذي تحدّث عنه، لكنها لم تمت لتبحث عنه، بل عاشت وسط الرماد لتصنعه.
همنغواي أطلق رصاصته لأنه فقد المعنى واغتيلت الرواية، وحاوي أطلق رصاصته لأنه رأى المعنى يُهان في بلاغة القصيدة، أما غزة، فتمسك بالرصاصة لتعيد للمعنى مجده المفقود، اللقاء المقدس بين الأرض والسماء، بين هذا الدم وهذا البرق في الشتاء. بين الأسير وشمس ساطعة في الفضاء، بين اليسوع وصليبه حبا واملا وإيمانا وصمودا ورجاء.
غزة هي التي تفهم أن المقاومة ليست نقيض الحياة، بل دفاع عنها، وأن السلاح ليس عبئًا على الجسد، بل امتدادٌ للكرامة في وجه االفناء
من قال «وداعًا للسلاح» ودّع نفسه أيضًا، أما غزة، فهي التي قالت:
"لن نودّع السلاح حتى لا نودّع الإنسان فينا، وحتى لا يدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيرا.
في زمنٍ يكتب فيه العالم روايته الأخيرة عن الحروب والصفقات وتحويل البشر إلى عقار، ويبدع في سرديات الخراب، وهندسة المجتمعات المقهورة،
تكتب غزة روايتها الأولى عن البقاء بالحب والزيت والصلاة لا بالقوة:
إنها الرصاصة التي لم تنتحر،
القصيدة التي لم تنكسر،
الرواية التي لم تندثر،
المحاكمة الأخلاقية التي لن تنسى ولن تغفر،
وآخر ما تبقّى من ضميرٍ بشريٍّ لم يوقّع على وثيقة الاستسلام.

 

تعليقات