أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

أهلاً يا آذار… امنح نساء مدينتي صبغة شيب تجدي لمشيب أرواحهن


نسرين موسى
الكاتب: نسرين موسى
أتذكر جيدًا آخر الأيام وآخر الأعوام التي توقفت فيها حياتي، حين اغتالت روحي حرب شرسة، فدفنتها ودفنت معها كل حروف الحياة ومعانيها التي جاهدت طويلًا حتى غرستها في داخلي.
كان من مخططاتي في آخر ثامن #آذار عشته أن أكتب عن حقوق المرأة، ليس عن المساواة، لأن هذا الطلب في نظري شكلي ويضيع معناه إذا طُولب به. فالمرأة بمجرد أن تنبض بالحياة تتساوى حياتها مع الرجل؛ ينبضان معًا ويتوحدان فيما بعد.
كنت أتحدث في آذاري، يوم كانت روحي حيّة، عن إنجازات المرأة وطموحها ورفاهيتها، عن قدرتها على الاستحداث والتجدد كل دقيقة؛ سواء قرأت كتابًا أو وقفت على أطلال رواية أنهت قراءتها، فتكون بطلتها ومحورها، وتخرج مهللة: "أنا محور الكون والكل يدور حولي."
لكن اليوم، آذاري يأتي بينما أقف في وسط خيمتي، أستند إلى عمودها الحديدي، وأنظر يمينًا ويسارًا.
على قماشتها كتبت جملة أستيقظ عليها كل يوم: "أنا هنا ميتة… لكني سأحيا."
أتذكر جيدًا أن ابنة عمي راسلتني عبر الماسنجر وقالت، بنبرة شعرت بها من حروفها لا من صوتها: "إلى متى سنعيش هذا الحال؟ وبعدين؟"
ضحكت وأرسلت لها ضحكتي وقلت: "حتى نستمر علينا أن نحذف سؤال: إلى متى… وكلمة بعدين."
جاء آذاري اليوم… ولم يجبني أحد عن سؤال "وبعدين".
حتى وأنا أكتب لكم الآن، تنهشني ضوضاء خيمتي، وأشعر بها تتسلل إلى غرفة ذكرياتي؛ الغرفة التي ما زال مغروسًا فيها آخر ورد تلقيته في آذاري، سواء من مؤسستي التي عملت بها، أو من زوجي وهو يردد أنه يحب فخري بكينونتي كامرأة.
نهضت وغيرت مكاني في خيمتي وأنا أكتب، هربت من الضوضاء حتى لا تفسد حروفي وذكرياتي.
لكني عدت… فحقيقتي الآن أنني امرأة من خيمة، وأكره كينونتي التي دُفنت فيها.
طرق آذاري قماش بابها وأيقظني، لكن لم تفتح عينيّ، ولم تفلح شمسه في اختراقهما.
دفنت رأسي في وسادتي وأحكمت الإغلاق، وبدأت حياتي كامرأة في خيمة تتتابع أيامها كالمياه التي تسيل في مجرى.
نعم… قصدت كلمة مجرى، لأنها تشبه حياة النساء في الخيام: راكدة، محدودة، تضيع في خيمة صغيرة.
تخيلوا حياة طويلة، كل ما فيها تحاصره قطعة قماش.
إذا مارست هوايتي بالكتابة وأردت أن أكتب عن الحب أو الفراق، يتحول قلمي للكتابة عن قرصة بعوضة آلمتني، فأصف حقارتها، بينما أحاول تذكر ما قيل عن الحب.
أما إذا رغبت بالتزين — وطبعا كل امرأة في الخيام مثلي — فنخرج فستانًا جميلًا من خزانتنا… أوه، نسيت… أقصد كرتونتنا التي نتخيلها خزانة.
نريد ارتداءه ظهرًا أو مساءً، ولا فرق بين التوقيتين؛ فالرمل وسواد الحطب سيوقعان توقيعهما عليه، وتفسد رغبتنا بالتزين.
فنعود… ونلعن كينونتنا كامرأة، يا آذارنا.
وضعت خطين تحت هذه الجملة لأجعلها عنوانًا لثرثرتي، لأن العناوين الجاهزة لا تشفي غل قلبي ولا نزفه.
أتذكر يومًا كنت أعود فيه إلى خيمتي، وعندما اقتربت من بابها القماشي بكيت… دون دموع.
المارة وسكان الخيام يحيطونني من كل حدب وصوب.
بكيت لأنني كنت أعلم أن الخيمة ستغتالني بمجرد دخولي، ستغتال حماسي…
وكنت قد قررت وقتها أن أنهي كتابة روايتي الثانية التي ما زالت تنتظرني منذ آخر حياة عشتها.
انتابتني هستيريا بكاء، لأن حتى روايتي ستشهد على موتي واستمراريته، ولن تكون فيها حياة إلا كذبي بأني سأحيا.
وصلت واغتالتني الضوضاء: جاراتي يطبخن، يضحكن، ويغمرن المكان بصخب الحياة… وأنا أحاول الحفاظ على حروفي وذكرياتي.
ربما أجد اليوم الشامبو والخبز والطعام والنظافة…
لكنني أبكي لأنني لا أجد نفسي.
ربما أرتدي فستانًا جميلًا، ووجهًا غير شاحب، وضحكة مصطنعة…
لكن تنهيدتي تنغرس في روحي كخنجر مسموم.
أعيش يا آذاري بلا روح…
روح تنزف، تشتاق، تحلم، تحن.
آه كم يوجعها حنينها للحياة.
وجعنا أننا نبحث عن كينونتنا كنساء، لكن الخيام تلغيها.
أي أنوثة ووسادتنا مائلة بسبب الرمال؟
أي أنوثة ولا ساعة لرداء نظيف؟
أي أنوثة وبقع البعوض توقع على جباه النساء، ورائحة النار تفسد أي عطر قد تحلم به امرأة؟
يا آذاري… عن ماذا أحدثك؟
في كل العالم تقف المرأة اليوم لتتحدث عن إنجازاتها، لكني أرى أن لا امرأة لها إنجازات مثل المرأة في غزة.
نعم… إنه التناقض.
أبكي من اللاحياة… وأعلن إنجازات.
أليس أعظم إنجاز أن تعيش المرأة بلا مقومات، أن تبقى على قيد الحياة وهي ميتة؟
نعم يا آذار… احتفل بنا نحن نساء غزة، فليس نحن من سيحتفل بك.
أضحك الآن وأنا أتذكر جارتي حين جاءتني بطبق كيك صنعته، وظلت تحدق بوجهي لأنني خربشت عليه دوائر.
سألتني: ما هذا؟
قلت لها همسًا: لا تستهيني… فكل دائرة هنا تحتوي وجعًا وحنين.
قالت لي: أنتِ مجنونة.
ضحكت… وقلت لها: بل أنتِ المسكينة، لأن أوجاعك غير مرسومة بدوائر على وجهك.
كلما نظرت إلى وجهي في مرآة مكسورة ضحكت من أوجاعي وغسلتها وحدي.
وحدي…
ضحكي يملأ الكون ويربك قماش خيمتي.
نعم… أسمعه يصرخ للكون: أي امرأة هذه التي أعصرها وأشوهها وأربكها وأبكيها… وتضحك؟
سأضحك يا آذار من أوجاعي.
سأكتب عن الحب، والمرأة تخبز رغيفها وتكحل عينيها بسواد الحطب، وتقول: "هذا كحل فريد."
سأكتب عن الفراق، والمرأة تفارق طابور جالونات المياه سعيدة، لأن لحظة الخروج من الطابور قد تساوي عمرًا.
أعدك يا آذار أن أكتب عن قلم روج أمسكته لأتزين به هربًا من ازدحام يومي في الخيمة… فإذا بي أنقش به على وجهي وأجعل من حولي يضحكون.
وهل هناك عمل أعظم من أن تضحك إنسانًا أنهكه الموت البطيء؟
أليست هذه إنجازات يا آذار الجديد؟
أكبر إنجاز لنساء مدينتي أن المساواة التصقت بنا دون سعي؛ فالمرأة تشارك الرجل اليوم تحدي الخيمة، وأنفاسهما تتحدان للانتصار على جلدات قماشها.
جئت يا آذار، والمساواة تختارني أنا وكل امرأة في غزة لنكون عنوان النساء.
تساوينا بالألم… وبالانتصار على اللاحياة… وبقينا أحياء.
اليوم يا آذار، أنا وكل نساء مدينتي محورك ومحور الكون، وخيامنا هي نقطة ارتكازك.
لا تبتعد يا آذار…
الحرية مطلبنا: من الطوابير، من الشحوب، من بقع الحطب على الفساتين التي نحلم بارتدائها.
أبسط أمانينا… وبعدها سنقف بإشراقة ونتحدث عن إنجازات أخرى.
أهلاً يا آذاري… أهلاً آذار… وامنح نساء مدينتي صبغة شيب تجدي لمشيب أرواحهن. 


تعليقات