أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

حين تصبح الوطنية فعلا لا شعارا

د. شفيق التلولي
د. شفيق التلولي 
الكاتب: د. شفيق التلولي 
ما زلنا نؤثر ضبط إيقاع أقلامنا، لا عجزًا عن القول، بل حرصًا على ألا نضيف إلى مشهد الموت خطابًا يزيده قسوة، أو أن "نرش على الموت سكرًا" في لحظة تختبر فيها فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، أقسى فصول تاريخها المعاصر. ففي خضم هذا المشهد المثقل بالدم والدمار، تتشابك الحسابات، وتتزاحم السرديات، بينما يبقى الإنسان الفلسطيني وحده يدفع الثمن، معلقًا بين رهانات المتصارعين، ينتظر خلاصًا تأخر كثيرًا.
وليس في هذا الموقف حيادٌ بين الحق والخطأ، ولا تخلٍ عن المسؤولية الوطنية، كما أنه ليس اصطفافًا مع طرف على حساب آخر. فالوطن وحده هو معيار الانحياز، والشعب هو البوصلة التي ينبغي ألا تنحرف عنها المواقف. أما الانتماءات الفكرية والسياسية والتنظيمية، فهي مشروعة ما دامت لا تعلو على المصلحة الوطنية، ولا تتحول إلى قيد يكبل إرادة الشعب أو يبرر استمرار مأساته.
لقد آن الأوان أن يغادر الجميع شجرة المكابرة، قبل أن يهوي الشعب من فوق أغصانها. فلا انتصار سياسي يمكن أن يُبنى على أنقاض مجتمع منهك، ولا شرعية تُكتسب من شعب يواجه الموت والجوع والاقتلاع، بينما تتسع هوة الانقسام وتضيق مساحة المسؤولية الوطنية. وحين تُستنفد كل فرص العقل، لن يبقى أمام التاريخ إلا أن يسجل أسماء من قدّموا مصالحهم على معاناة شعبهم، ومن جعلوا القضية أسيرة حساباتهم الضيقة.
ومنذ اللحظة الأولى للانقسام الفلسطيني الذي أفرزه الانقلاب وأنتج هذا الفصل الطويل من الظلام، رفضناه باعتباره انحرافًا عن مسار المشروع الوطني، لأنه مزق وحدة النظام السياسي، وأضعف قدرة الفلسطينيين على مواجهة الاحتلال، وفتح الباب أمام مشاريع استهدفت القضية في جوهرها. واليوم، نرفض بالقدر ذاته كل السياسات والإجراءات التي تُبقي هذا الواقع قائمًا أو تمنحه شرعية جديدة، أياً كان مصدرها أو مبرراتها. فلا يجوز أن يبقى الشعب الفلسطيني رهينة نزاعات داخلية تستنزف طاقاته، بينما يواصل الاحتلال حربه على الأرض والإنسان والهوية.
إن المخرج لا يكون إلا بحوار وطني شامل، مسؤول، مشروط باستيعاب درس الوطنية الذي يؤثر المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ويعيد بناء الثقة، ويوحد المؤسسات، وينهي كل الإجراءات الأحادية التي عمقت الانقسام، ويؤسس لشراكة سياسية حقيقية تستند إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع، وإلى وحدة القرار الوطني بوصفها الضمانة الأساسية لصون المشروع الوطني.
لقد سئمنا المارين على جراحنا، وبخاصة جراح غزة؛ غزة التي لم تكن يومًا هامشًا في الجغرافيا الوطنية، ولا عبئًا على المشروع الفلسطيني، بل كانت دائمًا أحد أعمدته الأساسية، وعمقه الاستراتيجي، وخزانًا لا ينضب للصمود والتضحية. غزة ليست ملفًا سياسيًا يُدار، ولا ورقة تفاوض تُستهلك، بل جزء أصيل من الوطن، لا تكتمل الدولة بدونه، ولا يستقيم المشروع الوطني خارجه. لذلك كانت وستبقى الحقيقة التي لا تقبل المساومة: "لا دولة في غزة، ولا دولة بدون غزة".
غير أن الشعارات لا تصنع واقعًا، ما لم تتحول إلى سياسات وممارسات. وأول الطريق يبدأ بوقف نزيف غزة، وكسر عزلتها، وإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية باعتبارها ضرورة وجودية لا خيارًا سياسيًا. فالوحدة وحدها قادرة على تجريد الاحتلال من ذرائعه، وإفشال مخططاته الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، وشطب الحقوق الوطنية، وتحويل الشعب الفلسطيني إلى مجرد أزمة إنسانية بلا قضية ولا مستقبل.
إن معركتنا الحقيقية ليست بين أبناء الوطن الواحد، بل مع الاحتلال الذي يواصل استهداف الإنسان والأرض والهوية. ومن هنا، فإن إعادة بناء الجبهة الوطنية الموحدة ليست ترفًا سياسيًا، وإنما شرط لا غنى عنه لحماية المشروع الوطني، واستعادة المبادرة، وصياغة سياسة فلسطينية أكثر قدرة على التأثير في الإقليم والعالم. فالأوطان تُبنى بوحدة أبنائها، أما الانقسام فلا يصنع إلا الهزائم، ولا يمنح الاحتلال سوى المزيد من الوقت لتحقيق أهدافه.
وعليه فإن استعادة الوحدة الوطنية تقتضي مراجعة شجاعة من جميع الأطراف، وفي مقدمتها حركة حماس، عبر الانتقال من منطق التنظيم إلى منطق الدولة، ومن أولوية السلطة إلى أولوية الوطن، والتعاطي مع الوطنية الفلسطينية بوصفها الإطار الجامع الذي يسمو على كل الانتماءات الحزبية والفصائلية. فالتجارب أثبتت أن أي مشروع سياسي يضع مصلحة التنظيم فوق المصلحة الوطنية ينتهي إلى تعميق الانقسام وإضعاف القدرة على مواجهة الاحتلال. أما الانحياز للوطن، والقبول بالشراكة السياسية، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية ومؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، فهو الطريق الوحيد لاستعادة الثقة، وصون القضية، وبناء مستقبل يليق بتضحيات الشعب الفلسطيني.

 

تعليقات