![]() |
| د. جهاد بن جميل حمد |
الكاتب: د. جهاد بن جميل حمد
قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي، جامعة السلطان قابوس
في صباح مشمس من أيام غزة، كان الطفل خالد (10 أعوام) يلعب كرة القدم مع أصدقائه في حي الشجاعية. بعد ساعات، تحولت جدران المنزل إلى أنقاض، وتحول رفاق اللعب إلى جثامين أو أشباح هائمة. خالد اليوم لا يتكلم، لا يلعب، لا يبكي. نظرته الزجاجية تحكي ما تعجز الكلمات عن وصفه.
هذه ليست قصة فردية، بل واقع يعيشه أكثر من مليون طفل في قطاع غزة، بعد أكثر من عامين على عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، والحرب الإسرائيلية المدمرة التي تلتها. إنها وثيقة حية على جيل كامل يُسحق نفسياً واجتماعياً، جيل يُدفن تحت الأنقاض مرتين: مرة بالجسد، ومرة بالروح.
أعرض في هذه المقالة السيكو-سوسيولوجية المتمثلة في "اطفال بلا طفولة – الانهيار النفسي والاجتماعي لجيل غزة بعد7 أكتوبر"، مستندا إلى تحليل سيكو-سوسيولوجي يدمج بين التحليل السوسيولوجي البنيوي والملاحظة النفسية العميقة من خلال تجربتي في كندا بمركز اونتاريوا للصحة النفسية ( Mental Health Centre (، وهذا وفق فرضية النظرية البيئية لنمو الإنسانBronfenbrenner والتي تستند على أن الطفل يتطور داخل منظومات متداخلة – الأسرة، المدرسة، الأقران، المجتمع المحلي، وأخيراً الثقافة والقوانين.
أولاً – الإحصاءات التي تصرخ - بين الرقم والجثمان
لا يمكن فهم حجم الكارثة النفسية دون الإلمام بالأرقام الموثقة. فوفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة اليونيسف، ارتفع عدد الشهداء الأطفال إلى أكثر من 21,289 طفلاً منذ أكتوبر 2023، بينما تجاوز عدد الجرحى من الأطفال 44,500 طفل. كما تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن أكثر من 39,000 طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما، من بينهم 17,000 طفل أصيبوا باليتم الكامل. لكن الأرقام الأكثر إزعاجاً تأتي من الدراسات الميدانية الحديثة
دراسة مقطعية شملت 339 طالباً طبياً (نُشرت في BMC Psychology، ديسمبر 2024) أظهرت أن 97.05% يعانون من أعراض اكتئابية بدرجات متفاوتة، وأن 84.37% يعانون من القلق الخفيف فأكثر.
تحليل تلوي Sihombing et al.، 2025 كشف أن انتشار اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بين أطفال غزة بلغ 84.6%، وهي النسبة الأعلى عالمياً بين مناطق النزاع المسلح.
دراسة حديثة El‑Khodary et al.، 2026 شملت 250 طفلاً ومراهقاً نازحاً، وأظهرت أن جميع المشاركين تعرضوا لثلاثة أحداث صادمة حربية على الأقل، كما كشفت معاناة واسعة من اضطراب ما بعد الصدمة المركب (cPTSD) نتيجة التعرض المزمن والمتكرر للصدمات.
دراسة مقطعية أخرى نُشرت في Child and Adolescent Psychiatry and Mental Health (2026 شملت 933 طفلاً نازحاً، وأظهرت أن الأطفال تعرضوا لمعدل 6.7 نزوح قسري، وأن 57.8% منهم استوفوا معايير اضطراب ما بعد الصدمة. وتجاوزت معدلات المشكلات الانفعالية والسلوكية الشديدة 46.3%
هذه الأرقام ليست مجرد أصفار في جداول إحصائية؛ كل نسبة مئوية تمثل طفلاً كان يحلم، يلعب، يدرس، ويعتقد أن للغد طعماً آخر.
ثانياً – سيكولوجية الحرب - عندما تصبح الصدمة نمط حياة
يصف الباحثون Plener et al., 2025 حالة أطفال غزة بـ "الصدمة الجماعية المتسارعة عبر الأجيال" Accelerated Intergenerational Collective Trauma. لكن ماذا يعني هذا المصطلح علمياً؟ ببساطة، يتعرض الطفل الغزي لصدمات متكررة يومياً – قصف، نزوح، جوع، فقدان أحبة، مشاهدة مشاهد بتر وأشلاء – قبل أن يتمكن دماغه الصغير من معالجة الصدمة الأولى. تأتي الثانية والثالثة، فتتراكم كالانهيار الجليدي. وهذه الصدمات المتكررة تنتقل عبر الأجيال، إذ تشير الأبحاث إلى أن آثار الصدمة تتجاوز السلوك والمشاعر إلى تغييرات بيولوجية قابلة للتوريث، مما يخلق عبئاً نفسياً يطال الأجيال القادمة.
يشرح الدكتور بسام أبو هاشم، الاختصاصي النفسي في مجمع الشفاء (قبل تدميره): "الأطفال هنا يعيشون في حالة فرط يقظة دائمة. أدمغتهم تفرز الكورتيزول بمستويات تفوق قدرة أجسادهم على التحمل، مما يؤدي إلى تلف في منطقة الحُصين hippocampus المسؤولة عن الذاكرة والتعلم، والقشرة الجبهية المسؤولة عن التنظيم الانفعالي." الدراسات الحديثة تؤكد ذلك، موثقة التأثيرات العصبية الحيوية للحرب المزمنة، بما في ذلك اضطرابات النوم الحادة واليقظة المفرطة والكوابيس المستمرة.
الأعراض التي تظهر على الأطفال متعددة ومتداخلة
أعراض إعادة التجربة Re‑experience كوابيس مفزعة، ذكريات متطفلة، إعادة تمثيل مشاهد الحرب أثناء اللعب (مثل دفن الدمى في الرمال).
سلوكيات التجنبAvoidance رفض الذهاب إلى المدرسة أو الحدائق، الصمت الاختياري، اللامبالاة العاطفية.
فرط الاستثارة واليقظة Hyperarousal صعوبة في النوم، فزع مفرط من أي صوت عالٍ (طائرة، سيارة، بالون منفجر)، نوبات غضب مفاجئة.
التغيرات السلبية في المزاج والإدراك Negative alterations in mood and cognition اعتقاد راسخ أن "العالم مكان خطير"، أن "المستقبل معدوم"، شعور بالذنب لأنهم "لم يستطيعوا إنقاذ أحد".
ثالثاً – البعد السوسيولوجي - انهيار النسيج العائلي والمجتمعي
الحرب لا تدمّر الأفراد فقط، بل تفكك الأنسجة الاجتماعية التي كانت تحمي الطفل قبل الصدمة. تشرح النظرية البيئية لنمو الإنسانBronfenbrenner ان الطفل يتطور داخل منظومات متداخلة – الأسرة، المدرسة، الأقران، المجتمع المحلي، وأخيراً الثقافة والقوانين. وفي غزة اليوم، انهارت كل هذه المنظومات بشكل متزامن وكامل.
المنظومة الأسرية (Microsystem الأسرة) أكثر من 39,000 طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما. الأسر الناجية تعيش في خيام مكتظة، حيث يُقدَّر عدد النازحين داخلياً بنحو 1.9 مليون شخص، أي ما يعادل 9 من كل 10 سكان القطاع. يعيش 8–10 أفراد في خيمة مساحتها 16 متراً مربعاً، مما يعني انهيار الخصوصية، اختفاء الحدود بين الكبار والصغار، وانتشار العنف الأسري كنتيجة طبيعية للضغط النفسي.
المنظومة التعليمية (Mesosystem المدرسة) وفقاً لليونيسف، 60% من الأطفال في سن المدرسة لا يتلقون تعليماً حضورياً، وتضرر أكثر من 90% من المدارس بشكل كامل أو جزئي، بينما تؤكد تقديرات الأمم المتحدة أن 97% من المباني المدرسية قد دُمِّرت. المدرسة لم تكن مجرد مكان للتعلم، بل كانت الملاذ الآمن، المكان الذي يحصل فيه الطفل على وجبة ساخنة، يلعب مع أقرانه، ويستشعر شيئاً من النظام والروتين. غياب المدرسة يعني غياب الهيكل اليومي الذي يساعد على إعادة بناء الشعور بالأمان بعد الصدمة. وما يزيد الطين بلة أن أكثر من 335,000 طفل دون سن الخامسة باتوا معرضين لخطر التأخيرات النمائية الشديدة نتيجة انهيار خدمات الطفولة المبكرة.
منظومة الأقران (Microsystem الأقران) أكثر من 70% من الأطفال فقدوا صديقاً مقرباً أو زميلاً في الدراسة Aldabbour et al., 2024 الأطفال الذين نجوا يتجنبون تكوين علاقات جديدة خوفاً من الخسارة مرة أخرى. يظهر بعضهم عدوانية كآلية دفاع، بينما ينسحب آخرون بشكل كامل.
منظومة المجتمع المحلي (Exosystem الخدمات الصحية والنفسية) النظام الصحي في غزة منهك بالكامل. لا يوجد مستشفى واحد يعمل بكامل طاقته، و50% من المستشفيات تعمل جزئياً فقط، في حين أن 1.5% فقط من مراكز الرعاية الأولية تعمل بكامل طاقتها. تُقدِّر منظمة الصحة العالمية أن مليون شخص في غزة يحتاجون إلى رعاية الصحة النفسية، لكن البنية التحتية اللازمة لتقديم هذه الرعاية قد دُمِّرت إلى حد كبير. تم تدمير المستشفى النفسي الوحيد في القطاع في نوفمبر 2023، مما وجه ضربة قاصمة لنظام الصحة النفسية الهش أصلاً. الأخصائيون النفسيون – من بقي منهم على قيد الحياة – يعملون في ظروف مستحيلة، حيث تصل نسبة الحالات لكل أخصائي إلى أكثر من 5,000 طفل.
المنظومة الثقافية والقانونية (Macrosystem القيم والأنظمة الدولية) الأطفال يشاهدون آباءهم وأمهاتهم يتضوّرون جوعاً، ويشاهدون العالم الخارجي "يتفرج" على مذبحتهم دون حراك. هذا يخلق شعوراً عميقاً بالظلم وعدم الثقة بأي سلطة أو مؤسسة دولية. أحد الأخصائيين النفسيين في خان يونس يقول: "طفل في السادسة سألني: أين اليونيسف؟ قالوا سيحموننا. لماذا لم يحمونا؟"
رابعاً – الصمود الغزي - المرونة في قلب الموت
برغم كل هذا، لا يمكن الحديث عن الانهيار دون الحديث عن الصمود. مفهوم "المرونة النفسية" Resilience لا يعني عدم التأثر، بل القدرة على إعادة البناء رغم الدمار. تشير الأبحاث Masten & Narayan, 2012; Betancourt & Khan, 2008 إلى أن المرونة ليست سمة فردية فطرية، بل عملية اجتماعية تنتج عن توفر عوامل حماية، منها:
الدعم الأسري غير المشروط - بعض العائلات الغزية نجحت، بمعجزة، في الحفاظ على روتين يومي صغير (تلاوة قرآن، غناء جماعي، مشاركة الطعام الضئيل)، مما أعطى الأطفال شعوراً بالاستمرارية.
العلاقات الإيجابية مع مقدمي الرعاية - الأمهات والجدات لعبن دوراً باسلاً في إعادة بناء المعنى، من خلال قصص المقاومة والصمود، وقصص الأجداد المهجرين عام 1948 (النكبة)، مما خلق شعوراً بالهوية والانتماء يتجاوز الألم الآني.
استراتيجيات المواجهة الإيجابية - أطفال غزة تبنوا سلوكيات تكيفية مذهلة. بعضهم لجأ إلى الرسم رغم نقص الألوان والورق، وبعضهم اكتشف قدرته على مساعدة الآخرين (الأطفال الأكبر سناً يساعدون في إدارة الخيام، توزيع الماء، تهدئة الصغار). كما تُستخدم برامج الدعم النفسي والاجتماعي القائمة على اللعب والأنشطة الفنية لمساعدة الأطفال على معالجة تجاربهم واستعادة الشعور بالأمان.
الأمل والديني - تظهر الدراسات الإحصائية أن الأطفال الذين احتفظوا بالإيمان بأن "الأمور ستتحسن"، وأن "هذه المحنة ستمر"، كانت لديهم أعراض اكتئابيه أقل بنسبة 40%. الإيمان بالله، والإيمان بعدالة القضية، والإيمان بأن الشهداء أحياء عند ربهم، كلها شكلت أطراً تفسيرية قللت من الشعور بالعبثية واللامعنى.
خامساً – لماذا الاختبارات النفسية التقليدية غير كافية؟
هنا تأتي القضية المنهجية الأكثر حساسية، كيف نقيس المعاناة النفسية لأطفال غزة باستخدام أدوات وُلِدت في عيادات "بوسطن" و"لندن"؟
إذا طبقنا مقياس اضطراب ما بعد الصدمة التقليدي CAPS‑CA، فإن أطفال غزة قد يجيبون على سؤال "هل تتجنب الحديث عن الحدث الصادم؟" بنعم، لكن لا لأنهم في مرحلة إنكار، بل لأن الحديث عن الموت أصبح روتينياً إلى درجة أنهم يشعرون بالملل والضجر من تكراره. وهنا يظهر التباعد الثقافي Cultural Validity Gap
أيضاً، في الثقافة الفلسطينية، يتم التعبير عن الضائقة النفسية غالباً عبر الأعراض الجسدية Somatization وجدت دراسةKaufman‑Shriqui et al., 2013 إن أطفال غزة المصابين باضطراب ما بعد الصدمة يعانون من أعراض جسدية أكثر بثلاث مرات (إمساك، إسهال، صداع، آلام عضلية لا سبب عضوي لها) مقارنة بغير المصابين، لكن معظم اختبارات القلق والاكتئاب التقليدية تركز على الأعراض النفسية البحتة.
المشكلة الثالثة هي الطبيعة التراكمية للصدمة مقابل "الصدمة الواحدة" التي تبنى عليها اختبارات اضطراب ما بعد الصدمة. اختبارات اضطراب ما بعد الصدمة التقليدية تستفسر عن "الحدث الصادم". لكن إذا سأل أحدهم طفلاً غزياً، "ما هو أكثر حدث صادم مررت به؟" سيجيب الطفل: "أي واحدة؟ القصف الأول الذي قتل جاري؟ الثاني الذي دمر مدرستي؟ الثالث الذي دفن أختي تحت الأنقاض لمدة 24 ساعة؟ أم الرابع عندما كانت أمي تبحث عن خبز لمدة 12 ساعة وأنا أخاف أن تقصف وأنا وحدي؟" إنهم لا يعيشون "حدثاً" واحداً، بل "حالة دائمة من الحرب".
لهذا السبب، يرى الباحثون الميدانيون Perkins & Alós, 2021 أن المقابلة الإكلينيكية شبه المنظمة التي تمزج بين الأسئلة الموحدة والاستفسار المفتوح هي أفضل من الاختبارات الجافة. كما يجب إضافة مقاييس السياق التي تقيس عوامل الحماية (مثل الدعم الأسري، الأمل، التدين) وليس الأعراض فقط. من أهم التوصيات العملية استخدام قائمة الأحداث الصادمة للأطفال الفلسطينيين Veronese et al., 2024 التي طوِّرت خصيصاً في غزة وتشمل أصنافاً مثل، "شاهدت جدار منزل ينهار على أحد أفراد أسرتي"، "نِمت في الشارع لمدة أسبوع"، "لم أتناول الطعام لمدة 24 ساعة متواصلة" – وهي أحداث لا تخطر على بال مصممي الاختبارات في سويسرا أو أمريكا.
سادساً – الخلاصة ونداء عاجل
أطفال غزة اليوم ليسوا مجرد أرقام في حصيلة شهداء أو مرضى نفسيين. هم مستقبل فلسطين الذي يُسحق في مهده. الاضطرابات النفسية التي يعانون منها – إذا لم تُعالَج بسرعة وبطرق مبتكرة وطويلة الأمد – ستتحول إلى إعاقات مدى الحياة: صعوبات تعلم، عجز عن تكوين علاقات صحية، ميل للعنف أو الانسحاب الكامل، أمراض جسدية مزمنة، وفي أسوأ الحالات (نحو 3–5% حسب التقديرات) التفكير بالانتحار.
النداء الذي يجب أن يخرج من هذه المقالة متعدد المستويات
على المستوى الإنساني العاجل - وقف إطلاق النار فوراً لوقف النزيف البشري والنفسي. لا علاج نفسي فعال في خضم القصف والقنص.
على مستوى الصحة النفسية - توفير "فرق تدخل نفسي سريع" مدربة بشكل مكثف على التعامل مع صدمات الحرب المركبة، مع تزويدهم بأدوات تقييم محلية (وليس غربية معربة فقط). إنشاء عيادات متنقلة في مراكز الإيواء.
على مستوى التعليم - بدء "مدارس مؤقتة" في الخيام، حتى لو كانت ساعتين يومياً، لأن الروتين والبنية والمكان الآمن – وليس فقط المادة العلمية – هي ما يحتاجه الطفل الآن.
على مستوى الأسرة - تقديم دعم نفسي للأمهات والآباء والأجداد، لأن مقدم الرعاية المنهك نفسياً لا يمكنه دعم الطفل. تقديم وجبات غذائية ودعم مادي لتخفيف الضغوط الاقتصادية المسببة للتوتر.
على مستوى المنظمات الدولية (اليونيسف، الصحة العالمية) - تعديل بروتوكولات التقييم النفسي الخاصة بالطوارئ لتشمل مقاييس الثقافة والسياق والصدمات المركبة. الاستثمار في تدريب أخصائيين فلسطينيين ليكونوا مشرفين على هذه البرامج وليس مجرد متلقين لتعليمات غربية.
وأخيراً، إذا كان العالم عاجزاً عن وقف الحرب، فليكن على الأقل قادراً على التخفيف من نزيف الروح. طفل غزة الذي فقد كل شيء (البيت، المدرسة، الأصدقاء، الحلم) لا يزال يحتفظ بشيء واحد لم تستطع الحرب قتله بعد: ذلك الأمل الغامر بأن العدالة آتية لا محالة، حتى لو تأخرت. يحتفظ أيضاً بمرونة غريبة جعلته يصمد أمام حرب إبادة ممنهجة لأكثر من عامين.
المهمة الثقيلة تقع الآن على عاتق المجتمع الدولي للصحة النفسية: ليتوقفوا عن التعامل مع أطفال غزة كحالات مرضية في الكتب المدرسية، وليروهم كما هم – بشر صغار يكافحون من أجل بقاء هويتهم وكرامتهم ووعيهم تحت وابل من الموت اليومي.
قال الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". بعد 7 أكتوبر، يثبت أطفال غزة كل يوم أنهم "ما يستحق الحياة"، رغم كل محاولات طمسها. واجبنا العلمي والإنساني أن نساعدهم على البقاء نفسياً كما يكافحون للبقاء جسدياً.
المصادر
Aldabbour, B., et al. (2024). Psychological impacts of the Gaza war on Palestinian young adults. BMC Psychology, 12, 696.
El-Khodary, B., Iriqat, R., Abo-Shamla, A., et al. (2026). Exposure to war‑related trauma and symptoms of complex posttraumatic stress disorder among children and adolescents in Gaza. European Journal of Psychotraumatology, 17.
El-Khodary, B., & Samara, M. (2020). Traumatic Events and PTSD Among Palestinian Children and Adolescents. Frontiers in Psychiatry, 11, 4.
Kaufman-Shriqui, V., et al. (2013). PTSD among preschoolers exposed to ongoing missile attacks. Depression and Anxiety, 30(5), 425‑431.
Masten, A. S., & Narayan, A. J. (2012). Child development in disaster, war, and terrorism. Annual Review of Psychology, 63, 227‑257.
Perkins, J. D., & Alós, J. (2021). Rapid mental health screening in conflict zones: RCADS‑25 Arabic. Conflict and Health, 15(1).
Plener, P. L., et al. (2025). Prevalence of war‑related PTSD in adolescents. European Journal of Psychotraumatology, 16(1).
Sihombing, N., et al. (2025). Collective Trauma in Gaza Society After the 2023 Military Operation. Medika, 3(4).
Veronese, G., et al. (2024). Palestinian children’s traumatic events checklist. BMC Psychiatry, 24, 254.
وزارة الصحة الفلسطينية – تقرير إحصائي شهري (مايو 2026).
اليونيسف – تقرير حالة الأطفال في غزة (فبراير 2026).
منظمة الصحة العالمية – بيان إقليمي (مايو 2026).
قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي، جامعة السلطان قابوس
في صباح مشمس من أيام غزة، كان الطفل خالد (10 أعوام) يلعب كرة القدم مع أصدقائه في حي الشجاعية. بعد ساعات، تحولت جدران المنزل إلى أنقاض، وتحول رفاق اللعب إلى جثامين أو أشباح هائمة. خالد اليوم لا يتكلم، لا يلعب، لا يبكي. نظرته الزجاجية تحكي ما تعجز الكلمات عن وصفه.
هذه ليست قصة فردية، بل واقع يعيشه أكثر من مليون طفل في قطاع غزة، بعد أكثر من عامين على عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، والحرب الإسرائيلية المدمرة التي تلتها. إنها وثيقة حية على جيل كامل يُسحق نفسياً واجتماعياً، جيل يُدفن تحت الأنقاض مرتين: مرة بالجسد، ومرة بالروح.
أعرض في هذه المقالة السيكو-سوسيولوجية المتمثلة في "اطفال بلا طفولة – الانهيار النفسي والاجتماعي لجيل غزة بعد7 أكتوبر"، مستندا إلى تحليل سيكو-سوسيولوجي يدمج بين التحليل السوسيولوجي البنيوي والملاحظة النفسية العميقة من خلال تجربتي في كندا بمركز اونتاريوا للصحة النفسية ( Mental Health Centre (، وهذا وفق فرضية النظرية البيئية لنمو الإنسانBronfenbrenner والتي تستند على أن الطفل يتطور داخل منظومات متداخلة – الأسرة، المدرسة، الأقران، المجتمع المحلي، وأخيراً الثقافة والقوانين.
أولاً – الإحصاءات التي تصرخ - بين الرقم والجثمان
لا يمكن فهم حجم الكارثة النفسية دون الإلمام بالأرقام الموثقة. فوفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية ومنظمة اليونيسف، ارتفع عدد الشهداء الأطفال إلى أكثر من 21,289 طفلاً منذ أكتوبر 2023، بينما تجاوز عدد الجرحى من الأطفال 44,500 طفل. كما تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن أكثر من 39,000 طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما، من بينهم 17,000 طفل أصيبوا باليتم الكامل. لكن الأرقام الأكثر إزعاجاً تأتي من الدراسات الميدانية الحديثة
دراسة مقطعية شملت 339 طالباً طبياً (نُشرت في BMC Psychology، ديسمبر 2024) أظهرت أن 97.05% يعانون من أعراض اكتئابية بدرجات متفاوتة، وأن 84.37% يعانون من القلق الخفيف فأكثر.
تحليل تلوي Sihombing et al.، 2025 كشف أن انتشار اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بين أطفال غزة بلغ 84.6%، وهي النسبة الأعلى عالمياً بين مناطق النزاع المسلح.
دراسة حديثة El‑Khodary et al.، 2026 شملت 250 طفلاً ومراهقاً نازحاً، وأظهرت أن جميع المشاركين تعرضوا لثلاثة أحداث صادمة حربية على الأقل، كما كشفت معاناة واسعة من اضطراب ما بعد الصدمة المركب (cPTSD) نتيجة التعرض المزمن والمتكرر للصدمات.
دراسة مقطعية أخرى نُشرت في Child and Adolescent Psychiatry and Mental Health (2026 شملت 933 طفلاً نازحاً، وأظهرت أن الأطفال تعرضوا لمعدل 6.7 نزوح قسري، وأن 57.8% منهم استوفوا معايير اضطراب ما بعد الصدمة. وتجاوزت معدلات المشكلات الانفعالية والسلوكية الشديدة 46.3%
هذه الأرقام ليست مجرد أصفار في جداول إحصائية؛ كل نسبة مئوية تمثل طفلاً كان يحلم، يلعب، يدرس، ويعتقد أن للغد طعماً آخر.
ثانياً – سيكولوجية الحرب - عندما تصبح الصدمة نمط حياة
يصف الباحثون Plener et al., 2025 حالة أطفال غزة بـ "الصدمة الجماعية المتسارعة عبر الأجيال" Accelerated Intergenerational Collective Trauma. لكن ماذا يعني هذا المصطلح علمياً؟ ببساطة، يتعرض الطفل الغزي لصدمات متكررة يومياً – قصف، نزوح، جوع، فقدان أحبة، مشاهدة مشاهد بتر وأشلاء – قبل أن يتمكن دماغه الصغير من معالجة الصدمة الأولى. تأتي الثانية والثالثة، فتتراكم كالانهيار الجليدي. وهذه الصدمات المتكررة تنتقل عبر الأجيال، إذ تشير الأبحاث إلى أن آثار الصدمة تتجاوز السلوك والمشاعر إلى تغييرات بيولوجية قابلة للتوريث، مما يخلق عبئاً نفسياً يطال الأجيال القادمة.
يشرح الدكتور بسام أبو هاشم، الاختصاصي النفسي في مجمع الشفاء (قبل تدميره): "الأطفال هنا يعيشون في حالة فرط يقظة دائمة. أدمغتهم تفرز الكورتيزول بمستويات تفوق قدرة أجسادهم على التحمل، مما يؤدي إلى تلف في منطقة الحُصين hippocampus المسؤولة عن الذاكرة والتعلم، والقشرة الجبهية المسؤولة عن التنظيم الانفعالي." الدراسات الحديثة تؤكد ذلك، موثقة التأثيرات العصبية الحيوية للحرب المزمنة، بما في ذلك اضطرابات النوم الحادة واليقظة المفرطة والكوابيس المستمرة.
الأعراض التي تظهر على الأطفال متعددة ومتداخلة
أعراض إعادة التجربة Re‑experience كوابيس مفزعة، ذكريات متطفلة، إعادة تمثيل مشاهد الحرب أثناء اللعب (مثل دفن الدمى في الرمال).
سلوكيات التجنبAvoidance رفض الذهاب إلى المدرسة أو الحدائق، الصمت الاختياري، اللامبالاة العاطفية.
فرط الاستثارة واليقظة Hyperarousal صعوبة في النوم، فزع مفرط من أي صوت عالٍ (طائرة، سيارة، بالون منفجر)، نوبات غضب مفاجئة.
التغيرات السلبية في المزاج والإدراك Negative alterations in mood and cognition اعتقاد راسخ أن "العالم مكان خطير"، أن "المستقبل معدوم"، شعور بالذنب لأنهم "لم يستطيعوا إنقاذ أحد".
ثالثاً – البعد السوسيولوجي - انهيار النسيج العائلي والمجتمعي
الحرب لا تدمّر الأفراد فقط، بل تفكك الأنسجة الاجتماعية التي كانت تحمي الطفل قبل الصدمة. تشرح النظرية البيئية لنمو الإنسانBronfenbrenner ان الطفل يتطور داخل منظومات متداخلة – الأسرة، المدرسة، الأقران، المجتمع المحلي، وأخيراً الثقافة والقوانين. وفي غزة اليوم، انهارت كل هذه المنظومات بشكل متزامن وكامل.
المنظومة الأسرية (Microsystem الأسرة) أكثر من 39,000 طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما. الأسر الناجية تعيش في خيام مكتظة، حيث يُقدَّر عدد النازحين داخلياً بنحو 1.9 مليون شخص، أي ما يعادل 9 من كل 10 سكان القطاع. يعيش 8–10 أفراد في خيمة مساحتها 16 متراً مربعاً، مما يعني انهيار الخصوصية، اختفاء الحدود بين الكبار والصغار، وانتشار العنف الأسري كنتيجة طبيعية للضغط النفسي.
المنظومة التعليمية (Mesosystem المدرسة) وفقاً لليونيسف، 60% من الأطفال في سن المدرسة لا يتلقون تعليماً حضورياً، وتضرر أكثر من 90% من المدارس بشكل كامل أو جزئي، بينما تؤكد تقديرات الأمم المتحدة أن 97% من المباني المدرسية قد دُمِّرت. المدرسة لم تكن مجرد مكان للتعلم، بل كانت الملاذ الآمن، المكان الذي يحصل فيه الطفل على وجبة ساخنة، يلعب مع أقرانه، ويستشعر شيئاً من النظام والروتين. غياب المدرسة يعني غياب الهيكل اليومي الذي يساعد على إعادة بناء الشعور بالأمان بعد الصدمة. وما يزيد الطين بلة أن أكثر من 335,000 طفل دون سن الخامسة باتوا معرضين لخطر التأخيرات النمائية الشديدة نتيجة انهيار خدمات الطفولة المبكرة.
منظومة الأقران (Microsystem الأقران) أكثر من 70% من الأطفال فقدوا صديقاً مقرباً أو زميلاً في الدراسة Aldabbour et al., 2024 الأطفال الذين نجوا يتجنبون تكوين علاقات جديدة خوفاً من الخسارة مرة أخرى. يظهر بعضهم عدوانية كآلية دفاع، بينما ينسحب آخرون بشكل كامل.
منظومة المجتمع المحلي (Exosystem الخدمات الصحية والنفسية) النظام الصحي في غزة منهك بالكامل. لا يوجد مستشفى واحد يعمل بكامل طاقته، و50% من المستشفيات تعمل جزئياً فقط، في حين أن 1.5% فقط من مراكز الرعاية الأولية تعمل بكامل طاقتها. تُقدِّر منظمة الصحة العالمية أن مليون شخص في غزة يحتاجون إلى رعاية الصحة النفسية، لكن البنية التحتية اللازمة لتقديم هذه الرعاية قد دُمِّرت إلى حد كبير. تم تدمير المستشفى النفسي الوحيد في القطاع في نوفمبر 2023، مما وجه ضربة قاصمة لنظام الصحة النفسية الهش أصلاً. الأخصائيون النفسيون – من بقي منهم على قيد الحياة – يعملون في ظروف مستحيلة، حيث تصل نسبة الحالات لكل أخصائي إلى أكثر من 5,000 طفل.
المنظومة الثقافية والقانونية (Macrosystem القيم والأنظمة الدولية) الأطفال يشاهدون آباءهم وأمهاتهم يتضوّرون جوعاً، ويشاهدون العالم الخارجي "يتفرج" على مذبحتهم دون حراك. هذا يخلق شعوراً عميقاً بالظلم وعدم الثقة بأي سلطة أو مؤسسة دولية. أحد الأخصائيين النفسيين في خان يونس يقول: "طفل في السادسة سألني: أين اليونيسف؟ قالوا سيحموننا. لماذا لم يحمونا؟"
رابعاً – الصمود الغزي - المرونة في قلب الموت
برغم كل هذا، لا يمكن الحديث عن الانهيار دون الحديث عن الصمود. مفهوم "المرونة النفسية" Resilience لا يعني عدم التأثر، بل القدرة على إعادة البناء رغم الدمار. تشير الأبحاث Masten & Narayan, 2012; Betancourt & Khan, 2008 إلى أن المرونة ليست سمة فردية فطرية، بل عملية اجتماعية تنتج عن توفر عوامل حماية، منها:
الدعم الأسري غير المشروط - بعض العائلات الغزية نجحت، بمعجزة، في الحفاظ على روتين يومي صغير (تلاوة قرآن، غناء جماعي، مشاركة الطعام الضئيل)، مما أعطى الأطفال شعوراً بالاستمرارية.
العلاقات الإيجابية مع مقدمي الرعاية - الأمهات والجدات لعبن دوراً باسلاً في إعادة بناء المعنى، من خلال قصص المقاومة والصمود، وقصص الأجداد المهجرين عام 1948 (النكبة)، مما خلق شعوراً بالهوية والانتماء يتجاوز الألم الآني.
استراتيجيات المواجهة الإيجابية - أطفال غزة تبنوا سلوكيات تكيفية مذهلة. بعضهم لجأ إلى الرسم رغم نقص الألوان والورق، وبعضهم اكتشف قدرته على مساعدة الآخرين (الأطفال الأكبر سناً يساعدون في إدارة الخيام، توزيع الماء، تهدئة الصغار). كما تُستخدم برامج الدعم النفسي والاجتماعي القائمة على اللعب والأنشطة الفنية لمساعدة الأطفال على معالجة تجاربهم واستعادة الشعور بالأمان.
الأمل والديني - تظهر الدراسات الإحصائية أن الأطفال الذين احتفظوا بالإيمان بأن "الأمور ستتحسن"، وأن "هذه المحنة ستمر"، كانت لديهم أعراض اكتئابيه أقل بنسبة 40%. الإيمان بالله، والإيمان بعدالة القضية، والإيمان بأن الشهداء أحياء عند ربهم، كلها شكلت أطراً تفسيرية قللت من الشعور بالعبثية واللامعنى.
خامساً – لماذا الاختبارات النفسية التقليدية غير كافية؟
هنا تأتي القضية المنهجية الأكثر حساسية، كيف نقيس المعاناة النفسية لأطفال غزة باستخدام أدوات وُلِدت في عيادات "بوسطن" و"لندن"؟
إذا طبقنا مقياس اضطراب ما بعد الصدمة التقليدي CAPS‑CA، فإن أطفال غزة قد يجيبون على سؤال "هل تتجنب الحديث عن الحدث الصادم؟" بنعم، لكن لا لأنهم في مرحلة إنكار، بل لأن الحديث عن الموت أصبح روتينياً إلى درجة أنهم يشعرون بالملل والضجر من تكراره. وهنا يظهر التباعد الثقافي Cultural Validity Gap
أيضاً، في الثقافة الفلسطينية، يتم التعبير عن الضائقة النفسية غالباً عبر الأعراض الجسدية Somatization وجدت دراسةKaufman‑Shriqui et al., 2013 إن أطفال غزة المصابين باضطراب ما بعد الصدمة يعانون من أعراض جسدية أكثر بثلاث مرات (إمساك، إسهال، صداع، آلام عضلية لا سبب عضوي لها) مقارنة بغير المصابين، لكن معظم اختبارات القلق والاكتئاب التقليدية تركز على الأعراض النفسية البحتة.
المشكلة الثالثة هي الطبيعة التراكمية للصدمة مقابل "الصدمة الواحدة" التي تبنى عليها اختبارات اضطراب ما بعد الصدمة. اختبارات اضطراب ما بعد الصدمة التقليدية تستفسر عن "الحدث الصادم". لكن إذا سأل أحدهم طفلاً غزياً، "ما هو أكثر حدث صادم مررت به؟" سيجيب الطفل: "أي واحدة؟ القصف الأول الذي قتل جاري؟ الثاني الذي دمر مدرستي؟ الثالث الذي دفن أختي تحت الأنقاض لمدة 24 ساعة؟ أم الرابع عندما كانت أمي تبحث عن خبز لمدة 12 ساعة وأنا أخاف أن تقصف وأنا وحدي؟" إنهم لا يعيشون "حدثاً" واحداً، بل "حالة دائمة من الحرب".
لهذا السبب، يرى الباحثون الميدانيون Perkins & Alós, 2021 أن المقابلة الإكلينيكية شبه المنظمة التي تمزج بين الأسئلة الموحدة والاستفسار المفتوح هي أفضل من الاختبارات الجافة. كما يجب إضافة مقاييس السياق التي تقيس عوامل الحماية (مثل الدعم الأسري، الأمل، التدين) وليس الأعراض فقط. من أهم التوصيات العملية استخدام قائمة الأحداث الصادمة للأطفال الفلسطينيين Veronese et al., 2024 التي طوِّرت خصيصاً في غزة وتشمل أصنافاً مثل، "شاهدت جدار منزل ينهار على أحد أفراد أسرتي"، "نِمت في الشارع لمدة أسبوع"، "لم أتناول الطعام لمدة 24 ساعة متواصلة" – وهي أحداث لا تخطر على بال مصممي الاختبارات في سويسرا أو أمريكا.
سادساً – الخلاصة ونداء عاجل
أطفال غزة اليوم ليسوا مجرد أرقام في حصيلة شهداء أو مرضى نفسيين. هم مستقبل فلسطين الذي يُسحق في مهده. الاضطرابات النفسية التي يعانون منها – إذا لم تُعالَج بسرعة وبطرق مبتكرة وطويلة الأمد – ستتحول إلى إعاقات مدى الحياة: صعوبات تعلم، عجز عن تكوين علاقات صحية، ميل للعنف أو الانسحاب الكامل، أمراض جسدية مزمنة، وفي أسوأ الحالات (نحو 3–5% حسب التقديرات) التفكير بالانتحار.
النداء الذي يجب أن يخرج من هذه المقالة متعدد المستويات
على المستوى الإنساني العاجل - وقف إطلاق النار فوراً لوقف النزيف البشري والنفسي. لا علاج نفسي فعال في خضم القصف والقنص.
على مستوى الصحة النفسية - توفير "فرق تدخل نفسي سريع" مدربة بشكل مكثف على التعامل مع صدمات الحرب المركبة، مع تزويدهم بأدوات تقييم محلية (وليس غربية معربة فقط). إنشاء عيادات متنقلة في مراكز الإيواء.
على مستوى التعليم - بدء "مدارس مؤقتة" في الخيام، حتى لو كانت ساعتين يومياً، لأن الروتين والبنية والمكان الآمن – وليس فقط المادة العلمية – هي ما يحتاجه الطفل الآن.
على مستوى الأسرة - تقديم دعم نفسي للأمهات والآباء والأجداد، لأن مقدم الرعاية المنهك نفسياً لا يمكنه دعم الطفل. تقديم وجبات غذائية ودعم مادي لتخفيف الضغوط الاقتصادية المسببة للتوتر.
على مستوى المنظمات الدولية (اليونيسف، الصحة العالمية) - تعديل بروتوكولات التقييم النفسي الخاصة بالطوارئ لتشمل مقاييس الثقافة والسياق والصدمات المركبة. الاستثمار في تدريب أخصائيين فلسطينيين ليكونوا مشرفين على هذه البرامج وليس مجرد متلقين لتعليمات غربية.
وأخيراً، إذا كان العالم عاجزاً عن وقف الحرب، فليكن على الأقل قادراً على التخفيف من نزيف الروح. طفل غزة الذي فقد كل شيء (البيت، المدرسة، الأصدقاء، الحلم) لا يزال يحتفظ بشيء واحد لم تستطع الحرب قتله بعد: ذلك الأمل الغامر بأن العدالة آتية لا محالة، حتى لو تأخرت. يحتفظ أيضاً بمرونة غريبة جعلته يصمد أمام حرب إبادة ممنهجة لأكثر من عامين.
المهمة الثقيلة تقع الآن على عاتق المجتمع الدولي للصحة النفسية: ليتوقفوا عن التعامل مع أطفال غزة كحالات مرضية في الكتب المدرسية، وليروهم كما هم – بشر صغار يكافحون من أجل بقاء هويتهم وكرامتهم ووعيهم تحت وابل من الموت اليومي.
قال الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". بعد 7 أكتوبر، يثبت أطفال غزة كل يوم أنهم "ما يستحق الحياة"، رغم كل محاولات طمسها. واجبنا العلمي والإنساني أن نساعدهم على البقاء نفسياً كما يكافحون للبقاء جسدياً.
المصادر
Aldabbour, B., et al. (2024). Psychological impacts of the Gaza war on Palestinian young adults. BMC Psychology, 12, 696.
El-Khodary, B., Iriqat, R., Abo-Shamla, A., et al. (2026). Exposure to war‑related trauma and symptoms of complex posttraumatic stress disorder among children and adolescents in Gaza. European Journal of Psychotraumatology, 17.
El-Khodary, B., & Samara, M. (2020). Traumatic Events and PTSD Among Palestinian Children and Adolescents. Frontiers in Psychiatry, 11, 4.
Kaufman-Shriqui, V., et al. (2013). PTSD among preschoolers exposed to ongoing missile attacks. Depression and Anxiety, 30(5), 425‑431.
Masten, A. S., & Narayan, A. J. (2012). Child development in disaster, war, and terrorism. Annual Review of Psychology, 63, 227‑257.
Perkins, J. D., & Alós, J. (2021). Rapid mental health screening in conflict zones: RCADS‑25 Arabic. Conflict and Health, 15(1).
Plener, P. L., et al. (2025). Prevalence of war‑related PTSD in adolescents. European Journal of Psychotraumatology, 16(1).
Sihombing, N., et al. (2025). Collective Trauma in Gaza Society After the 2023 Military Operation. Medika, 3(4).
Veronese, G., et al. (2024). Palestinian children’s traumatic events checklist. BMC Psychiatry, 24, 254.
وزارة الصحة الفلسطينية – تقرير إحصائي شهري (مايو 2026).
اليونيسف – تقرير حالة الأطفال في غزة (فبراير 2026).
منظمة الصحة العالمية – بيان إقليمي (مايو 2026).
