حين تتحول الصراعات إلى معركة وعي وإرادة

د. سامي أبو كامل
د. سامي أبو كامل
الكاتب: د. سامي أبو كامل 
لم تعد الحروب في عالم اليوم تُخاض بالجيوش النظامية وحدها، ولا تُحسم بالدبابات والطائرات كما كان الحال في القرن الماضي. فقد دخل العالم مرحلة جديدة من الصراع تُعرف بـ الحرب المركّبة (Hybrid Warfare)، وهي نمط حديث يجمع بين الأدوات العسكرية التقليدية ووسائل الضغط غير المباشرة، في معركة تستهدف الدولة من الداخل قبل أن تواجهها في الميدان.
الحرب المركبة ليست حرب جبهات واضحة، بل شبكة معقّدة من التأثيرات المتزامنة:
رصاصة في الميدان، وإشاعة في الإعلام، وعقوبات في الاقتصاد، وهجمات سيبرانية على البنية التحتية، وتحريض داخلي يزرع الشك ويُضعف الثقة بين الدولة ومجتمعها. إنها حرب تُدار بالعقول قبل السلاح، وبالأعصاب قبل الجيوش.
تفكيك مفهوم الحرب المركبة
تقوم هذه الحرب على مبدأ الاستنزاف طويل الأمد، حيث لا يكون الهدف إسقاط الدولة عسكريًا، بل إنهاكها نفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا، ودفعها إلى الانهيار من الداخل دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة.
فالعدو هنا لا يظهر بزيٍّ عسكري، بل قد يكون حسابًا إعلاميًا، أو حملة تضليل، أو ضغطًا اقتصاديًا موجّهًا، أو تحريكًا مدروسًا للشارع.
وتكمن خطورة هذا النوع من الحروب في غموضه؛ إذ يصعب على المواطن العادي تمييز الهجوم من النقد، أو المؤامرة من الرأي، أو العدو من الصديق.
الإعلام والوعي… ساحة المعركة الأخطر
يُعد الإعلام أحد أهم أسلحة الحرب المركبة، حيث تُستخدم الأخبار المضللة، وتضخيم الأخطاء، وبث الإحباط، وتكريس خطاب الكراهية كوسائل لإضعاف الروح المعنوية وكسر الثقة بالمؤسسات.
وفي هذا السياق، يصبح وعي المجتمع خط الدفاع الأول، فالمعلومة غير الدقيقة قد تكون أفتك من رصاصة، والخبر الموجّه قد يحقق ما تعجز عنه الجيوش.
الاقتصاد والسياسة كسلاح ضغط
لا تقل العقوبات الاقتصادية خطرًا عن الضربات العسكرية، إذ تؤثر مباشرة في حياة المواطنين، وتُستغل لإثارة السخط الشعبي وتحميل الدولة مسؤولية الأزمات، حتى وإن كانت تلك الأزمات مفتعلة أو مضخّمة.
كما تُستخدم الضغوط السياسية والدبلوماسية لعزل الدول، وتشويه صورتها، وتقليص هامش حركتها الدولية.
كيف تُواجه الحرب المركبة؟
مواجهة هذا النوع من الحروب لا تكون بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر منظومة متكاملة تشمل:
رفع مستوى الوعي المجتمعي
تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة
إعلام مهني واعٍ ومسؤول
أمن سيبراني قوي
وحدة وطنية صلبة ترفض الانقسام
ففي الحرب المركبة، الوعي هو السلاح الأول، والوحدة هي الحصن الأخير، والفهم العميق لطبيعة الصراع هو نصف الانتصار.
خاتمة
الحرب المركبة ليست حدثًا عابرًا، بل واقعًا دائمًا في عالم تتشابك فيه المصالح وتختفي فيه الخطوط الفاصلة بين السلم والحرب. ومن يدرك قواعد هذه الحرب مبكرًا، ويُحصّن مجتمعه بالوعي والعقل، يكون قد قطع شوطًا كبيرًا في طريق الصمود والانتصار. 
* مدير وحدة فلسطين للدراسات والابحاث/ معهد فلسطين لأبحاث الامن القومي

 

تعليقات