![]() |
| رامي مهداوي |
الكاتب: رامي مهداوي
في اللحظة التي انتهيت فيها من مشاهدة فيلم الست، لم أشعر بالرغبة في التصفيق، ولا حتى في الغضب الكامل. شعرت فقط بانزعاج ثقيل، يشبه ذلك الفراغ الذي يتركه عمل حاول الاقتراب من أسطورة، فاكتفى بملامسة ظلها. أطفأت الشاشة، وبدأت أكتب، بينما كان صوت أم كلثوم يتسلل في الخلفية وهي تغني: “إنت عمري”. عندها فقط فهمت المأزق الحقيقي للفيلم؛ لم يكن مأزقه في الإخراج، ولا في الأداء، ولا حتى في البناء الدرامي المرتبك، بل في عجزه عن فهم فلسفة الحب التي صنعت أم كلثوم نفسها.
ليست أم كلثوم مجرد صوت عظيم، ولا مجرد مطربة امتلكت حضورًا استثنائيًا، بل كانت ظاهرة وجودية كاملة. كانت مشروعًا عربيًا للحب الجماعي، للحزن الجماعي، وللوحدة العاطفية التي جمعت ملايين البشر حول جهاز راديو صغير في مساء واحد. كانت المرأة التي جعلت العاشق يرى نفسه داخل الأغنية، والمكسور يجد عزاءه، والمنفي يشعر أن اللغة لا تزال وطنًا مؤقتًا له. ولذلك فإن أي فيلم عنها لا يكفيه أن يعيد ترتيب محطات حياتها، بل عليه أن يجيب عن سؤال أكثر عمقًا: كيف استطاعت امرأة واحدة أن تتحول إلى ذاكرة عاطفية لأمة كاملة؟
لقد انشغل الست بإعادة إنتاج الصورة، لكنه لم يقترب من الروح. رأينا الديكورات، الفساتين، الإضاءة، حركة الكاميرا، وصوت التصفيق في الحفلات، لكننا لم نرَ تلك العزلة الهائلة التي كانت تعيشها أم كلثوم وهي تدرك أن صوتها صار أكبر من حياتها الشخصية نفسها. لم نرَ ثمن العظمة، ولا ذلك الخوف الداخلي الذي يجعل الفنان أسير صورته أمام الناس. الفيلم قدّم أيقونة تتحرك داخل كادرات جميلة، لكنه لم يمنحنا الإنسانة التي كانت ترتجف خلف هذه الهالة.
كنت أستمع إلى صوتها وأنا أكتب، وأفكر أن الحب عند أم كلثوم لم يكن عاطفة رومانسية بالمعنى الساذج، بل كان فلسفة كاملة في الاحتمال. الحب عندها كان انتظارًا طويلًا، وعذابًا نبيلًا، وخضوعًا لسلطة الشعور حتى النهاية. في عالمها، لا يوجد حب سريع، ولا علاقات خفيفة، بل افتراس روحي كامل للإنسان. لهذا بقيت أغانيها حيّة؛ لأنها لم تخاطب العابر فينا، بل ذلك الكائن العميق الذي يخاف الفقد ويبحث عن الخلود عبر الآخر.
تعامل مع الحب بوصفه تفصيلًا في حياتها، بينما كان الحب هو جوهر مشروعها الفني كله. أم كلثوم لم تكن تغني الكلمات فقط، بل كانت تعيد تشكيل الزمن داخل الأغنية. كانت تجعل الدقيقة الواحدة مساحة للتأمل، وتجعل التكرار كشفًا نفسيًا لا مللًا. ولهذا فإن الاستماع إليها يحتاج صبرًا يشبه التصوف، بينما الفيلم بدا ابن عصر السرعة واللهاث البصري؛ مونتاج سريع، لقطات قصيرة، دخول متتالٍ للنجوم، وكأن العمل يخشى الصمت، بينما كانت قوة أم كلثوم الحقيقية تكمن تحديدًا في قدرتها على جعل الصمت جزءًا من الموسيقى.
حتى اختيار منى زكي، رغم اجتهادها الواضح، كشف سوء فهم آخر للشخصية. أم كلثوم ليست ملامح يمكن تقليدها، ولا طريقة كلام يمكن محاكاتها، بل ثقل روحي كامل. كانت تدخل المسرح كما يدخل الملوك التاريخ، لا لأن أحدًا منحها السلطة، بل لأنها انتزعتها بالصوت والكاريزما والذكاء والقسوة أيضًا. هذه المرأة لم تكن هشة كما حاول الفيلم أحيانًا أن يصورها، ولم تكن مجرد ضحية خوف من الشيخوخة أو المرض، بل كانت واعية تمامًا لقيمتها الأسطورية، ومدركة أن الجماهير لا تحب الفنان فقط، بل تصنع منه إلهًا صغيرًا ثم تعاقبه إن سقط من عليائه.
لهذا احتاجت أم كلثوم إلى فيلم أكثر قسوة وعمقًا وجرأة. فيلم لا يخاف الاقتراب من تناقضاتها، ولا يكتفي بتلميع صورتها أو استعراض محطات حياتها الشهيرة. كانت بحاجة إلى عمل يسأل: ماذا يحدث للإنسان عندما يتحول إلى أسطورة وهو لا يزال حيًا؟ كيف يعيش الحب من جعل الملايين تقع في الحب بصوته؟ وهل كانت أم كلثوم سعيدة فعلًا، أم أنها دفعت عمرها كله ثمنًا لذلك المجد الهائل؟هذه الأسئلة غابت، فضاع الفيلم بين الإبهار البصري والاستعراض العاطفي السريع.
وربما كانت المشكلة الأعمق أن السينما الحديثة لم تعد تملك الصبر الكافي لفهم شخصيات بحجم أم كلثوم. نحن نعيش زمن الصورة السريعة، بينما هي ابنة زمن الإنصات الطويل. ولذلك بدا الفيلم، رغم جماله التقني، غريبًا عن روحها. يشبه محاولة اختصار قصيدة طويلة في إعلان فاخر.
وحين انتهيت من الكتابة، كانت أم كلثوم لا تزال تغني في الخلفية. أدركت عندها أن سرها الحقيقي لا يمكن القبض عليه بسهولة، لأن بعض الشخصيات لا تُروى بالسرد وحده، بل تحتاج إلى فن يملك شجاعة التأمل. وأم كلثوم، بكل هذا الحب الذي زرعته في وجدان العرب، لا تزال تنتظر فيلمًا يفهم أن العظمة ليست في الشهرة، بل في القدرة على البقاء حيّة داخل قلوب الناس بعد نصف قرن من الغياب.
في اللحظة التي انتهيت فيها من مشاهدة فيلم الست، لم أشعر بالرغبة في التصفيق، ولا حتى في الغضب الكامل. شعرت فقط بانزعاج ثقيل، يشبه ذلك الفراغ الذي يتركه عمل حاول الاقتراب من أسطورة، فاكتفى بملامسة ظلها. أطفأت الشاشة، وبدأت أكتب، بينما كان صوت أم كلثوم يتسلل في الخلفية وهي تغني: “إنت عمري”. عندها فقط فهمت المأزق الحقيقي للفيلم؛ لم يكن مأزقه في الإخراج، ولا في الأداء، ولا حتى في البناء الدرامي المرتبك، بل في عجزه عن فهم فلسفة الحب التي صنعت أم كلثوم نفسها.
ليست أم كلثوم مجرد صوت عظيم، ولا مجرد مطربة امتلكت حضورًا استثنائيًا، بل كانت ظاهرة وجودية كاملة. كانت مشروعًا عربيًا للحب الجماعي، للحزن الجماعي، وللوحدة العاطفية التي جمعت ملايين البشر حول جهاز راديو صغير في مساء واحد. كانت المرأة التي جعلت العاشق يرى نفسه داخل الأغنية، والمكسور يجد عزاءه، والمنفي يشعر أن اللغة لا تزال وطنًا مؤقتًا له. ولذلك فإن أي فيلم عنها لا يكفيه أن يعيد ترتيب محطات حياتها، بل عليه أن يجيب عن سؤال أكثر عمقًا: كيف استطاعت امرأة واحدة أن تتحول إلى ذاكرة عاطفية لأمة كاملة؟
لقد انشغل الست بإعادة إنتاج الصورة، لكنه لم يقترب من الروح. رأينا الديكورات، الفساتين، الإضاءة، حركة الكاميرا، وصوت التصفيق في الحفلات، لكننا لم نرَ تلك العزلة الهائلة التي كانت تعيشها أم كلثوم وهي تدرك أن صوتها صار أكبر من حياتها الشخصية نفسها. لم نرَ ثمن العظمة، ولا ذلك الخوف الداخلي الذي يجعل الفنان أسير صورته أمام الناس. الفيلم قدّم أيقونة تتحرك داخل كادرات جميلة، لكنه لم يمنحنا الإنسانة التي كانت ترتجف خلف هذه الهالة.
كنت أستمع إلى صوتها وأنا أكتب، وأفكر أن الحب عند أم كلثوم لم يكن عاطفة رومانسية بالمعنى الساذج، بل كان فلسفة كاملة في الاحتمال. الحب عندها كان انتظارًا طويلًا، وعذابًا نبيلًا، وخضوعًا لسلطة الشعور حتى النهاية. في عالمها، لا يوجد حب سريع، ولا علاقات خفيفة، بل افتراس روحي كامل للإنسان. لهذا بقيت أغانيها حيّة؛ لأنها لم تخاطب العابر فينا، بل ذلك الكائن العميق الذي يخاف الفقد ويبحث عن الخلود عبر الآخر.
تعامل مع الحب بوصفه تفصيلًا في حياتها، بينما كان الحب هو جوهر مشروعها الفني كله. أم كلثوم لم تكن تغني الكلمات فقط، بل كانت تعيد تشكيل الزمن داخل الأغنية. كانت تجعل الدقيقة الواحدة مساحة للتأمل، وتجعل التكرار كشفًا نفسيًا لا مللًا. ولهذا فإن الاستماع إليها يحتاج صبرًا يشبه التصوف، بينما الفيلم بدا ابن عصر السرعة واللهاث البصري؛ مونتاج سريع، لقطات قصيرة، دخول متتالٍ للنجوم، وكأن العمل يخشى الصمت، بينما كانت قوة أم كلثوم الحقيقية تكمن تحديدًا في قدرتها على جعل الصمت جزءًا من الموسيقى.
حتى اختيار منى زكي، رغم اجتهادها الواضح، كشف سوء فهم آخر للشخصية. أم كلثوم ليست ملامح يمكن تقليدها، ولا طريقة كلام يمكن محاكاتها، بل ثقل روحي كامل. كانت تدخل المسرح كما يدخل الملوك التاريخ، لا لأن أحدًا منحها السلطة، بل لأنها انتزعتها بالصوت والكاريزما والذكاء والقسوة أيضًا. هذه المرأة لم تكن هشة كما حاول الفيلم أحيانًا أن يصورها، ولم تكن مجرد ضحية خوف من الشيخوخة أو المرض، بل كانت واعية تمامًا لقيمتها الأسطورية، ومدركة أن الجماهير لا تحب الفنان فقط، بل تصنع منه إلهًا صغيرًا ثم تعاقبه إن سقط من عليائه.
لهذا احتاجت أم كلثوم إلى فيلم أكثر قسوة وعمقًا وجرأة. فيلم لا يخاف الاقتراب من تناقضاتها، ولا يكتفي بتلميع صورتها أو استعراض محطات حياتها الشهيرة. كانت بحاجة إلى عمل يسأل: ماذا يحدث للإنسان عندما يتحول إلى أسطورة وهو لا يزال حيًا؟ كيف يعيش الحب من جعل الملايين تقع في الحب بصوته؟ وهل كانت أم كلثوم سعيدة فعلًا، أم أنها دفعت عمرها كله ثمنًا لذلك المجد الهائل؟هذه الأسئلة غابت، فضاع الفيلم بين الإبهار البصري والاستعراض العاطفي السريع.
وربما كانت المشكلة الأعمق أن السينما الحديثة لم تعد تملك الصبر الكافي لفهم شخصيات بحجم أم كلثوم. نحن نعيش زمن الصورة السريعة، بينما هي ابنة زمن الإنصات الطويل. ولذلك بدا الفيلم، رغم جماله التقني، غريبًا عن روحها. يشبه محاولة اختصار قصيدة طويلة في إعلان فاخر.
وحين انتهيت من الكتابة، كانت أم كلثوم لا تزال تغني في الخلفية. أدركت عندها أن سرها الحقيقي لا يمكن القبض عليه بسهولة، لأن بعض الشخصيات لا تُروى بالسرد وحده، بل تحتاج إلى فن يملك شجاعة التأمل. وأم كلثوم، بكل هذا الحب الذي زرعته في وجدان العرب، لا تزال تنتظر فيلمًا يفهم أن العظمة ليست في الشهرة، بل في القدرة على البقاء حيّة داخل قلوب الناس بعد نصف قرن من الغياب.
