![]() |
| شريهان أبو دقة |
فلسطين24: اسمي شريهان إبراهيم امرأة من عبسان الكبيرة في جنوب غزة. لم يكن في بالي يومًا أن أكتب قصة كهذه، لكن الحرب هي التي تكتبنا، وتعيد تشكيل ملامحنا، وتسرق منا ما نظن أنه ثابت.
البداية: اليوم الذي انقلب فيه البيت
في التاسع من أكتوبر، في اليوم الثاني من الحرب، خرجت من بيتي لأول مرة. لم آخُذ شيئًا… فقط أمسكت بأيدي أطفالي: عمر، هبة، وجوري.
كانوا ينظرون إليّ بعيون واسعة، يريدون أن يفهموا ما لا يُفهم.
قلت لهم:
"نمشي… بس نمشي. المكان الخطير هو المكان اللي بنضل فيه."
ومنذ ذلك اليوم، لم يتوقف المشي.
ثماني مرات نزوح…
ثماني مرات تركت مكانًا لأذهب إلى آخر.
ثماني مرات فرشنا الأرض، ثم طويناها على عَجَل.
ثماني مرات قلت لأطفالي:
"هون مؤقت… رح نرتاح شوية."
وثماني مرات خذلتني الحقيقة.
كنا ننتقل من خيمة إلى مدرسة، من مدرسة إلى شارع، من شارع إلى ركام.
لم يعد الليل يعني نومًا، بل حراسة وخوفًا وتوقعًا لخبر سيء.
الماء… أكثر من مجرد ماء
أكثر المشاهد التي لا تُنسى… طوابير الماء.
كنت أستيقظ قبل الفجر، أمشي في ظلام كثيف لأملأ جالونًا واحدًا.
أحيانًا كنت أعود بلا شيء.
أحيانًا يعود الجالون مثقوبًا.
وأحيانًا كنت أنام وأنا أفكر:
"هل سيكفي هذا الماء أطفالًا يحاولون فقط أن يبقوا أحياء؟"
المجاعة… والطبخ على النار
عندما انقطعت المواد الغذائية، صار “الطبخ” مهمة إنقاذ.
كنت أشعل الخشب تحت قدر صغير، أخلط ما تبقى من عدس أو أرز أو أي شيء.
كان الدخان يلسع عيني، والهواء محمّل برائحة الخوف.
كنت أقول لنفسي:
"هذه ليست وجبة… هذا بقاء."
الخيام والشتاء… امتحان آخر
الخيمة لم تكن بيتًا. كانت فراغًا كبيرًا يحاول أن يشبه الأمان.
في الشتاء، المطر كان يدخل من كل اتجاه، والبرد يتسلل إلى العظم.
كنت أضم أطفالي إلى صدري وأقول:
"سامحوني… مش بإيدي."
وكنت أشعر أن كل قطرة مطر تسقط داخل الخيمة تسقط أيضًا على صدري.
الإعلام… صوت مكتوم لكن حاضر
في وسط هذا الخراب، كنت أعمل في تحرير الأخبار في صفحة أخبار فلسطين 24.
لم أكن أخرج بالكاميرا، لكن أصابعي كانت تنقل وجع الناس للعالم.
كنت أكتب الأخبار بينما حولي أصوات القصف ترتجف معها الجدران.
أكتب عن شهداء، عن دمار، عن جوع…
وأحيانًا عن نفسي دون أن أذكر اسمي.
كنت أقول:
"إذا في صوتي قدرة يوصل، لازم يوصل… حتى لو العالم ما بدو يسمع."
المعلم داخل الخيمة
قبل الحرب، في سبتمبر 2023، كنت أُدرّس اللغة العربية.
وبعد النزوح، ومع مبادرة اليونيسف، عدت لأُدرّس الأطفال داخل الخيمة.
أطفال فقدوا بيوتًا، إخوة، كتبًا، ألعابًا… لكنهم لم يفقدوا شغفهم بالحرف.
كنت أراهم يرفعون أصابعهم بحماس، وكأن السؤال هو نافذتهم الصغيرة للحياة.
كنت أقول لهم:
"الحرب ما بتقدر توقف العقل… والجهل أكبر من أي قنبلة."
تعليمهم كان شكلًا من أشكال المقاومة…
ليس ضد عدو واحد، بل ضد الظلام كله.
لماذا أحكي قصتي؟
لأنه خلف كل رقم في الأخبار امرأة تحمل أطفالها وتركض،
وتغلي ماءً فوق نار،
وتجمع خيمة سقطت،
وتكتب خبرًا وهي تبكي،
وتُدرّس حرفًا لطفل ربما يفقد حياته غدًا.
أنا واحدة من عشرات آلاف…
لكن هذه حكايتي كما هي:
موجوعة، حقيقية، ومستمرة.
بعد ثمانية نزوحات، وبعد ليالٍ طويلة من الخوف والجوع والبرد، وبعد أن رأيت أطفالي يكبرون قبل وقتهم… صرت أعرف تمامًا ما أريده في هذه الحياة.
أنا لا أطلب الكثير.
لا أريد بيتًا فاخرًا، ولا رفاهية، ولا حياة معقدة.
أنا فقط أريد حياة عادية.
أريد سقفًا ثابتًا فوق رأسي،
ومدرسة حقيقية يدخلها أطفالي دون أن يخافوا من صوت الطائرة،
ومطبخًا أطبخ فيه دون دخان أو حصار،
وماءً يصلني دون أن أقف ساعات في الطابور،
وأريد أن أعود لأُدرّس العربية كما كنت… بين جدران لا تسقط.
أتمنى أن يكبر أطفالي في عالم لا يحاسبهم على المكان الذي وُلدوا فيه.
أتمنى أن أنام يومًا بلا شنطة جاهزة للهرب.
أتمنى أن تكون آخر مرة أكتب فيها قصة حرب… أول صفحة في حياة جديدة.
أتمنى أن يسمع العالم…
ليس صوتي فقط، بل صوت كل امرأة ما زالت تقاتل لتبقى حيّة.
البداية: اليوم الذي انقلب فيه البيت
في التاسع من أكتوبر، في اليوم الثاني من الحرب، خرجت من بيتي لأول مرة. لم آخُذ شيئًا… فقط أمسكت بأيدي أطفالي: عمر، هبة، وجوري.
كانوا ينظرون إليّ بعيون واسعة، يريدون أن يفهموا ما لا يُفهم.
قلت لهم:
"نمشي… بس نمشي. المكان الخطير هو المكان اللي بنضل فيه."
ومنذ ذلك اليوم، لم يتوقف المشي.
ثماني مرات نزوح…
ثماني مرات تركت مكانًا لأذهب إلى آخر.
ثماني مرات فرشنا الأرض، ثم طويناها على عَجَل.
ثماني مرات قلت لأطفالي:
"هون مؤقت… رح نرتاح شوية."
وثماني مرات خذلتني الحقيقة.
كنا ننتقل من خيمة إلى مدرسة، من مدرسة إلى شارع، من شارع إلى ركام.
لم يعد الليل يعني نومًا، بل حراسة وخوفًا وتوقعًا لخبر سيء.
الماء… أكثر من مجرد ماء
أكثر المشاهد التي لا تُنسى… طوابير الماء.
كنت أستيقظ قبل الفجر، أمشي في ظلام كثيف لأملأ جالونًا واحدًا.
أحيانًا كنت أعود بلا شيء.
أحيانًا يعود الجالون مثقوبًا.
وأحيانًا كنت أنام وأنا أفكر:
"هل سيكفي هذا الماء أطفالًا يحاولون فقط أن يبقوا أحياء؟"
المجاعة… والطبخ على النار
عندما انقطعت المواد الغذائية، صار “الطبخ” مهمة إنقاذ.
كنت أشعل الخشب تحت قدر صغير، أخلط ما تبقى من عدس أو أرز أو أي شيء.
كان الدخان يلسع عيني، والهواء محمّل برائحة الخوف.
كنت أقول لنفسي:
"هذه ليست وجبة… هذا بقاء."
الخيام والشتاء… امتحان آخر
الخيمة لم تكن بيتًا. كانت فراغًا كبيرًا يحاول أن يشبه الأمان.
في الشتاء، المطر كان يدخل من كل اتجاه، والبرد يتسلل إلى العظم.
كنت أضم أطفالي إلى صدري وأقول:
"سامحوني… مش بإيدي."
وكنت أشعر أن كل قطرة مطر تسقط داخل الخيمة تسقط أيضًا على صدري.
الإعلام… صوت مكتوم لكن حاضر
في وسط هذا الخراب، كنت أعمل في تحرير الأخبار في صفحة أخبار فلسطين 24.
لم أكن أخرج بالكاميرا، لكن أصابعي كانت تنقل وجع الناس للعالم.
كنت أكتب الأخبار بينما حولي أصوات القصف ترتجف معها الجدران.
أكتب عن شهداء، عن دمار، عن جوع…
وأحيانًا عن نفسي دون أن أذكر اسمي.
كنت أقول:
"إذا في صوتي قدرة يوصل، لازم يوصل… حتى لو العالم ما بدو يسمع."
المعلم داخل الخيمة
قبل الحرب، في سبتمبر 2023، كنت أُدرّس اللغة العربية.
وبعد النزوح، ومع مبادرة اليونيسف، عدت لأُدرّس الأطفال داخل الخيمة.
أطفال فقدوا بيوتًا، إخوة، كتبًا، ألعابًا… لكنهم لم يفقدوا شغفهم بالحرف.
كنت أراهم يرفعون أصابعهم بحماس، وكأن السؤال هو نافذتهم الصغيرة للحياة.
كنت أقول لهم:
"الحرب ما بتقدر توقف العقل… والجهل أكبر من أي قنبلة."
تعليمهم كان شكلًا من أشكال المقاومة…
ليس ضد عدو واحد، بل ضد الظلام كله.
لماذا أحكي قصتي؟
لأنه خلف كل رقم في الأخبار امرأة تحمل أطفالها وتركض،
وتغلي ماءً فوق نار،
وتجمع خيمة سقطت،
وتكتب خبرًا وهي تبكي،
وتُدرّس حرفًا لطفل ربما يفقد حياته غدًا.
أنا واحدة من عشرات آلاف…
لكن هذه حكايتي كما هي:
موجوعة، حقيقية، ومستمرة.
بعد ثمانية نزوحات، وبعد ليالٍ طويلة من الخوف والجوع والبرد، وبعد أن رأيت أطفالي يكبرون قبل وقتهم… صرت أعرف تمامًا ما أريده في هذه الحياة.
أنا لا أطلب الكثير.
لا أريد بيتًا فاخرًا، ولا رفاهية، ولا حياة معقدة.
أنا فقط أريد حياة عادية.
أريد سقفًا ثابتًا فوق رأسي،
ومدرسة حقيقية يدخلها أطفالي دون أن يخافوا من صوت الطائرة،
ومطبخًا أطبخ فيه دون دخان أو حصار،
وماءً يصلني دون أن أقف ساعات في الطابور،
وأريد أن أعود لأُدرّس العربية كما كنت… بين جدران لا تسقط.
أتمنى أن يكبر أطفالي في عالم لا يحاسبهم على المكان الذي وُلدوا فيه.
أتمنى أن أنام يومًا بلا شنطة جاهزة للهرب.
أتمنى أن تكون آخر مرة أكتب فيها قصة حرب… أول صفحة في حياة جديدة.
أتمنى أن يسمع العالم…
ليس صوتي فقط، بل صوت كل امرأة ما زالت تقاتل لتبقى حيّة.
