أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

رمضان.. رحلة روحانية تعيشها القلوب قبل الأجساد

أ. ثريا كفر عيني
أ. ثريا كفر عيني
الكاتب: أ. ثريا كفر عيني 
تَصًدَّق؛ لتنبض حياة جديدة 
عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام {الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار} رواه الترمذي. 
ها قد أقبل شهر رمضان المبارك، وكما اعتدنا النظر الى هذا الشهر الفضيل كأنه فرصة لا تتكرر، فهل لك أن تتخيل أجرك عند الله حين تجتمع عبادة الصيام والصدقة معا؟ فهو شهر الطاعات والعبادة ونبع الخيرات والصدقات، شهر يحمل في طياته معاني العطاء والكرم، عبادة مغلقة بين العبد وربه وفترة للتأمل في النفس وتجديد الإيمان، وكما نعلم فإن من أعظم القُربات التي يُستحب الإكثار منها في هذا الشهر المبارك؛ الصدقة. لما لها من أجر ومغفرة للذنوب، وزيادة في الرزق، ورفع للدرجات، وكم من إنسان دفع الله عنه مصيبة أو مرضًا أو كربًا بسبب صدقته، فالصدقة دواء للأمراض، وسبب النجاة من الكروب، كما جاء عن النبي في الحديث الشريف: {داووا مرضاكم بالصدقة} (رواه البيهقي). 
رمضان شهر تزدهر فيه قيم الرحمة والعطاء بأبهى صورها، وتتقارب فيه القلوب وتتوحد فيه الجهود، حيث تنهض أسمى معاني الإنسانية والتآزر، فيعلمنا أن قوة الأمة الحقيقية تكمن في تماسك أفرادها، وأن السعادة العميقة تولد من عطاء يقلل عن الآخرين معاناتهم، ويُذكرنا بأن هناك من ينتظر هذا الشهر بفارغ الصبر، مما يزرع في قلوبنا الرحمة والإحساس بالمسؤولية تجاههم، فالعطاء بلا مقابل من خلال الصدقات تتحقق أسمى معاني الإحسان، حيث يعطي الإنسان مما يحب دون انتظار مقابل. 
في هذا الشهر المبارك نتسابق تقديم الصدقات وفعل الخير تجاه المتعففين ومن هم أحوج، فإن الصدقة ليست مجرد واجب ديني؛ بل هي فعل إنساني يعبر عن التعاطف والإحساس بالآخرين، فيقول عز وجل في كتابه الكريم: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] 
ومع كل صدقة تقدمها تخلق نبض جديد في قلوب الآخرين، فينال المتصدق أجر الصدقة في رمضان ورحمة واسعة من الله عز وجل، وبمجرد ان تقدم يميننا الصدقة لنشعر بنقاء قلوبنا من الذنوب والأوزار. فعن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: {أفضل الصدقة صدقة في رمضان} رواه الترمذي. وفي حديث أخر قريب من القلوب المؤمنة: {من فطر صائما كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء} رواه الترمذي. 
تبرعك؛ لا يُمَّكن الأسر المحتاجة من الحصول على ما يكفيها من الغذاء، والملابس، والمأوى فقط، بل يشعرها أن هناك من يسأل عنها ومن يفكر بها ومن يساعدهم مما يعزز روح التعاون والإخاء، فعن النبي عليه السلام: {كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفصل بين الناس} رواه أحمد وصححه الألباني 
لكل من لديه مقدرة على مساعدة الآخرين؛ لا تبخل على نفسك بالخير فهو عائد لك عند الله، واجعل لك نصيبا من فضل الصدقة في هذا الشهر المبارك، ولو بالقليل فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولتكن تمرة واحدة سبب لدخولك الجنة، فصدقة رمضان ما هي الا كرم لا ينفد وأثر يبقى، وابحث عن أبواب الخير أينما كنت، فهناك من ينتظر لقمة تسد جوعه، او يدا تمد له بالعون والعطاء، او قلبا يكن سببا في ابتسامته، تفقدوا اقربائكم، وصلوا ارحامكم، وشاركوا في موائد الرحمن، تطوعوا في الاعمال الخيرية، قدموا الطعام لمن يحتاجه. 
ان الضائقة المالية التي تعاني منها الكثير من الأسر في الوقت الراهن ناتجة عن الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها فلسطين بشكل عام، حيث فقد حوالي 300,000 شخص عملهم داخل الخط الأخضر خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مما أدى إلى زيادة أعداد الأسر المتعففة التي كانت تعتمد في السابق على نفسها؛ هؤلاء الأفراد الذين كانوا يعيشون في حالة من الاستقرار، باتوا الآن بحاجة ماسة للمساعدة والدعم. ففي ظل هذه الظروف الصعبة، نتمنى استغلال شهر رمضان المبارك لتقديم زكاة الفطر وزكاة الأموال والتبرعات، كوسائل لتخفيف المعاناة، حيث إن دفع الزكاة ما هو الا واجبا دينيا مهما ووسيلة اجتماعية لتعزيز تكافل الأفراد. ومن خلال هذا المقال، ندعو الجميع لزيارة دور الإيواء وبيوت المسنين ومراكز الأيتام؛ لنتفقدهم في رمضان ونشعرهم أنهم ليسوا وحدهم وأننا أسرة كبيرة نهتم ببعضنا البعض، فكل جزء يُقدم، مهما كان بسيطًا، يمكن أن يُحدث فارقًا كبيرًا في حياة الآخرين، ... تصدق؛ لتسعد روحا جديدة. 
فاللهم نسألك ان تجعلنا من اهل الجود والكرم، وارزقنا قلبا محبا بالخير، ووفقنا لإخراج الصدقات خالصة لوجهك الكريم. 
* الكاتبة: محامية مزاولة، طالبة دكتوراه في القانون الجنائي وتعمل محاضرة جامعية في تخصص القانون.

 

تعليقات