أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

المركزية الجديدة لحركة فتح.. صعود قيادات وإعادة رسم موازين التحالفات



رام الله – فلسطين24
دخلت حركة فتح مرحلة تنظيمية جديدة بعد انتهاء أعمال مؤتمرها الثامن، الذي لم يقتصر تأثيره على انتخاب لجنة مركزية جديدة، بل أعاد رسم خريطة النفوذ داخل أكبر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، في ظل تغييرات غير مسبوقة طالت نصف أعضاء اللجنة المركزية، وصعود شخصيات جديدة إلى مواقع القرار، مقابل تراجع نفوذ قيادات شكلت لعقود أحد أعمدة الحركة.
وجاء الاجتماع الأول للجنة المركزية، الذي عقد في مدينة رام الله في الثالث من حزيران/يونيو 2026، ليكرس ملامح المرحلة الجديدة، بعدما أعيد انتخاب الرئيس محمود عباس رئيسًا للحركة، قبل أن يطرح اسم حسين الشيخ نائبًا لرئيس حركة فتح، في خطوة عكست توجهًا واضحًا لإعادة ترتيب هرم القيادة.
تغيير واسع يعيد رسم الخارطة التنظيمية
أفرز المؤتمر الثامن أكبر عملية تجديد في تاريخ اللجنة المركزية، بعدما غادر تسعة أعضاء مواقعهم، مقابل انتخاب تسعة أعضاء جدد، بنسبة تغيير بلغت 50%، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على موازين القوى والتحالفات داخل الحركة.
ولم يكن التغيير مرتبطًا بالأسماء فقط، بل طال طبيعة مراكز التأثير، حيث تراجعت قوة بعض الأقطاب التقليديين، في مقابل بروز قيادات استطاعت بناء تحالفات جديدة داخل اللجنة المركزية والمجلس الثوري، الأمر الذي يؤسس لمرحلة مختلفة في إدارة الحركة.
حسين الشيخ... نحو مركز الثقل السياسي والتنظيمي
برز حسين الشيخ باعتباره المستفيد الأكبر من مخرجات المؤتمر، بعد تعيينه نائبًا لرئيس حركة فتح، إلى جانب موقعه نائبًا لرئيس دولة فلسطين وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ويمنحه هذا الجمع بين المواقع السياسية والتنظيمية حضورًا واسعًا داخل مؤسسات القرار الفلسطيني، بينما يرى مراقبون أن شبكة التحالفات التي نسجها خلال الفترة الماضية داخل اللجنة المركزية والمجلس الثوري جعلته أحد أبرز المرشحين لقيادة الحركة مستقبلًا.
ورغم إقرار تعيينه، شهد الاجتماع الأول للجنة المركزية اعتراضًا من اللواء جبريل الرجوب، الذي طالب بتأجيل حسم المنصب، وسانده في ذلك محمود العالول، ومحمد المدني، ودلال سلامة، إلا أن التوجه العام داخل اللجنة مضى باتجاه تثبيت القرار.
العالول... تراجع مركز النفوذ
في المقابل، حملت نتائج المؤتمر مؤشرات واضحة على تراجع موقع محمود العالول، الذي كان أول من شغل منصب نائب رئيس الحركة في الدورة السابقة.
وجاء هذا التراجع بعد خسارة عدد من أبرز حلفائه التاريخيين، من بينهم عزام الأحمد وسمير الرفاعي، إلى جانب غياب الراحل جمال محيسن، وهو ما انعكس على قدرته في التأثير داخل مراكز القرار مقارنة بالدورات السابقة.
ورغم ذلك، لا تزال مكانة العالول التنظيمية حاضرة، خصوصًا في ظل ما يُعرف عنه من التزام بخيار العمل داخل مؤسسات الحركة.
ماجد فرج... اللاعب الأكثر صعودًا
من بين أبرز الرابحين أيضًا، اللواء ماجد فرج، الذي تصدر نتائج انتخابات اللجنة المركزية، ليؤكد حضوره السياسي والتنظيمي المتنامي.
ولا تقتصر قوة فرج على نتائج الانتخابات، بل تمتد إلى قدرته على بناء تفاهمات مع مختلف التيارات داخل الحركة، سواء مع حسين الشيخ أو مع جبريل الرجوب ومحمود العالول، ما يجعله أحد أبرز المرشحين للعب دور الوسيط في معالجة الخلافات الداخلية خلال المرحلة المقبلة.
الرجوب... حضور تنظيمي وتأثير مستمر
ورغم ابتعاده خلال السنوات الماضية عن الدائرة الأولى لصناعة القرار، فإن اللواء جبريل الرجوب حافظ على ثقله داخل الحركة، وحقق ترتيبًا متقدمًا في الانتخابات.
ويتميز الرجوب بقدرته على الحشد التنظيمي وجرأته في طرح المواقف، إلا أن محدودية تحالفاته داخل اللجنة المركزية قد تحد من قدرته على ترجيح كفة أي معسكر بمفرده، رغم بقائه أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا داخل الأطر التنظيمية.
الطيراوي يفرض نفسه مجددًا
أحد أبرز مشاهد المؤتمر تمثل في العودة القوية لتوفيق الطيراوي، الذي نجح في تجاوز محاولات التهميش، وحقق ترتيبًا متقدمًا في الانتخابات.
وتُوج هذا الحضور بإسناد مفوضية التعبئة والتنظيم إليه، وهي من أهم المفوضيات داخل حركة فتح، في مؤشر على استعادة دوره التنظيمي، خصوصًا بعد التقارب الذي شهدته علاقاته مع حسين الشيخ مقارنة بسنوات سابقة.
أحمد حلس... ثقل غزة في المعادلة
برز أحمد حلس بوصفه أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في نتائج المؤتمر، مستفيدًا من حضوره المستمر داخل قطاع غزة طوال فترة الحرب، باعتباره عضو اللجنة المركزية الوحيد الذي بقي داخل القطاع.
ومنح هذا الواقع حلس قدرة كبيرة على إدارة الكتلة التصويتية القادمة من غزة، بما يتوافق مع تحالفاته، خاصة مع اللواء جبريل الرجوب، في وقت عاقبت فيه أصوات القطاع عددًا من القيادات التي غابت عن غزة خلال الحرب.
استمرار بعض الملفات وتغيير أخرى
احتفظ الدكتور محمد اشتية بقيادة المفوضية المالية، في ظل الثقة بقدراته الإدارية وخبرته التنفيذية، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية التي رافقت فترة رئاسته للحكومة.
أما دلال سلامة، فنجحت في تثبيت حضورها داخل اللجنة المركزية، وانتقلت من مفوضية المنظمات الأهلية إلى مفوضية المنظمات الشعبية، مستفيدة من خبرتها التنظيمية في هذا المجال.
وفي ملف الإعلام، فضّل الرئيس محمود عباس الاحتفاظ بقرار الإشراف المباشر، بعد أن طلب من اللجنة المركزية تخويله حسم هذا الملف، وسط توقعات بإسناده إلى نبيل أبو ردينة، بمشاركة الوزير أحمد عساف.
رسائل الرئيس... نحو قيادة جماعية
وخلال الاجتماع الأول، وجّه الرئيس محمود عباس رسالة لافتة إلى أعضاء اللجنة المركزية، دعاهم فيها إلى الاعتياد على غيابه عن بعض الاجتماعات، وتحمل مسؤولية اتخاذ القرارات بصورة جماعية، في إشارة إلى رغبته في منح اللجنة مساحة أوسع لإدارة شؤون الحركة.
وتأتي هذه الرسالة في وقت تواجه فيه فتح تحديات تنظيمية وسياسية متزايدة، تتطلب تماسكًا داخليًا قبل الاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها انتخابات المجلس الوطني والمجلس التشريعي المرتقبة قبل نهاية العام.
تحديات المرحلة المقبلة
ورغم نجاح المؤتمر في تجديد القيادة، إلا أن حالة الجدل والغضب التي رافقت أعماله، ثم استمرت بعد إعلان نتائجه، تشير إلى أن اللجنة المركزية الجديدة ستكون أمام اختبار حقيقي يتمثل في احتواء الخلافات الداخلية، وإعادة ترميم الثقة التنظيمية، بالتوازي مع الاستعداد للاستحقاقات الوطنية المقبلة.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى ماجد فرج باعتباره أحد أكثر الشخصيات قدرة على تقريب وجهات النظر بين مختلف الأقطاب، في ظل علاقاته المتوازنة مع حسين الشيخ، وجبريل الرجوب، ومحمود العالول.
إعادة إنتاج القيادة... لا انقسام
ورغم التباينات التي ظهرت خلال المؤتمر وما بعده، لا تبدو الحركة مقبلة على انشقاقات تنظيمية، إذ تشير المعطيات إلى استمرار التزام مختلف القيادات بالعمل داخل الأطر الرسمية، وهو ما يجعل الصراع الحالي أقرب إلى إعادة توزيع النفوذ منه إلى صراع على شرعية الحركة.
وفي المحصلة، تبدو اللجنة المركزية الجديدة انعكاسًا لتحول طبيعي تشهده حركة فتح، يجمع بين انتقال الأجيال، وإعادة بناء التحالفات، وصعود قيادات جديدة إلى مركز القرار، في وقت تواجه فيه الحركة واحدة من أكثر المراحل السياسية والتنظيمية تعقيدًا منذ سنوات، ما يجعل نجاح هذه القيادة مرهونًا بقدرتها على تحقيق التوازن بين التجديد والحفاظ على وحدة الحركة.

 

تعليقات