![]() |
| د. سلامة أبو زعيتر |
الكاتب: د. سلامة أبو زعيتر
ساهمت الحرب المستمرة على قطاع غزة في إحداث زلازل تفكيكية لم تقتصر على الجغرافيا والعمران فحسب، بل امتدت لتضرب عمق البنية الثقافية والاجتماعية. وتعد منظومة "الزواج والمصاهرة" من أبرز التجليات الدالة على حجم هذه التحولات؛ فالزواج الذي كان تاريخياً يمثل أداة للدمج والتضامن العائلي عبر طقوس معيارية موحدة (رغم اختلافات الطقوس العائلية البسيطة)، تحول في ظل النزوح والتشريد وقلة الإمكانيات إلى مرآة تكشف عن شرخ اجتماعي واقتصادي حاد، وتطرح تساؤلات سوسيولوجية عميقة حول مصير التماسك المجتمعي في مرحلة ما بعد الحرب..
وسنحاول خلال هذا المقال الإجابة عن التساؤل الرئيس: كيف تُعيد الحرب تشكيل طقوس الزواج وتُهدد التماسك المجتمعي في غزة؟ وللإجابة عن هذا التساؤل، سنتناول النماذج والأنماط والمظاهر الناشئة ومخاطرها على المجتمع، مع توجيه توصية مجتمعية لمعادلة الواقع والحفاظ على توازنه ثقافياً واجتماعياً.
أولاً: النماذج المستحدثة للزواج (بين سياقين)
لقد أفرزت الحرب واقعاً جغرافياً وطبقياً مشوهاً، قَسّم طقوس الارتباط إلى نمطين متناقضين تماماً، يمثل كل منهما استجابة اجتماعية ونفسية مختلفة للصدمة وتداعيات الحرب:
• النمط الأول: "زواج التكيف والصمود" (مخيمات النزوح والإيواء) في هذا السياق، تظهر ممارسات تندرج سوسيولوجياً تحت مفهوم "عقلانية البقاء"؛ حيث يتحول الزواج هنا من مظهر احتفالي إلى "عقد تكافلي" لمواجهة الموت الجماعي وفقدان المأوى. وقد ساهم هذا النمط في إعادة تعريف المهر والملكية؛ إذ تراجعت قيمة المهر إلى حدود رمزية لا تتجاوز 500 دينار، تُدفع غالباً عبر تحويلات بنكية نتيجة غياب السيولة النقدية (الكاش)، مع تنازل بنيوي كامل عن الشروط والطلبات التعجيزية. أما على مستوى المجال المكاني، فيقوم الزواج على انتقال العروسين من خيمة اللجوء إلى خيمة الزوجية مباشرة، أو بالاعتماد على حلول بديلة ومبتكرة تحاكي الواقع كاستئجار صالات أفراح بسيطة صُمّمت خصيصاً من الشوادر والخيام بتكلفة منخفضة لا تتجاوز 500 دولار، في محاولة لإنتاج "الحياة من رحم العدم" وبأقل الإمكانيات المتاحة. إن الدافع السيكو-اجتماعي الأساسي هنا هو النزوع نحو الأمان والستر كآلية دفاعية جماعية.
• النمط الثاني: "التمسك بالرمزية التقليدية الباذخة" (المناطق والمساكن الناجية) على الوجه الآخر، وفي المناطق والجيوب الجغرافية التي لم تُدمّر مساكنها بعد، تبرز ظاهرة الاستمرار في الطقوس المكلفة بأرقام فلكية تراوح بين 20 إلى 50 ألف دولار، وأحياناً أكثر، مصحوبة ببذخ وإسراف كبيرين، وهو ما نطلق عليه "اقتصاد الحرب الجشع". فدفع 10,000 دينار كمهر وتكاليف باهظة للولائم والحفلات لا يعكس بالضرورة ثراءً فاحشاً، بقدر ما يعكس الخضوع لـ"اقتصاد حرب" مشوه، تضاعفت فيه أسعار الخدمات والمستلزمات بشكل غير مسبوق نتيجة الحصار وإغلاق المعابر؛ حيث يواجه المقبلون على هذا النمط أسعار سوق خيالية، مثل اضطرارهم لدفع مبالغ تصل إلى 2500 دولار لمجرد استئجار بدلة العروس، ناهيك عن تكاليف حجز صالات الأفراح المتبقية والناجية من القصف والتي قد تصل أجرتها إلى 5000 دولار. هذا النمط يوصف ويعرف بـ"الإنكار والاستعراض الطبقي"، حيث يسعى أصحابه إلى استدعاء "الحياة الطبيعية" السابقة للحرب كنوع من إنكار الواقع المرير، لكنه مع الإصرار على المبالغة والمباهاة يتحول إلى مظهر من مظاهر الاستعراض الطبقي القسري وسط بيئة محطمة وأشلاء مجتمع يعاني.
ثانياً: تفكيك الطقوس بين التقاليد الموروثة والواقع الشرعي
تاريخياً، كان المجتمع الفلسطيني يمر بخطوات "الزواج المعياري" التي تُحقق التوازن بين الالتزام الشرعي (الجاهة، الخطبة، عقد القران، والوليمة) والوجاهة الاجتماعية الثقافية (ليلة الحناء، والزفة التراثية). اليوم، أحدثت الحرب إزاحة وانقساماً حاداً في هذه المنظومة يمكن تلخيصها في:
• الاختزال الشرعي التكافلي (في المخيمات): بات الاتجاه العام في مخيمات النزوح يركز على "الحد الأدنى الشرعي" (عقد القران، المأذون، الولي، والشهود) مع إشهار محدود جداً يكتفي بالضرب بالدفوف داخل مراكز الإيواء أو الصالات المؤقتة المصنوعة من الشوادر؛ تأدباً مع دماء الشهداء، والتزاماً بالأخلاق والضوابط الإسلامية التي ترفض الإسراف في زمن المسغبة والمجاعة، والتركيز على مقاصد الزواج الأساسية في بناء أسرة قائمة على المودة والرحمة.
• ضمور المظاهر الثقافية الجمعية في بيئة النزوح: تراجعت طقوس "ليلة الحناء" والزفة التراثية والدبكة التي تجسد الهوية الجمعية، أو تحورت لتصبح أهازيج حزينة تخنقها الدموع، مما أفقد العرس وظيفته التاريخية كـ"مهرجان تضامن عائلي ممتد".
• البذخ الاحتفالي الصاخب (في المناطق القائمة): على الصعيد المقابل تماماً في النمط الثاني، نلاحظ تصاعداً متناقضاً لمظاهر الصخب؛ حيث تُستأجر الفرق الموسيقية والمغنون، وتُقام الحفلات الممتدة لأيام في الصالات الفاخرة المتبقية رغم تكلفتها الباهظة، في مشهد ينفصل تماماً عن فقه النوازل وعن الواقع العام المحيط بالقطاع.
ثالثاً: البعد التحذيري (الفجوة الطبقية وتهديد الترابط المجتمعي)
من منظور علم الاجتماع، يكمن الخطر الأكبر في هذا التباين الصارخ ليس في اختلاف الأرقام المالية فحسب، بل في "تآكل الإجماع الاجتماعي" ونشوء فجوة نفسية واجتماعية عميقة تهدد السلم الأهلي ومستقبل الترابط في القطاع عبر ثلاثة أبعاد:
1. الشعور بالاغتراب والنسبية المحبطة: عندما يرى الشاب النازح في الخيمة، العاجز عن تأمين ثمن ربطة خبز أو شادر يحميه من المطر، مظاهر البذخ الصاخب واحتفالات تُدفع فيها آلاف الدولارات لاستئجار قاعة أو فستان على بعد كيلومترات قليلة منه، يتولد لديه شعور حاد بـ"الاغتراب الاجتماعي" والغبن التوزيعي، مما يضعف شعوره بالانتماء للنسيج الواحد ويزرع بذور الحقد الطبقي.
2. بروز الطبقية القسرية وتآكل قيم التكافل: خلقت الحرب استقطاباً حاداً وعنيفاً بين فئة "المعدمين تماماً" وفئة "المالكين للسيولة والقدرة". هذا الاستقرار المشوه يهدد قيم "التكافل والجسد الواحد" التي ميزت المجتمع الغزي تاريخياً في الأزمات، ويعزز الفردية والأنانية على حساب المصلحة الجمعية.
3. أزمة "المصاهرة الهجينة": تنشأ إشكاليات سوسيولوجية معقدة عند محاولة المصاهرة والارتباط بين عائلات نازحة (فقدت أصولها الاقتصادية) وعائلات مقيمة (ما زالت تحتفظ بقدرتها)، حيث تصطدم التوقعات المادية بالواقع الاقتصادي المتردي، مما يؤدي إما إلى عزوف الشباب عن الزواج أو زيادة حادة في نسب الطلاق الفوري والمبكر نتيجة الضغوط النفسية والاجتماعية المركبة.
الخلاصة والتوصيات
في غزة اليوم، لم يعد "الفرح" مجرد مناسبة عابرة أو طقس اجتماعي معتاد، بل تحول إلى "مؤشر طبقي وسوسيولوجي" يعكس عمق المأساة والشرخ الداخلي. فبينما يكتفي البعض بـ "صالة من الشوادر" تؤمن لهم وثيقة صمود وإعلان استمرار للحياة بأقل التكاليف، يدفع آخرون ثروات طائلة في استئجار متطلبات شكلية باذخة آخذة في الزوال وسط محيط ينزف.
إن هذا التباين الصارخ، إذا ما استمر دون وعي جمعي ومبادرات أهلية ومجتمعية حازمة لتحديد سقوف المهور وتوحيد مظاهر الفرح وتخفيضها، يهدد بترك ندوب غائرة في روح المجتمع الغزي بعد الحرب؛ ندوب قد تحتاج عقوداً لترميمها تفوق تلك التي يحتاجها حجر البناء والإعمار. إن المجتمع الغزي اليوم مطالب بـ"تأمين وتأميم الفرح" وجعله رافعة للتضامن والتعاضد، لا معولاً للإجهاز على ما تبقى من وحدة النسيج الاجتماعي وتماسكه.
ساهمت الحرب المستمرة على قطاع غزة في إحداث زلازل تفكيكية لم تقتصر على الجغرافيا والعمران فحسب، بل امتدت لتضرب عمق البنية الثقافية والاجتماعية. وتعد منظومة "الزواج والمصاهرة" من أبرز التجليات الدالة على حجم هذه التحولات؛ فالزواج الذي كان تاريخياً يمثل أداة للدمج والتضامن العائلي عبر طقوس معيارية موحدة (رغم اختلافات الطقوس العائلية البسيطة)، تحول في ظل النزوح والتشريد وقلة الإمكانيات إلى مرآة تكشف عن شرخ اجتماعي واقتصادي حاد، وتطرح تساؤلات سوسيولوجية عميقة حول مصير التماسك المجتمعي في مرحلة ما بعد الحرب..
وسنحاول خلال هذا المقال الإجابة عن التساؤل الرئيس: كيف تُعيد الحرب تشكيل طقوس الزواج وتُهدد التماسك المجتمعي في غزة؟ وللإجابة عن هذا التساؤل، سنتناول النماذج والأنماط والمظاهر الناشئة ومخاطرها على المجتمع، مع توجيه توصية مجتمعية لمعادلة الواقع والحفاظ على توازنه ثقافياً واجتماعياً.
أولاً: النماذج المستحدثة للزواج (بين سياقين)
لقد أفرزت الحرب واقعاً جغرافياً وطبقياً مشوهاً، قَسّم طقوس الارتباط إلى نمطين متناقضين تماماً، يمثل كل منهما استجابة اجتماعية ونفسية مختلفة للصدمة وتداعيات الحرب:
• النمط الأول: "زواج التكيف والصمود" (مخيمات النزوح والإيواء) في هذا السياق، تظهر ممارسات تندرج سوسيولوجياً تحت مفهوم "عقلانية البقاء"؛ حيث يتحول الزواج هنا من مظهر احتفالي إلى "عقد تكافلي" لمواجهة الموت الجماعي وفقدان المأوى. وقد ساهم هذا النمط في إعادة تعريف المهر والملكية؛ إذ تراجعت قيمة المهر إلى حدود رمزية لا تتجاوز 500 دينار، تُدفع غالباً عبر تحويلات بنكية نتيجة غياب السيولة النقدية (الكاش)، مع تنازل بنيوي كامل عن الشروط والطلبات التعجيزية. أما على مستوى المجال المكاني، فيقوم الزواج على انتقال العروسين من خيمة اللجوء إلى خيمة الزوجية مباشرة، أو بالاعتماد على حلول بديلة ومبتكرة تحاكي الواقع كاستئجار صالات أفراح بسيطة صُمّمت خصيصاً من الشوادر والخيام بتكلفة منخفضة لا تتجاوز 500 دولار، في محاولة لإنتاج "الحياة من رحم العدم" وبأقل الإمكانيات المتاحة. إن الدافع السيكو-اجتماعي الأساسي هنا هو النزوع نحو الأمان والستر كآلية دفاعية جماعية.
• النمط الثاني: "التمسك بالرمزية التقليدية الباذخة" (المناطق والمساكن الناجية) على الوجه الآخر، وفي المناطق والجيوب الجغرافية التي لم تُدمّر مساكنها بعد، تبرز ظاهرة الاستمرار في الطقوس المكلفة بأرقام فلكية تراوح بين 20 إلى 50 ألف دولار، وأحياناً أكثر، مصحوبة ببذخ وإسراف كبيرين، وهو ما نطلق عليه "اقتصاد الحرب الجشع". فدفع 10,000 دينار كمهر وتكاليف باهظة للولائم والحفلات لا يعكس بالضرورة ثراءً فاحشاً، بقدر ما يعكس الخضوع لـ"اقتصاد حرب" مشوه، تضاعفت فيه أسعار الخدمات والمستلزمات بشكل غير مسبوق نتيجة الحصار وإغلاق المعابر؛ حيث يواجه المقبلون على هذا النمط أسعار سوق خيالية، مثل اضطرارهم لدفع مبالغ تصل إلى 2500 دولار لمجرد استئجار بدلة العروس، ناهيك عن تكاليف حجز صالات الأفراح المتبقية والناجية من القصف والتي قد تصل أجرتها إلى 5000 دولار. هذا النمط يوصف ويعرف بـ"الإنكار والاستعراض الطبقي"، حيث يسعى أصحابه إلى استدعاء "الحياة الطبيعية" السابقة للحرب كنوع من إنكار الواقع المرير، لكنه مع الإصرار على المبالغة والمباهاة يتحول إلى مظهر من مظاهر الاستعراض الطبقي القسري وسط بيئة محطمة وأشلاء مجتمع يعاني.
ثانياً: تفكيك الطقوس بين التقاليد الموروثة والواقع الشرعي
تاريخياً، كان المجتمع الفلسطيني يمر بخطوات "الزواج المعياري" التي تُحقق التوازن بين الالتزام الشرعي (الجاهة، الخطبة، عقد القران، والوليمة) والوجاهة الاجتماعية الثقافية (ليلة الحناء، والزفة التراثية). اليوم، أحدثت الحرب إزاحة وانقساماً حاداً في هذه المنظومة يمكن تلخيصها في:
• الاختزال الشرعي التكافلي (في المخيمات): بات الاتجاه العام في مخيمات النزوح يركز على "الحد الأدنى الشرعي" (عقد القران، المأذون، الولي، والشهود) مع إشهار محدود جداً يكتفي بالضرب بالدفوف داخل مراكز الإيواء أو الصالات المؤقتة المصنوعة من الشوادر؛ تأدباً مع دماء الشهداء، والتزاماً بالأخلاق والضوابط الإسلامية التي ترفض الإسراف في زمن المسغبة والمجاعة، والتركيز على مقاصد الزواج الأساسية في بناء أسرة قائمة على المودة والرحمة.
• ضمور المظاهر الثقافية الجمعية في بيئة النزوح: تراجعت طقوس "ليلة الحناء" والزفة التراثية والدبكة التي تجسد الهوية الجمعية، أو تحورت لتصبح أهازيج حزينة تخنقها الدموع، مما أفقد العرس وظيفته التاريخية كـ"مهرجان تضامن عائلي ممتد".
• البذخ الاحتفالي الصاخب (في المناطق القائمة): على الصعيد المقابل تماماً في النمط الثاني، نلاحظ تصاعداً متناقضاً لمظاهر الصخب؛ حيث تُستأجر الفرق الموسيقية والمغنون، وتُقام الحفلات الممتدة لأيام في الصالات الفاخرة المتبقية رغم تكلفتها الباهظة، في مشهد ينفصل تماماً عن فقه النوازل وعن الواقع العام المحيط بالقطاع.
ثالثاً: البعد التحذيري (الفجوة الطبقية وتهديد الترابط المجتمعي)
من منظور علم الاجتماع، يكمن الخطر الأكبر في هذا التباين الصارخ ليس في اختلاف الأرقام المالية فحسب، بل في "تآكل الإجماع الاجتماعي" ونشوء فجوة نفسية واجتماعية عميقة تهدد السلم الأهلي ومستقبل الترابط في القطاع عبر ثلاثة أبعاد:
1. الشعور بالاغتراب والنسبية المحبطة: عندما يرى الشاب النازح في الخيمة، العاجز عن تأمين ثمن ربطة خبز أو شادر يحميه من المطر، مظاهر البذخ الصاخب واحتفالات تُدفع فيها آلاف الدولارات لاستئجار قاعة أو فستان على بعد كيلومترات قليلة منه، يتولد لديه شعور حاد بـ"الاغتراب الاجتماعي" والغبن التوزيعي، مما يضعف شعوره بالانتماء للنسيج الواحد ويزرع بذور الحقد الطبقي.
2. بروز الطبقية القسرية وتآكل قيم التكافل: خلقت الحرب استقطاباً حاداً وعنيفاً بين فئة "المعدمين تماماً" وفئة "المالكين للسيولة والقدرة". هذا الاستقرار المشوه يهدد قيم "التكافل والجسد الواحد" التي ميزت المجتمع الغزي تاريخياً في الأزمات، ويعزز الفردية والأنانية على حساب المصلحة الجمعية.
3. أزمة "المصاهرة الهجينة": تنشأ إشكاليات سوسيولوجية معقدة عند محاولة المصاهرة والارتباط بين عائلات نازحة (فقدت أصولها الاقتصادية) وعائلات مقيمة (ما زالت تحتفظ بقدرتها)، حيث تصطدم التوقعات المادية بالواقع الاقتصادي المتردي، مما يؤدي إما إلى عزوف الشباب عن الزواج أو زيادة حادة في نسب الطلاق الفوري والمبكر نتيجة الضغوط النفسية والاجتماعية المركبة.
الخلاصة والتوصيات
في غزة اليوم، لم يعد "الفرح" مجرد مناسبة عابرة أو طقس اجتماعي معتاد، بل تحول إلى "مؤشر طبقي وسوسيولوجي" يعكس عمق المأساة والشرخ الداخلي. فبينما يكتفي البعض بـ "صالة من الشوادر" تؤمن لهم وثيقة صمود وإعلان استمرار للحياة بأقل التكاليف، يدفع آخرون ثروات طائلة في استئجار متطلبات شكلية باذخة آخذة في الزوال وسط محيط ينزف.
إن هذا التباين الصارخ، إذا ما استمر دون وعي جمعي ومبادرات أهلية ومجتمعية حازمة لتحديد سقوف المهور وتوحيد مظاهر الفرح وتخفيضها، يهدد بترك ندوب غائرة في روح المجتمع الغزي بعد الحرب؛ ندوب قد تحتاج عقوداً لترميمها تفوق تلك التي يحتاجها حجر البناء والإعمار. إن المجتمع الغزي اليوم مطالب بـ"تأمين وتأميم الفرح" وجعله رافعة للتضامن والتعاضد، لا معولاً للإجهاز على ما تبقى من وحدة النسيج الاجتماعي وتماسكه.
