أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

مفارقات النظام الدولي وأخلاقياته الانتقائية

د. منى أبو عمارة
د. منى أبو عمارة
الكاتب: د. منى أبو عمارة 
نعيش في عالم بقلفه استهجان موجّه إلى عددٍ قليل من الرياضيين الإسرائيليين أكثر مما يقلقه قتل أكثر من ألف رباضي فلسطيني. عالم يتوقف لإدانة صدى رفض الجماهير، لكنه يكاد بفتقر إلى أي إرادة حبن تمحى فرق باكملها. وكأن صوت الإستهجان أكثر إزعاجًا من صوت القنابل، وأكثر إساءة من الصمت الذي يعقبها. 
عالم يناقش إزالة جنود الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين من كتب الأطفال الفلسطينيين أكثر مما يناقش سبب وجود هؤلاء الجنود والمستوطنين أصلا في حياتهم. عند الحواجز، وفي اقتحام المنازل والقرى، وفي الاعتقالات الليلية، وفي الاعتداء على المدارس، بل وفي افتحام الذاكرة نفسها، عالمُ يُصرٌ على أن على الفلسطينيين تعديل روايتهم، لكنه لا يسمح لهم أبدا بتغيير واقعهم
عالم يقلق من كلمات مفررة خاصة للأمم المتحدة مُكلّفة بتوثيق الانتهاكات وتتحدث بلغة حقوق الإنسان والالتزامات القانونية، فيصوّرها كتهديد، بينما بالكاد يتحرك أمام أفعال مجرمٍ مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية وعصابته، المتهمين بارتكاب جرائم جسيما يموجب القانون الدولي، ويعاملهم كشركاء، و"حلفاء ديمقراطيين"، و"مدافعين عن الحضارة". نحاكم الأخلاق والنزاهة، بينما يمنح الجرمون اللا أخلاقيون، مرتكبو الإبادة، حصانة وإفلانًا من العفاب.
عالم يسعى إلى "السلام" عبر موازين القوة، عبر صفقات واتفاقيات توقع من فوف رؤوس الواقعين نحت الاحتلال، بدلا من سلام عادل قائم على الحقوق والإنصاف والمساواة. عالم يطلب من الهجّرين القبول يمحوهم، ومن القابعين تحت الاحتلال القبول بإخضاعهم، بدل أن يساعدهم على إنهاء الننى التي أنتجت هذا التهجير وجعلت الاحتلال والاخضاع ممكنين.
وعالم يسرع إلى التصفيق لكلمات طاغية يتباهى ب"فتح أبواب الجحيم"، لكنه لا يحشد الغضب الكافي لإدائة الوافع الذي يواصل فيه هذا الطاغبة خنق تلك الأبواب، ويمنع المساعدات، ويقرر من بأكل، ومن يُسمح له بمعالجة جراحه، ومن يدفأ، ومن له سقف يحتمي به، ومن يتحرك، وفي نهاية الامر من يعيش أو يموت. وكأن الفلسطينيين لا يستحقون إلا لغة القلق» والإشارات الرمزية، والتعاطف المشروط، والبيانات المحسوبة بعناية.
عندما يُقتل طفل فلسطيني، يُفتح باب النقاش. وعندما يتم اسر فلسطيني بلا تهمة ولا محاكمة، يُبِرَر اعتقاله، وعندما يُهدم بيت فلسطيني، تخلق الذرائع. وعندما يرتفع صوت الفلسطيني، بشكك في إنسانيته. وعندما يُهدّد الوجود الفلسطيني، يُطلب من الفلسطينيين أن يكونوا صبورين، ومنزنين، وعقلانيين، وبراغماتيين،
يُقال للا كفلسطينيين إن الرياضة يجب أن تبقى مفصلة عن السياسة.
لكن السياسة كانت قد دخلت بالفعل إلى ملاعبنا، وحفولنا، ومدارسنا، وبيوتنا، وسماثنا. دخلت حين فقد طفل في غزة ساقه، ومعها حلمه بأن يركض يومًا من جديد. ودخلت حين دمِرت مئات المنشآت الرياضية، وتحطمت معها فكرة المستقبل ذاته: اللعب، والمنافسة، والحياة.
يُطلب منا ألا تُسيّس المساعدات، لكن في فلسطين، تحوّلت المباه والغذاء والدواء إلى أدوات للحصار والفتل ضد شعب بأكمله. ما كان ينبغي أن بجسد القيم الإنسائية، جرى تسخيره كأداة هبمنة وتفوق، تستخدم لاقتلاع شعب أصيل من أرضه.
يُطلب منا ألا نُسبَس القانون الدولي، أي بمعنى اخر أن نقبل تطبيقه الانتقاني حين يتعلق بحقوقنا. يُطلب منا احترام الإجراءات، بينما تؤجّل أو تفرّغ من مضمونها أو تهمل حين تقود إلى المساءلة. ويُطلب منا الإيمان بنظام قائم على القواعد، بينما تلوى فواعده وتحجب حماياته.
قيل إن "قوس الكون الأخلاقي طويل، لكنه ينحني نحو العدالة". لكن الأقواس لا تنحني وحدها؛ بل يحنيها البشر، بالشجاعة، وبالمساءلة، وبرفض غض الطرف عن الظلم. واليوم هذا القوس مقيد، تبطئ انحناؤه الحصانة المطلقة من العقاب، وتشله المعابير المزدوجة، وبعبقه تطبيع الظلم.
نحن لا نعاني من نقص في للعلومات، فالحقائق موثقة، الصور لا يمكن إنكارها، والقانون واضح. لكن ما نعانيه هو أزمة وضوح أخلاقي لم يعد السؤال ماذا نعرف، فنحن جميعا نعرف ما يجب معرفته، بل السؤال ماذا نحن مستعدون أن نفعل بما تعرف.
وحتى يتم ايقاف الإفلات من العقاب، وتُفرض المساءلة، وتُصان الحقوق على قدم المساواة دون استثناء، وحتى تصبح حياة الفلسطيني وكرامته وحقوقه بذات الوزن والقيمة في أعين الأقوباء كما هي حياة وحقوق الإسرائيليين، فإن هذا الفوس لن ينحني. سبظل معلقًا، مشدودًا بالصمت، وبالتردد، وبالعدام الافعال.
لذلك، فإن الخيار المطروح أمام العالم وقواه اليوم واضح وبسيط:
إما الاستمرار في إدارة الظلم، ومعه معاناة شعب بأكمله. تنظيم هذه المعاناة، واحتواءها، وتبريرها، وانسنتها.
أو تفكيك البُنى التي أنتجت هذا الظلم، وحمته، وسمحت له بالاستفحال، وإنهاؤها جملة وتفصيلا وإلى الأبد.

 

تعليقات