![]() |
روان الحسيني |
الكاتب: روان الحسيني
ما يحدث في فلسطين اليوم لا يمكن اختزاله في كونه صراعًا محليًا أو أزمة إنسانية طارئة. نحن أمام لحظة كاشفة في النظام العالمي، لحظة يُعاد فيها تعريف ما هو مشروع، وما هو مسموح، وما يمكن للقوة أن تفعله دون مساءلة.
لم تُستهدف فلسطين لأنها الأضعف فقط، بل لأنها أصبحت المعيار الأخلاقي الذي يُقاس عليه صدق النظام الدولي. وعلى مدار العامين الماضيين، فشل هذا النظام في أبسط اختباراته: حماية المدنيين، إنفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني، ومنع القتل والتجويع والتهجير كأدوات حرب.
لكن الأخطر من العجز هو ما تلاه.
تم تهميش المؤسسات الدولية، إفراغ التوثيق من أثره القانوني، وتحويل الجرائم الموثقة إلى أرقام في تقارير لا تُحرّك آليات المساءلة. وكأن الرسالة الموجهة للعالم واضحة: القانون موجود للزينة السياسية، لا للتطبيق حين تتعارض نتائجه مع مصالح القوى الكبرى. وبالتوازي مع ذلك، نشهد تفتيتًا ممنهجًا للجسد الفلسطيني:
غزة تُدمَّر وتُفرغ من مقومات الحياة، الداخل الفلسطيني يُستنزف عبر الجريمة المنظمة وتفكيك البنية المجتمعية، والضفة الغربية تُخنق سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
ومع كل ذلك، يُدفع باتجاه التشكيك في دور السلطة الفلسطينية وتجاوزها، ليس من باب التقييم الموضوعي لأدائها أو الدفع نحو إصلاح سياسي حقيقي، بل في سياق أوسع يسعى إلى تفكيك البنية السياسية القائمة التي تستند إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي. في هذا الإطار، لا يُقرأ تهميش السلطة فقط كمسألة إدارية أو داخلية، بل كجزء من مسار يهدف إلى إضعاف الإطار السياسي والقانوني الجامع، وتقويض العنوان الذي يحمل المطالبة بالحقوق الوطنية في المحافل الدولية.
تفتيت الجغرافيا، إنهاك المجتمع، وتشويه التمثيل السياسي ليست نتائج عرضية، بل عناصر في مسار واحد: شرذمة القضية وتحويلها من قضية تحرر وحقوق إلى ملف تحت أي مسمى قابل للإدارة. وفي هذا الفراغ، تُطرح ترتيبات سياسية وأمنية لغزة خارج إطار الأمم المتحدة، وكأن المطلوب ليس فقط تجاوز الفلسطينيين، بل تجاوز منظومة الشرعية الدولية ذاتها.
وهنا تتجاوز فلسطين حدودها.
ما يجري ليس مجرد صراع على أرض، بل انتقال متسارع نحو نمط جديد من الحكم العالمي:
نظام يقوم على فرض الوقائع بالقوة، وتطبيع الاستثناء، وتحويل المعايير الأخلاقية إلى أدوات انتقائية تُستخدم حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تعيقها.
هذا التحول لا يهدد الفلسطينيين وحدهم. إنه يهدد فكرة الأمن الجماعي، ويقوض مبدأ سيادة القانون، ويؤسس لعالم يمكن فيه لأي قوة مهيمنة أن تعيد رسم الجغرافيا والديموغرافيا تحت ذرائع أمنية أو اقتصادية أو حضارية.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو:
أين النخب العالمية؟ أين الأكاديميون؟ أين القانونيون؟ أين شبكات المجتمع المدني العابرة للحدود؟
كيف يُعاد تشكيل النظام الدولي بهذه السرعة، وبهذا القدر من العنف، دون مقاومة فكرية وقانونية منظمة على مستوى عالمي؟
الصمت هنا ليس عجزًا فقط، بل تواطؤ غير مباشر مع إعادة هندسة عالم أقل عدالة، وأكثر خضوعًا لمنطق القوة العارية.
دعوة للتحرك: من الإدانة إلى الفعل
ما نحتاجه اليوم ليس فقط التعاطف، بل إعادة تنظيم فعل سياسي وقانوني عالمي يوقف هذا الانزلاق الخطير. المطلوب هو انتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الفعل: تفعيل الولاية القضائية العالمية لملاحقة الجرائم، بناء تحالفات قانونية وإعلامية عابرة للحدود، وربط أي مسار سياسي أو اقتصادي في المنطقة باحترام واضح وملزم لقواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان. كما أن مسؤولية الجامعات، ومراكز الأبحاث، والنقابات المهنية، وشبكات المجتمع المدني، لم تعد ثانوية. هذه المؤسسات مطالبة اليوم بإنتاج خطاب مقاوم للتطبيع مع الجريمة، وبناء ضغط منظم على صانعي القرار، لأن ترك الساحة للمصالح العسكرية والاقتصادية وحدها يعني التسليم بولادة نظام عالمي أكثر توحشًا وأقل إنسانية.
حماية الإطار السياسي الفلسطيني: ضرورة قانونية لا خيارًا تكتيكيًا
وفي قلب هذا المشهد، لا يمكن فصل ما يتعرض له الفلسطينيون من سياسات تفكيك وتهميش عن محاولات تجاوز البنية السياسية القائمة على الأرض. فمهما كانت الانتقادات المشروعة لأداء السلطة الفلسطينية، فإن تجاوزها في ظل غياب أفق سياسي حقيقي لا يقود إلى إصلاح النظام السياسي، بل يفضي إلى إضعاف الإطار التمثيلي الذي يستند إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وفق قرارات الشرعية الدولية، وأي مسار يتجاوزها يهدد المنظومة الفلسطينية بأكملها ولا يعني “إصلاح النظام السياسي الفلسطيني”، بل يعني تفكيك العنوان القانوني الحالي وتحويل القضية إلى مسألة إنسانية بلا حامل سياسي.
إن الخطر لا يكمن في المطالبة بالإصلاح، بل في إنتاج فراغ ممنهج يهدف لإدارة الفلسطينيين بدل تمكينهم من تقرير مصيرهم. لذلك، فإن بقاء الإطار القائم وإصلاحه في آنٍ واحد، وتعزيز علاقته المؤسسية والسياسية مع منظمة التحرير الفلسطينية، يجب أن يكون جزءًا من أي تحرك جاد لحماية القضية الفلسطينية ومنع تصفيتها عبر التفتيت السياسي والمؤسسي. فغياب العنوان السياسي الشرعي لا يعني فقط الفراغ، بل فتح الباب أمام ترتيبات مفروضة لا تعكس إرادة الشعب ولا حقوقه.
وإذا كان العالم يقبل اليوم أن تُختبر حدود القانون في فلسطين،
فسيجد نفسه غدًا يعيش في نظام لا تحميه القواعد، بل تفرضه القوة.
ولهذا، فإن الدفاع عن فلسطين هو في جوهره دفاع عن مستقبل العدالة نفسها.
ما يحدث في فلسطين اليوم لا يمكن اختزاله في كونه صراعًا محليًا أو أزمة إنسانية طارئة. نحن أمام لحظة كاشفة في النظام العالمي، لحظة يُعاد فيها تعريف ما هو مشروع، وما هو مسموح، وما يمكن للقوة أن تفعله دون مساءلة.
لم تُستهدف فلسطين لأنها الأضعف فقط، بل لأنها أصبحت المعيار الأخلاقي الذي يُقاس عليه صدق النظام الدولي. وعلى مدار العامين الماضيين، فشل هذا النظام في أبسط اختباراته: حماية المدنيين، إنفاذ قواعد القانون الدولي الإنساني، ومنع القتل والتجويع والتهجير كأدوات حرب.
لكن الأخطر من العجز هو ما تلاه.
تم تهميش المؤسسات الدولية، إفراغ التوثيق من أثره القانوني، وتحويل الجرائم الموثقة إلى أرقام في تقارير لا تُحرّك آليات المساءلة. وكأن الرسالة الموجهة للعالم واضحة: القانون موجود للزينة السياسية، لا للتطبيق حين تتعارض نتائجه مع مصالح القوى الكبرى. وبالتوازي مع ذلك، نشهد تفتيتًا ممنهجًا للجسد الفلسطيني:
غزة تُدمَّر وتُفرغ من مقومات الحياة، الداخل الفلسطيني يُستنزف عبر الجريمة المنظمة وتفكيك البنية المجتمعية، والضفة الغربية تُخنق سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
ومع كل ذلك، يُدفع باتجاه التشكيك في دور السلطة الفلسطينية وتجاوزها، ليس من باب التقييم الموضوعي لأدائها أو الدفع نحو إصلاح سياسي حقيقي، بل في سياق أوسع يسعى إلى تفكيك البنية السياسية القائمة التي تستند إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي. في هذا الإطار، لا يُقرأ تهميش السلطة فقط كمسألة إدارية أو داخلية، بل كجزء من مسار يهدف إلى إضعاف الإطار السياسي والقانوني الجامع، وتقويض العنوان الذي يحمل المطالبة بالحقوق الوطنية في المحافل الدولية.
تفتيت الجغرافيا، إنهاك المجتمع، وتشويه التمثيل السياسي ليست نتائج عرضية، بل عناصر في مسار واحد: شرذمة القضية وتحويلها من قضية تحرر وحقوق إلى ملف تحت أي مسمى قابل للإدارة. وفي هذا الفراغ، تُطرح ترتيبات سياسية وأمنية لغزة خارج إطار الأمم المتحدة، وكأن المطلوب ليس فقط تجاوز الفلسطينيين، بل تجاوز منظومة الشرعية الدولية ذاتها.
وهنا تتجاوز فلسطين حدودها.
ما يجري ليس مجرد صراع على أرض، بل انتقال متسارع نحو نمط جديد من الحكم العالمي:
نظام يقوم على فرض الوقائع بالقوة، وتطبيع الاستثناء، وتحويل المعايير الأخلاقية إلى أدوات انتقائية تُستخدم حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تعيقها.
هذا التحول لا يهدد الفلسطينيين وحدهم. إنه يهدد فكرة الأمن الجماعي، ويقوض مبدأ سيادة القانون، ويؤسس لعالم يمكن فيه لأي قوة مهيمنة أن تعيد رسم الجغرافيا والديموغرافيا تحت ذرائع أمنية أو اقتصادية أو حضارية.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو:
أين النخب العالمية؟ أين الأكاديميون؟ أين القانونيون؟ أين شبكات المجتمع المدني العابرة للحدود؟
كيف يُعاد تشكيل النظام الدولي بهذه السرعة، وبهذا القدر من العنف، دون مقاومة فكرية وقانونية منظمة على مستوى عالمي؟
الصمت هنا ليس عجزًا فقط، بل تواطؤ غير مباشر مع إعادة هندسة عالم أقل عدالة، وأكثر خضوعًا لمنطق القوة العارية.
دعوة للتحرك: من الإدانة إلى الفعل
ما نحتاجه اليوم ليس فقط التعاطف، بل إعادة تنظيم فعل سياسي وقانوني عالمي يوقف هذا الانزلاق الخطير. المطلوب هو انتقال من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الفعل: تفعيل الولاية القضائية العالمية لملاحقة الجرائم، بناء تحالفات قانونية وإعلامية عابرة للحدود، وربط أي مسار سياسي أو اقتصادي في المنطقة باحترام واضح وملزم لقواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان. كما أن مسؤولية الجامعات، ومراكز الأبحاث، والنقابات المهنية، وشبكات المجتمع المدني، لم تعد ثانوية. هذه المؤسسات مطالبة اليوم بإنتاج خطاب مقاوم للتطبيع مع الجريمة، وبناء ضغط منظم على صانعي القرار، لأن ترك الساحة للمصالح العسكرية والاقتصادية وحدها يعني التسليم بولادة نظام عالمي أكثر توحشًا وأقل إنسانية.
حماية الإطار السياسي الفلسطيني: ضرورة قانونية لا خيارًا تكتيكيًا
وفي قلب هذا المشهد، لا يمكن فصل ما يتعرض له الفلسطينيون من سياسات تفكيك وتهميش عن محاولات تجاوز البنية السياسية القائمة على الأرض. فمهما كانت الانتقادات المشروعة لأداء السلطة الفلسطينية، فإن تجاوزها في ظل غياب أفق سياسي حقيقي لا يقود إلى إصلاح النظام السياسي، بل يفضي إلى إضعاف الإطار التمثيلي الذي يستند إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وفق قرارات الشرعية الدولية، وأي مسار يتجاوزها يهدد المنظومة الفلسطينية بأكملها ولا يعني “إصلاح النظام السياسي الفلسطيني”، بل يعني تفكيك العنوان القانوني الحالي وتحويل القضية إلى مسألة إنسانية بلا حامل سياسي.
إن الخطر لا يكمن في المطالبة بالإصلاح، بل في إنتاج فراغ ممنهج يهدف لإدارة الفلسطينيين بدل تمكينهم من تقرير مصيرهم. لذلك، فإن بقاء الإطار القائم وإصلاحه في آنٍ واحد، وتعزيز علاقته المؤسسية والسياسية مع منظمة التحرير الفلسطينية، يجب أن يكون جزءًا من أي تحرك جاد لحماية القضية الفلسطينية ومنع تصفيتها عبر التفتيت السياسي والمؤسسي. فغياب العنوان السياسي الشرعي لا يعني فقط الفراغ، بل فتح الباب أمام ترتيبات مفروضة لا تعكس إرادة الشعب ولا حقوقه.
وإذا كان العالم يقبل اليوم أن تُختبر حدود القانون في فلسطين،
فسيجد نفسه غدًا يعيش في نظام لا تحميه القواعد، بل تفرضه القوة.
ولهذا، فإن الدفاع عن فلسطين هو في جوهره دفاع عن مستقبل العدالة نفسها.
