أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

بين الواجب الاجتماعي والضغوط الاقتصادية: قراءة في واقع الموظف العام من منظور علم النفس الاجتماعي.

د. لؤي زعول
د. لؤي زعول
الكاتب: د. لؤي زعول 
- يناقش المقال الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على عدم انتظام صرف رواتب الموظفين العموميين، وانعكاسها على قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم الاجتماعية خلال موسم الأفراح والمناسبات. 
- يوضح من منظور علم النفس الاجتماعي كيف تؤدي الضغوط الاقتصادية المستمرة إلى مشاعر القلق والإحراج والانسحاب الاجتماعي، رغم رغبة الموظف في الحفاظ على علاقاته الإنسانية. 
- يدعو إلى تعزيز ثقافة التفهم المجتمعي، واحترام الظروف الاقتصادية الاستثنائية، والابتعاد عن سوء الظن أو لوم من يعجز عن المشاركة في المناسبات الاجتماعية. 
- يؤكد أن حماية النسيج الاجتماعي تبدأ بالتراحم والتكافل، وأن دعم الموظفين العموميين نفسياً واجتماعياً يمثل مسؤولية جماعية تسهم في تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني واستقراره. 
تُعد المناسبات الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني، بما تحمله من أفراح وحفلات تخرج وزيارات عائلية وتبادل للتهاني، أحد أهم مظاهر التماسك الاجتماعي، فهي لا تمثل مجرد فعاليات احتفالية، بل تعكس منظومة قيم قائمة على التضامن وصلة الرحم وتعزيز الروابط الإنسانية بين الأفراد. ومع دخول مواسم المناسبات، يتسع نطاق التفاعل الاجتماعي بما يعكس حيوية المجتمع وقوة نسيجه الاجتماعي، غير أن هذه الصورة الإيجابية قد تخفي خلفها معاناة شريحة واسعة من الموظفين العموميين الذين يواجهون ظروفاً اقتصادية استثنائية نتيجة عدم انتظام صرف الرواتب أو تأخرها لفترات طويلة، ما انعكس بصورة مباشرة على حياتهم النفسية والاجتماعية وجعل كثيرين منهم يعيشون صراعاً داخلياً بين الرغبة في أداء واجباتهم الاجتماعية والعجز عن القيام بها. 
من منظور علم النفس الاجتماعي، يتأثر الفرد بدرجة كبيرة بالتوقعات الاجتماعية المحيطة به، إذ يسعى عادة إلى الحفاظ على صورته الاجتماعية وإثبات انتمائه من خلال المشاركة في المناسبات والالتزام بالأعراف السائدة، إلا أن العجز عن تلبية هذه التوقعات بسبب ظروف اقتصادية خارجة عن الإرادة يولد مشاعر القلق والإحراج والضغط النفسي، وقد يدفع بعض الأفراد إلى الانسحاب الاجتماعي تجنباً لمواقف محرجة أو ضاغطة، دون أن يعكس ذلك ضعفاً في العلاقات أو تراجعاً في الرغبة في التواصل. 
وفي ظل هذه الظروف، يجد الموظف العام نفسه أمام أعباء متراكمة، إذ يتوجب عليه تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرته من غذاء ودواء وتعليم ومواصلات وسداد التزامات مالية متراكمة، لتصبح المشاركة في المناسبات الاجتماعية عبئاً إضافياً يفوق قدرته المالية والنفسية، ومع تزامن موسم الأفراح وحفلات التخرج تتضاعف هذه الضغوط نتيجة كثافة الدعوات والالتزامات في فترة زمنية قصيرة، بينما يبقى الدخل غائباً أو غير منتظم، ما يخلق حالة من الصراع النفسي بين الحفاظ على العلاقات الاجتماعية وحماية الأسرة من مزيد من الأعباء، وقد يقود ذلك إلى الشعور بالعجز أو تأنيب الذات أو الانسحاب الاجتماعي رغم أن الأسباب خارجة عن الإرادة. 
وتشير نظريات علم النفس الاجتماعي إلى أن الضغوط الاقتصادية المزمنة تؤثر في تقدير الذات وتضعف الشعور بالأمان والاستقرار وتزيد من مستويات القلق والتوتر والإجهاد النفسي، خصوصاً عندما تترافق مع مسؤوليات أسرية واسعة، وفي الحالة الفلسطينية لا يقتصر أثر ذلك على الفرد وحده، بل يمتد إلى أسر كاملة يتراوح عدد أفرادها في المتوسط بين خمسة إلى سبعة أفراد، ما يعني أن الأزمة تمس شريحة واسعة من المجتمع تعتمد بشكل مباشر على دخل الموظف العام. 
وفي المقابل، فإن بعض مظاهر سوء الفهم الاجتماعي قد تزيد من تعقيد هذه المعاناة، حين يُفسر الاعتذار عن حضور مناسبة أو عدم القدرة على تقديم واجب اجتماعي على أنه تقصير أو ضعف في العلاقات، بينما الحقيقة أن كثيراً من هؤلاء يعيشون ظروفاً اقتصادية قاهرة تحد من قدرتهم على الاستجابة لهذه الالتزامات، وهو ما يضيف عبئاً نفسياً مضاعفاً يتمثل في الشعور باللوم الاجتماعي أو فقدان التقدير. 
إن المجتمع الفلسطيني، الذي عرف تاريخياً بالتكافل والتراحم، مدعو اليوم إلى تعزيز ثقافة أكثر وعياً وإنسانية في التعامل مع هذه الظروف، بحيث لا يقتصر الدعم الاجتماعي على المساندة المادية فقط، بل يشمل أيضاً احترام الظروف الخاصة للأفراد وتقدير اعتذاراتهم والابتعاد عن إصدار الأحكام التي قد تزيد من معاناتهم النفسية، كما أن من المهم إعادة النظر في بعض الممارسات الاجتماعية التي تتسم بالمبالغة والتكلف، وتعزيز ثقافة تقوم على أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يقدمه مادياً، بل بما يحمله من صدق وانتماء ومشاعر إنسانية أصيلة. 
كما أن للمؤسسات الرسمية والأهلية ووسائل الإعلام والمؤثرين الاجتماعيين دوراً محورياً في نشر الوعي بهذه القضية، من خلال تعزيز خطاب اجتماعي متوازن يراعي الواقع الاقتصادي ويخفف من الضغوط النفسية على الموظفين العموميين، ويسهم في ترسيخ قيم التضامن والتكافل في المجتمع. 
وفي النهاية، فإن الموظف العام لا يسعى إلى الانعزال عن مجتمعه ولا يطلب إعفاءه من واجباته الاجتماعية، بل يتطلع إلى تفهم حقيقي لظروفه الاستثنائية، وإلى أن يُنظر إلى اعتذاره بعين التقدير لا اللوم، فالأزمات الاقتصادية لا تختبر قدرة الأفراد على التكيف المالي فحسب، بل تختبر أيضاً نضج المجتمع وقدرته على التراحم والتكافل، وتبقى حماية الصحة النفسية والاجتماعية لهذه الشريحة مسؤولية جماعية، لأن استقرارها ينعكس على استقرار المجتمع بأكمله، وكلما اتسعت مساحة التفهم والتراحم، تعززت قدرة المجتمع على الصمود والحفاظ على نسيجه الاجتماعي وقيمه الأصيلة.

 

تعليقات