![]() |
رجائي عبد الله الشطلي |
تقدير موقف /
تفكيك النظام السياسي الفلسطيني
من صفر ضرائب إلى صفر سياسة
قراءة هادئة في مآلات المشهد الفلسطيني
أولًا: الفلسطيني خارج معادلة القرار
يتابع الفلسطيني اليوم ما يجري من حوله، وما يُناقش في الأطر السياسية المختلفة بشأن مستقبله ووطنه، دون أن يكون شريكًا فعليًا في صياغة هذه القرارات. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تقلّصت مساحة الفعل السياسي الفلسطيني، وتراجعت القدرة على التأثير، بل وحتى على التعبير عن الرأي إزاء ما يُطرح من تصورات وخطط تمس جوهر القضية الفلسطينية.
ثانيًا: السابع من أكتوبر في السياق العام
من دون الدخول في تفاصيل أحداث السابع من أكتوبر، يمكن النظر إليها ضمن سياق أوسع، تشكّلت ملامحه عبر سنوات من التعقيد السياسي والأمني، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية. فمن المعروف أن الاحتلال الإسرائيلي لا يحتاج إلى مبررات لممارسة سياساته، إلا أن البيئة الدولية غالبًا ما تتفاعل مع الأحداث وفق روايات تُبنى وتُسوَّق بعناية، الأمر الذي كان له أثر واضح في حجم الدمار الذي تعرض له قطاع غزة، وفي طبيعة التفاعل الدولي معه.
ثالثًا: لجنة التكنوقراط وحدود الدور
يُطرح اليوم خيار تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة في المرحلة المقبلة. ولا شك أن العديد من الأسماء المطروحة تحظى باحترام واسع، وتتمتع بالكفاءة والانتماء الوطني، إلا أن التساؤل الجوهري يتعلق بمدى استقلالية هذه اللجنة وقدرتها على اتخاذ قرارات سياسية مؤثرة. فالمؤشرات توحي بأن دورها قد يظل محصورًا في الجوانب الإدارية والإغاثية، ضمن مرجعيات عليا تمتلك صلاحيات تشريعية وتنظيمية واسعة.
رابعًا: تعميق الانقسام وإعادة إنتاج الواقع
تكمن الإشكالية في أن هذه الصيغة، إذا ما استمرت، قد تكرّس واقعًا سياسيًا منفصلًا بين قطاع غزة والضفة الغربية، وهو ما ينعكس سلبًا على وحدة المشروع الوطني الفلسطيني. وفي حال جرى تعميم هذا النموذج لاحقًا على الضفة الغربية، عبر تشكيل أطر إدارية مشابهة، فإن ذلك قد يؤدي إلى تفكيك تدريجي للنظام السياسي الفلسطيني، واستبداله بلجان أو كانتونات منفصلة، تعمل بتمويل وإشراف دوليين، وتفتقر إلى مرجعية وطنية جامعة.
خامسًا: هل هو مجلس سلام أم أداة هيمنة؟
أما على المستوى الدولي، فإن الطروحات المتعلقة بتشكيل أطر أممية جديدة لإدارة النزاعات، في حال تطورت، قد تعكس توجهًا نحو إعادة تشكيل النظام الدولي، بما يعزز دور القوى الكبرى في توجيه مسارات الحلول، وهو أمر يستدعي قراءة متأنية وحذرة.
سادسًا: توسعة غزة… الجغرافيا في خدمة الاستثمار
من بين الطروحات المتداولة، يبرز الحديث عن توسعة قطاع غزة على حساب البحر، ضمن مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار. ووفق هذه التصورات، سيُعاد تنظيم الكتلة السكانية بحيث يُقيم من تبقى من سكان القطاع في المناطق الواقعة من شارع الجلاء باتجاه الشرق، فيما تُخصص المناطق الممتدة من شارع الجلاء باتجاه الغرب لمشاريع استثمارية، تشمل فنادق ومنشآت سياحية كبرى.
في هذا النموذج، يتحول الفلسطيني تدريجيًا من مالكٍ لأرضه ومواطنٍ في وطنه، إلى عاملٍ في مشاريع استثمارية تُدار وفق أولويات خارجية، ما يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة السيادة، وحدود الحق في الأرض، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والمكان.
سابعًا: الاستثمار بوصفه مدخلًا سياسيًا
ليست هذه الطروحات معزولة عن سياق أوسع. فقد سبق أن صرّح جاريد كوشنر، خلال الحرب، بأن شواطئ غزة من أجمل الشواطئ العالمية، وأنها تستحق الاستثمار. ويُفهم من هذا الطرح أن قطاع غزة يُنظر إليه بوصفه مساحة اقتصادية قابلة للاستثمار العالمي، أكثر من كونه جزءًا من وطن يخضع للاحتلال ويطالب شعبه بحقوقه السياسية المشروعة.
ومن هنا، يمكن قراءة هذه التصورات باعتبارها خطوة أولى نحو تحويل غزة إلى منطقة استثمارية مفتوحة، تُدار بمنطق السوق، لا بمنطق التحرر الوطني، ما يضعف قدرة الفلسطينيين على التأثير أو حتى إبداء الرأي في ما يُخطط لمستقبلهم.
ثامنًا: نحو إنهاء المشروع الوطني؟
ما يُطرح اليوم، وفق هذه القراءة، يبدو وكأنه وصفة متكاملة لإعادة تشكيل القضية الفلسطينية، تبدأ بإجراءات إدارية واقتصادية، وتنتهي بإفراغ المشروع الوطني من مضمونه السياسي. فاستبدال النظام السياسي الفلسطيني بأطر إدارية منفصلة، وتحويل الأرض إلى مساحة استثمار، والمواطن إلى قوة عمل، كلها مؤشرات تستدعي وقفة جادة ونقاشًا وطنيًا معمقًا.
كل هذه الترتيبات سيكون لها آثار عميقة، من بينها نزع السلاح من الجميع بما فيها الأفراد والعائلات وتحول الفصائل الفلسطينية الي أحزاب سياسية ، وتغيير المناهج التعليمية، وفرض خطاب “نبذ العنف والإرهاب” وفق تعريفات سياسية محددة. وفي المحصلة، سيجري تعزيز فكرة “دولة غزة”، التي قد تتسع جغرافيًا باتجاه سيناء والنقب وبئر السبع، مقابل اقتطاع أجزاء واسعة من مدن الضفة الغربية فيما يسمى “تبادل الأراضي”، على أن يتم ربط ما تبقى من الضفة بدولة غزة عبر ممرات جغرافية، وهي طروحات تم تداولها سابقا وربما تكون حلولا بالمستقبل .
هل سيقبل الفلسطيني بذلك ؟
من مات جوعا وقهرا وتسولا وبردا وقتلا بالرصاص على مدار أعوام سيقبل بادني من ذلك ، وهي سياسة كي الوعي المتبعة للوصول إلي الموافقة دون شروط مسبقة، ومن يراهن على غير ذلك فهو واهم .
خاتمة :
إن إدارة القضية الفلسطينية بوصفها ملفًا إنسانيًا أو اقتصاديًا فقط، دون معالجة جذورها السياسية، يحمل مخاطر حقيقية على وحدة الشعب والأرض والرواية. وما لم يكن الفلسطيني شريكًا أصيلًا في تقرير مصيره، فإن أي حلول مطروحة، مهما بدت جذابة في ظاهرها، ستظل ناقصة وقابلة لإعادة إنتاج الأزمات.
ما المطلوب فلسطينيًا لمواجهة هذه التحديات؟
الاصلاح السريع والجذري لمؤسساتنا الوطنية الفلسطينية سواء مؤسسات الدولة أو المؤسسات الخاصة عبر الشفافية في التوظيف وتقنين الموارد وإعادة صياغة المنهاج التعليمي الفلسطيني بأيدينا قبل أن يفرض علينا وهذا الإصلاح لن يكتب له النجاح الا اذا شارك فيه المجتمع المدني والشعب الفلسطيني حتي يتم قبوله شعبيا ورسميا ، وفيما يلي بعض ما هو مطلوب فلسطينيا :
أولًا: استعادة القرار الوطني المستقل
أخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط حجم الضغوط الخارجية، بل غياب الإرادة الوطنية الجامعة. المطلوب قبل أي شيء هو تحرير القرار الفلسطيني من الارتهان لأي أجندات إقليمية أو دولية، وإعادة التأكيد على أن الشعب الفلسطيني هو صاحب الحق الأول في تقرير مصيره، لا اللجان المؤقتة ولا الهيئات المفروضة.
ثانيًا: إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني
لا يمكن مواجهة مشاريع التفكيك بلجان مؤقتة أو أطر إدارية. المطلوب هو دعم وتثبيت منظمة التحرير الفلسطينية كممثل. شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ، بحيث تضم جميع القوى السياسية والاجتماعية وتفعيل المجلس الوطني الفلسطيني
وتجديد الشرعيات عبر الانتخابات حيثما أمكن والفصل الواضح بين العمل السياسي والعمل الإداري .
ثالثًا: إنهاء الانقسام لا إدارته
الانقسام الفلسطيني هو البيئة المثالية لتمرير أي مشروع خارجي. المطلوب ليس التعايش مع الانقسام أو تجميله بصيغ إدارية، بل إنهاؤه جذريًا عبر توافق وطني شامل، يقوم على برنامج سياسي واضح، لا على تقاسم النفوذ أو إدارة الأزمات وعبر رؤية واستراتيجية وطنية واضحة يتفق عليها الجميع وفق الثوابت الوطنية الفلسطينية وما دونها نستطيع أن نختلف .
رابعًا: تحويل الإعمار من أداة ضغط إلى أداة صمود
إعادة إعمار غزة ضرورة إنسانية، لكنها تتحول إلى خطر عندما تُستخدم كوسيلة لفرض وقائع سياسية جديدة. المطلوب:
ربط الإعمار بحقوق سياسية واضحة ورفض أي مشاريع استثمارية تمس السيادة على الأرض وضمان بقاء ملكية الأرض فلسطينية، وعدم تحويل السكان إلى قوة عمل بلا حقوق.
خامسًا: صياغة رؤية وطنية للاقتصاد والمكان
في مواجهة مشاريع “غزة الاستثمارية”، يجب تقديم بديل فلسطيني واضح:
اقتصاد وطني يخدم الإنسان لا رأس المال فقط وحماية الشاطئ والأراضي العامة من الخصخصة القسريةوإشراك المجتمعات المحلية في أي تخطيط عمراني أو اقتصادي.
سادسًا: معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة الأرض
ما يُطرح اليوم يُسوّق عالميًا بوصفه “حلولًا إنسانية وتنموية”. المطلوب فلسطينيًا:
خطاب سياسي وإعلامي موحد وتفكيك الروايات التي تحوّل القضية إلى ملف إنساني فقط ومخاطبة الرأي العام العالمي بلغة القانون الدولي وحقوق الإنسان.
سابعًا: تفعيل الدور الشعبي والنقابي والمجتمعي
حين يُقصى الشعب عن السياسة، يصبح تمرير المشاريع أسهل. المطلوب:
إعادة الاعتبار لدور النقابات والاتحادات وفتح المجال للنقاش العام والضغط الشعبي السلمي وحماية حرية التعبير باعتبارها خط الدفاع الأول .
ثامنًا: إعادة تعريف العلاقة مع المجتمع الدولي
بدل موقع المتلقي للمبادرات، يجب الانتقال إلى موقع الفاعل:
التمسك بالمرجعيات الدولية لا استبدالها ورفض أي أطر بديلة تُفرغ القضية من مضمونها السياسي وبناء تحالفات دولية قائمة على الحقوق لا على المساعدات.
خلاصة
المعركة اليوم ليست فقط على حدود أو مشاريع إعمار، بل على تعريف فلسطين نفسها:
هل هي قضية شعب يسعى للحرية والاستقلال؟
أم مساحة جغرافية تُدار اقتصاديًا وتُضبط أمنيًا؟
الجواب الفلسطيني يجب أن يكون واضحًا، جماعيًا، وفعّالًا، وإلا فإن أخطر ما نواجهه ليس ما يُخطط لنا، بل صمتنا عنه.
رجائي عبد الله الشطلي
صحفي من قطاع غزة
تفكيك النظام السياسي الفلسطيني
من صفر ضرائب إلى صفر سياسة
قراءة هادئة في مآلات المشهد الفلسطيني
أولًا: الفلسطيني خارج معادلة القرار
يتابع الفلسطيني اليوم ما يجري من حوله، وما يُناقش في الأطر السياسية المختلفة بشأن مستقبله ووطنه، دون أن يكون شريكًا فعليًا في صياغة هذه القرارات. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تقلّصت مساحة الفعل السياسي الفلسطيني، وتراجعت القدرة على التأثير، بل وحتى على التعبير عن الرأي إزاء ما يُطرح من تصورات وخطط تمس جوهر القضية الفلسطينية.
ثانيًا: السابع من أكتوبر في السياق العام
من دون الدخول في تفاصيل أحداث السابع من أكتوبر، يمكن النظر إليها ضمن سياق أوسع، تشكّلت ملامحه عبر سنوات من التعقيد السياسي والأمني، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية. فمن المعروف أن الاحتلال الإسرائيلي لا يحتاج إلى مبررات لممارسة سياساته، إلا أن البيئة الدولية غالبًا ما تتفاعل مع الأحداث وفق روايات تُبنى وتُسوَّق بعناية، الأمر الذي كان له أثر واضح في حجم الدمار الذي تعرض له قطاع غزة، وفي طبيعة التفاعل الدولي معه.
ثالثًا: لجنة التكنوقراط وحدود الدور
يُطرح اليوم خيار تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة في المرحلة المقبلة. ولا شك أن العديد من الأسماء المطروحة تحظى باحترام واسع، وتتمتع بالكفاءة والانتماء الوطني، إلا أن التساؤل الجوهري يتعلق بمدى استقلالية هذه اللجنة وقدرتها على اتخاذ قرارات سياسية مؤثرة. فالمؤشرات توحي بأن دورها قد يظل محصورًا في الجوانب الإدارية والإغاثية، ضمن مرجعيات عليا تمتلك صلاحيات تشريعية وتنظيمية واسعة.
رابعًا: تعميق الانقسام وإعادة إنتاج الواقع
تكمن الإشكالية في أن هذه الصيغة، إذا ما استمرت، قد تكرّس واقعًا سياسيًا منفصلًا بين قطاع غزة والضفة الغربية، وهو ما ينعكس سلبًا على وحدة المشروع الوطني الفلسطيني. وفي حال جرى تعميم هذا النموذج لاحقًا على الضفة الغربية، عبر تشكيل أطر إدارية مشابهة، فإن ذلك قد يؤدي إلى تفكيك تدريجي للنظام السياسي الفلسطيني، واستبداله بلجان أو كانتونات منفصلة، تعمل بتمويل وإشراف دوليين، وتفتقر إلى مرجعية وطنية جامعة.
خامسًا: هل هو مجلس سلام أم أداة هيمنة؟
أما على المستوى الدولي، فإن الطروحات المتعلقة بتشكيل أطر أممية جديدة لإدارة النزاعات، في حال تطورت، قد تعكس توجهًا نحو إعادة تشكيل النظام الدولي، بما يعزز دور القوى الكبرى في توجيه مسارات الحلول، وهو أمر يستدعي قراءة متأنية وحذرة.
سادسًا: توسعة غزة… الجغرافيا في خدمة الاستثمار
من بين الطروحات المتداولة، يبرز الحديث عن توسعة قطاع غزة على حساب البحر، ضمن مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار. ووفق هذه التصورات، سيُعاد تنظيم الكتلة السكانية بحيث يُقيم من تبقى من سكان القطاع في المناطق الواقعة من شارع الجلاء باتجاه الشرق، فيما تُخصص المناطق الممتدة من شارع الجلاء باتجاه الغرب لمشاريع استثمارية، تشمل فنادق ومنشآت سياحية كبرى.
في هذا النموذج، يتحول الفلسطيني تدريجيًا من مالكٍ لأرضه ومواطنٍ في وطنه، إلى عاملٍ في مشاريع استثمارية تُدار وفق أولويات خارجية، ما يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة السيادة، وحدود الحق في الأرض، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والمكان.
سابعًا: الاستثمار بوصفه مدخلًا سياسيًا
ليست هذه الطروحات معزولة عن سياق أوسع. فقد سبق أن صرّح جاريد كوشنر، خلال الحرب، بأن شواطئ غزة من أجمل الشواطئ العالمية، وأنها تستحق الاستثمار. ويُفهم من هذا الطرح أن قطاع غزة يُنظر إليه بوصفه مساحة اقتصادية قابلة للاستثمار العالمي، أكثر من كونه جزءًا من وطن يخضع للاحتلال ويطالب شعبه بحقوقه السياسية المشروعة.
ومن هنا، يمكن قراءة هذه التصورات باعتبارها خطوة أولى نحو تحويل غزة إلى منطقة استثمارية مفتوحة، تُدار بمنطق السوق، لا بمنطق التحرر الوطني، ما يضعف قدرة الفلسطينيين على التأثير أو حتى إبداء الرأي في ما يُخطط لمستقبلهم.
ثامنًا: نحو إنهاء المشروع الوطني؟
ما يُطرح اليوم، وفق هذه القراءة، يبدو وكأنه وصفة متكاملة لإعادة تشكيل القضية الفلسطينية، تبدأ بإجراءات إدارية واقتصادية، وتنتهي بإفراغ المشروع الوطني من مضمونه السياسي. فاستبدال النظام السياسي الفلسطيني بأطر إدارية منفصلة، وتحويل الأرض إلى مساحة استثمار، والمواطن إلى قوة عمل، كلها مؤشرات تستدعي وقفة جادة ونقاشًا وطنيًا معمقًا.
كل هذه الترتيبات سيكون لها آثار عميقة، من بينها نزع السلاح من الجميع بما فيها الأفراد والعائلات وتحول الفصائل الفلسطينية الي أحزاب سياسية ، وتغيير المناهج التعليمية، وفرض خطاب “نبذ العنف والإرهاب” وفق تعريفات سياسية محددة. وفي المحصلة، سيجري تعزيز فكرة “دولة غزة”، التي قد تتسع جغرافيًا باتجاه سيناء والنقب وبئر السبع، مقابل اقتطاع أجزاء واسعة من مدن الضفة الغربية فيما يسمى “تبادل الأراضي”، على أن يتم ربط ما تبقى من الضفة بدولة غزة عبر ممرات جغرافية، وهي طروحات تم تداولها سابقا وربما تكون حلولا بالمستقبل .
هل سيقبل الفلسطيني بذلك ؟
من مات جوعا وقهرا وتسولا وبردا وقتلا بالرصاص على مدار أعوام سيقبل بادني من ذلك ، وهي سياسة كي الوعي المتبعة للوصول إلي الموافقة دون شروط مسبقة، ومن يراهن على غير ذلك فهو واهم .
خاتمة :
إن إدارة القضية الفلسطينية بوصفها ملفًا إنسانيًا أو اقتصاديًا فقط، دون معالجة جذورها السياسية، يحمل مخاطر حقيقية على وحدة الشعب والأرض والرواية. وما لم يكن الفلسطيني شريكًا أصيلًا في تقرير مصيره، فإن أي حلول مطروحة، مهما بدت جذابة في ظاهرها، ستظل ناقصة وقابلة لإعادة إنتاج الأزمات.
ما المطلوب فلسطينيًا لمواجهة هذه التحديات؟
الاصلاح السريع والجذري لمؤسساتنا الوطنية الفلسطينية سواء مؤسسات الدولة أو المؤسسات الخاصة عبر الشفافية في التوظيف وتقنين الموارد وإعادة صياغة المنهاج التعليمي الفلسطيني بأيدينا قبل أن يفرض علينا وهذا الإصلاح لن يكتب له النجاح الا اذا شارك فيه المجتمع المدني والشعب الفلسطيني حتي يتم قبوله شعبيا ورسميا ، وفيما يلي بعض ما هو مطلوب فلسطينيا :
أولًا: استعادة القرار الوطني المستقل
أخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط حجم الضغوط الخارجية، بل غياب الإرادة الوطنية الجامعة. المطلوب قبل أي شيء هو تحرير القرار الفلسطيني من الارتهان لأي أجندات إقليمية أو دولية، وإعادة التأكيد على أن الشعب الفلسطيني هو صاحب الحق الأول في تقرير مصيره، لا اللجان المؤقتة ولا الهيئات المفروضة.
ثانيًا: إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني
لا يمكن مواجهة مشاريع التفكيك بلجان مؤقتة أو أطر إدارية. المطلوب هو دعم وتثبيت منظمة التحرير الفلسطينية كممثل. شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ، بحيث تضم جميع القوى السياسية والاجتماعية وتفعيل المجلس الوطني الفلسطيني
وتجديد الشرعيات عبر الانتخابات حيثما أمكن والفصل الواضح بين العمل السياسي والعمل الإداري .
ثالثًا: إنهاء الانقسام لا إدارته
الانقسام الفلسطيني هو البيئة المثالية لتمرير أي مشروع خارجي. المطلوب ليس التعايش مع الانقسام أو تجميله بصيغ إدارية، بل إنهاؤه جذريًا عبر توافق وطني شامل، يقوم على برنامج سياسي واضح، لا على تقاسم النفوذ أو إدارة الأزمات وعبر رؤية واستراتيجية وطنية واضحة يتفق عليها الجميع وفق الثوابت الوطنية الفلسطينية وما دونها نستطيع أن نختلف .
رابعًا: تحويل الإعمار من أداة ضغط إلى أداة صمود
إعادة إعمار غزة ضرورة إنسانية، لكنها تتحول إلى خطر عندما تُستخدم كوسيلة لفرض وقائع سياسية جديدة. المطلوب:
ربط الإعمار بحقوق سياسية واضحة ورفض أي مشاريع استثمارية تمس السيادة على الأرض وضمان بقاء ملكية الأرض فلسطينية، وعدم تحويل السكان إلى قوة عمل بلا حقوق.
خامسًا: صياغة رؤية وطنية للاقتصاد والمكان
في مواجهة مشاريع “غزة الاستثمارية”، يجب تقديم بديل فلسطيني واضح:
اقتصاد وطني يخدم الإنسان لا رأس المال فقط وحماية الشاطئ والأراضي العامة من الخصخصة القسريةوإشراك المجتمعات المحلية في أي تخطيط عمراني أو اقتصادي.
سادسًا: معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة الأرض
ما يُطرح اليوم يُسوّق عالميًا بوصفه “حلولًا إنسانية وتنموية”. المطلوب فلسطينيًا:
خطاب سياسي وإعلامي موحد وتفكيك الروايات التي تحوّل القضية إلى ملف إنساني فقط ومخاطبة الرأي العام العالمي بلغة القانون الدولي وحقوق الإنسان.
سابعًا: تفعيل الدور الشعبي والنقابي والمجتمعي
حين يُقصى الشعب عن السياسة، يصبح تمرير المشاريع أسهل. المطلوب:
إعادة الاعتبار لدور النقابات والاتحادات وفتح المجال للنقاش العام والضغط الشعبي السلمي وحماية حرية التعبير باعتبارها خط الدفاع الأول .
ثامنًا: إعادة تعريف العلاقة مع المجتمع الدولي
بدل موقع المتلقي للمبادرات، يجب الانتقال إلى موقع الفاعل:
التمسك بالمرجعيات الدولية لا استبدالها ورفض أي أطر بديلة تُفرغ القضية من مضمونها السياسي وبناء تحالفات دولية قائمة على الحقوق لا على المساعدات.
خلاصة
المعركة اليوم ليست فقط على حدود أو مشاريع إعمار، بل على تعريف فلسطين نفسها:
هل هي قضية شعب يسعى للحرية والاستقلال؟
أم مساحة جغرافية تُدار اقتصاديًا وتُضبط أمنيًا؟
الجواب الفلسطيني يجب أن يكون واضحًا، جماعيًا، وفعّالًا، وإلا فإن أخطر ما نواجهه ليس ما يُخطط لنا، بل صمتنا عنه.
رجائي عبد الله الشطلي
صحفي من قطاع غزة
