![]() |
| شريهان ابودقة |
بقلم: شريهان ابودقة
في غزة، لم تعد الخيمة مجرد قطعة قماش تحتمي من المطر أو الشمس، بل أصبحت مدينةً صغيرة تختصر الوطن كله. فيها ينام الناس، ويبكون، وينتظرون، ويطبخون، ويختلفون، ويصالحون الحياة كل صباح.
وفي زاوية منها، يجلس طفل ممسكًا قلمًا أقصر من عمر الحرب، محاولًا أن يكتب اسمه على ورقة لا تعرف إن كانت ستبقى حتى الغد.
هنا تبدأ الحكاية.
حين فقد الأطفال مدارسهم، لم يفقدوا حاجتهم إلى أن يكونوا أطفالًا. كانوا يحتاجون إلى مكان يرفع عن أكتافهم ثقل الأخبار، وإلى شخص يخبرهم أن المستقبل ما زال موجودًا، ولو كان مؤجلًا. وهكذا تحولت الخيام إلى صفوف، وتحولت الطاولات البلاستيكية إلى مقاعد، وتحولت أصوات المعلمين إلى جدران تحمي ما تبقى من الطفولة.
في غزة، لا يذهب الطفل إلى الصف وهو يفكر بالواجبات فقط، بل يحمل معه أسئلة أكبر من عمره: هل سنعود؟ هل ستبقى خيمتنا؟ هل انتهت الحرب؟ هل ما زال بيتنا موجودًا؟
ولا يملك المعلم دائمًا إجابات، لكنه يملك ما هو أهم: أن يبقى حاضرًا.
أن يقول للطفل: اكتب، ارسم، غنِّ، احلم.
لقد تعلّمنا خلال هذه الحرب أن التعليم ليس كتابًا ومنهجًا فقط، بل مساحة نجاة. وأن الطفل الذي يرسم شجرة داخل خيمة، ربما يحاول أن يستعيد حديقة فقدها. والطفل الذي يلون الشمس، قد يكون يقاوم عتمةً لا يستطيع وصفها.
في كل نشاط فني، وفي كل قصة تُروى، وفي كل لعبة جماعية، تحدث معجزة صغيرة لا تراها الكاميرات: يعود الطفل طفلًا، ولو لدقائق.
وربما لهذا السبب، لا يستطيع العالم أن يفهم لماذا يصرّ أهل غزة على التعليم وسط كل هذا الخراب. لأنهم لا يرون ما نراه نحن: ذلك الطفل الذي يرفع يده ليجيب عن سؤال، وكأنه يرفعها ليقول للحياة: أنا ما زلت هنا.
لقد تغيرت أدوار المعلمين كثيرًا. أصبحوا معلمين ومرشدين ومستمعين وحراسًا للذاكرة. يحملون دفاتر الأطفال كما يحملون خوفهم، ويحاولون أن يصنعوا من أبسط الأدوات مساحةً تتسع للأمل.
في غزة، لا تُقاس الحصص بعدد الصفحات المنجزة، بل بعدد الابتسامات التي عادت، وعدد الأطفال الذين تكلموا بعد صمت، وعدد الأحلام التي نجت من الركام.
قد يظن البعض أن الخيمة مكان مؤقت، لكنها بالنسبة لأطفال كثيرين أصبحت المدرسة الوحيدة التي عرفوها، والنافذة الوحيدة التي ما زالت مفتوحة على المستقبل.
وفي كل مرة يجلس فيها طفل داخل خيمة ليتعلم حرفًا جديدًا، فإن غزة كلها تعلن انتصارًا صغيرًا على الحرب.
لأن الاحتلال يستطيع أن يهدم مدرسة، لكنه لا يستطيع أن يهزم فكرة التعليم.
ويستطيع أن يسرق بيتًا، لكنه لا يستطيع أن ينتزع من طفل حلمه بأن يكبر.
لهذا، فإن الخيمة التي تُعلّم الأطفال اليوم، لا تصنع دروسًا فقط، بل تصنع قدرةً مذهلة على النجاة، وتُبقي الأمل حيًا في المكان الذي حاول الجميع أن يقنعه بأن الحياة قد انتهت.
لكن أطفال غزة، كعادتهم، يكتبون درسًا آخر.
درسًا يقول إن الحياة، مهما ضاقت، تجد دائمًا مكانًا لتجلس فيه، ولو كان داخل خيمة.
في غزة، لم تعد الخيمة مجرد قطعة قماش تحتمي من المطر أو الشمس، بل أصبحت مدينةً صغيرة تختصر الوطن كله. فيها ينام الناس، ويبكون، وينتظرون، ويطبخون، ويختلفون، ويصالحون الحياة كل صباح.
وفي زاوية منها، يجلس طفل ممسكًا قلمًا أقصر من عمر الحرب، محاولًا أن يكتب اسمه على ورقة لا تعرف إن كانت ستبقى حتى الغد.
هنا تبدأ الحكاية.
حين فقد الأطفال مدارسهم، لم يفقدوا حاجتهم إلى أن يكونوا أطفالًا. كانوا يحتاجون إلى مكان يرفع عن أكتافهم ثقل الأخبار، وإلى شخص يخبرهم أن المستقبل ما زال موجودًا، ولو كان مؤجلًا. وهكذا تحولت الخيام إلى صفوف، وتحولت الطاولات البلاستيكية إلى مقاعد، وتحولت أصوات المعلمين إلى جدران تحمي ما تبقى من الطفولة.
في غزة، لا يذهب الطفل إلى الصف وهو يفكر بالواجبات فقط، بل يحمل معه أسئلة أكبر من عمره: هل سنعود؟ هل ستبقى خيمتنا؟ هل انتهت الحرب؟ هل ما زال بيتنا موجودًا؟
ولا يملك المعلم دائمًا إجابات، لكنه يملك ما هو أهم: أن يبقى حاضرًا.
أن يقول للطفل: اكتب، ارسم، غنِّ، احلم.
لقد تعلّمنا خلال هذه الحرب أن التعليم ليس كتابًا ومنهجًا فقط، بل مساحة نجاة. وأن الطفل الذي يرسم شجرة داخل خيمة، ربما يحاول أن يستعيد حديقة فقدها. والطفل الذي يلون الشمس، قد يكون يقاوم عتمةً لا يستطيع وصفها.
في كل نشاط فني، وفي كل قصة تُروى، وفي كل لعبة جماعية، تحدث معجزة صغيرة لا تراها الكاميرات: يعود الطفل طفلًا، ولو لدقائق.
وربما لهذا السبب، لا يستطيع العالم أن يفهم لماذا يصرّ أهل غزة على التعليم وسط كل هذا الخراب. لأنهم لا يرون ما نراه نحن: ذلك الطفل الذي يرفع يده ليجيب عن سؤال، وكأنه يرفعها ليقول للحياة: أنا ما زلت هنا.
لقد تغيرت أدوار المعلمين كثيرًا. أصبحوا معلمين ومرشدين ومستمعين وحراسًا للذاكرة. يحملون دفاتر الأطفال كما يحملون خوفهم، ويحاولون أن يصنعوا من أبسط الأدوات مساحةً تتسع للأمل.
في غزة، لا تُقاس الحصص بعدد الصفحات المنجزة، بل بعدد الابتسامات التي عادت، وعدد الأطفال الذين تكلموا بعد صمت، وعدد الأحلام التي نجت من الركام.
قد يظن البعض أن الخيمة مكان مؤقت، لكنها بالنسبة لأطفال كثيرين أصبحت المدرسة الوحيدة التي عرفوها، والنافذة الوحيدة التي ما زالت مفتوحة على المستقبل.
وفي كل مرة يجلس فيها طفل داخل خيمة ليتعلم حرفًا جديدًا، فإن غزة كلها تعلن انتصارًا صغيرًا على الحرب.
لأن الاحتلال يستطيع أن يهدم مدرسة، لكنه لا يستطيع أن يهزم فكرة التعليم.
ويستطيع أن يسرق بيتًا، لكنه لا يستطيع أن ينتزع من طفل حلمه بأن يكبر.
لهذا، فإن الخيمة التي تُعلّم الأطفال اليوم، لا تصنع دروسًا فقط، بل تصنع قدرةً مذهلة على النجاة، وتُبقي الأمل حيًا في المكان الذي حاول الجميع أن يقنعه بأن الحياة قد انتهت.
لكن أطفال غزة، كعادتهم، يكتبون درسًا آخر.
درسًا يقول إن الحياة، مهما ضاقت، تجد دائمًا مكانًا لتجلس فيه، ولو كان داخل خيمة.
