أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

فلسطين ليست ضحية التاريخ... بل من يعيد تشكيله

د. سناء زكارنة
د. سناء زكارنة
الكاتب:د. سناء زكارنة 
كثير من القراءات السياسية تتحدث اليوم عن شرق أوسط جديد، وعن تغيرات في موازين القوى والتحالفات الإقليمية والدولية. لكن هذه القراءات غالباً ما تنشغل بالنتائج أكثر من الأسباب العميقة التي أطلقت هذا التحول. 
فما يجري لا يقتصر على إعادة توزيع النفوذ بين الدول، بل يعكس أزمة أوسع تطال النظام الدولي نفسه. وقد كانت غزة، بكل ما حملته من مآسٍ وصمود، النقطة التي كشفت هذه الأزمة أمام العالم. 
لقد سقطت خلال الحرب على غزة جملة من المسلمات التي حكمت المنطقة لعقود؛ فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري، لم تستطع فرض واقع سياسي مستقر، والولايات المتحدة بدت عاجزة عن صناعة تسوية أو فرض نهاية للصراع، فيما ظهر النظام الدولي غير قادر على حماية القانون الدولي أو المدنيين أو حتى المبادئ التي طالما رفعها شعاراً. 
لكن الأهم أن غزة لم تكشف حدود القوة العسكرية والسياسية فقط، بل كشفت حدود السردية الأخلاقية التي استند إليها النظام العالمي المعاصر. فقد اتسعت الفجوة بين الخطاب الذي يتحدث عن العدالة وحقوق الإنسان، وبين الممارسة التي اتسمت بالانتقائية والكيل بمكيالين. 
ومن هنا، فإن التحولات الإقليمية الجارية ليست سبباً للأزمة بقدر ما هي نتيجة لها. فصعود قوى إقليمية جديدة ومحاولات إعادة رسم خرائط النفوذ جاءت استجابة لفراغ سياسي واستراتيجي يتسع يوماً بعد يوم. 
وفي قلب هذا المشهد عادت فلسطين إلى مركز الأحداث. فبعد سنوات من محاولات تهميش القضية الفلسطينية أو تجاوزها، أثبتت الأحداث أن فلسطين ما زالت القضية القادرة على التأثير في معادلات الإقليم والعالم. وما اعتُبر ملفاً يمكن إغلاقه عاد ليطرح أسئلة كبرى تتعلق بالاستعمار والحرية والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. 
لهذا لا تبدو غزة مجرد ساحة حرب، بل محطة تاريخية كشفت أزمات متراكمة في النظام الدولي والإقليمي معاً. ومن بين أنقاضها لا يُعاد طرح مستقبل فلسطين فقط، بل يُعاد طرح مستقبل الشرعية الدولية والنظام العالمي بأكمله. 
فلسطين لم تكن يوماً هامشاً في التاريخ، وما يحدث اليوم يؤكد أنها ليست موضوعاً للتاريخ فحسب، بل أحد أبرز صانعيه.

 

تعليقات