أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

حرب المهرجين خارج الحسابات الواقعية

د. سناء زكارنة
د. سناء زكارنة
د. سناء زكارنة 
يبدو أن صانع القرار في واشنطن لم يستوعب بعد دروس التاريخ القريب، أو أن ما يمكن تسميته بالعمى السياسي ما زال يقود التفكير الأمريكي عند التعامل مع الأزمات الكبرى في الشرق الأوسط. فالمشهد يوحي بأن هناك قراءة سطحية لطبيعة المنطقة وتعقيداتها السياسية والعقائدية والتاريخية، رغم ما تمتلكه الولايات المتحدة من مراكز دراسات وخبرات استراتيجية يفترض أن تكون قادرة على تقديم فهم أعمق. 
التجربة الأفغانية ما زالت حاضرة في الذاكرة. فقد تمكنت الولايات المتحدة، ومعها تحالف دولي واسع، من إسقاط النظام في أفغانستان خلال أسابيع قليلة. لكن السؤال الأهم لم يكن في سرعة إسقاط النظام، بل في القدرة على فرض الاستسلام الكامل. وهو ما لم يحدث. فقد استمرت الحرب لعشرين عامًا، وفي نهاية المطاف انسحبت القوات الأمريكية من كابول في مشهد ترك أثرًا عميقًا في الوعي السياسي العالمي. 
هذه التجربة تطرح تساؤلًا جوهريًا عندما يُطرح خيار المواجهة مع إيران. فحتى لو افترضنا جدلًا إمكانية إضعاف النظام أو ضرب بنيته العسكرية، فهل يعني ذلك أن المجتمع الإيراني سيقبل بالاستسلام؟ التاريخ القريب يشير إلى أن الشعوب التي تمتلك عقيدة سياسية أو وطنية راسخة غالبًا ما تتحول إلى قوى مقاومة طويلة النفس. 
المقارنة هنا لا تتعلق بقدرات عسكرية فقط، بل بطبيعة الصراع نفسه. التكنولوجيا المتقدمة والقدرات العسكرية الهائلة لا تحسم دائمًا الحروب عندما تواجه مجتمعات تعتبر الصراع مسألة وجود وهوية. وهذه معادلة أثبتتها تجارب عديدة في التاريخ الحديث. 
ولهذا فإن الرهان على أن ضربة عسكرية كبرى يمكن أن تفرض الاستسلام السريع قد يكون تقديرًا مبسطًا لواقع أكثر تعقيدًا. فالحروب الطويلة غالبًا ما تتحول إلى حروب استنزاف سياسية واقتصادية، وقد تصبح كلفتها أكبر بكثير مما يتوقعه المخططون في البداية. 
إن الحديث عن مواجهة مع إيران لا يمكن فصله عن طبيعة المنطقة، ولا عن التاريخ الطويل للصراعات فيها. ولذلك قد يكون السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الحرب ممكنة، بل ما إذا كان صانع القرار في واشنطن يدرك تمامًا طبيعة الطريق الذي قد يقود إليه مثل هذا الخيار. 
وفي النهاية، تبقى الأيام وحدها كفيلة بكشف المسار الذي ستتجه إليه الأحداث، لأن الحروب — كما يقول التاريخ دائمًا — لا تشبه الحسابات النظرية التي تُكتب على الورق.

 

تعليقات