أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

فلسطين والقضية الوطنية... بين الحق والمراجعة

فاتن شلباية
فاتن شلباية
بقلم: د.فاتن شلباية

في ظل ما يعيشه الشعب الفلسطيني من حرب مدمرة وواقع إنساني غير مسبوق، بات من الضروري فتح باب الحوار الوطني الصادق، بعيدًا عن لغة التخوين والمزايدات. فهناك أسئلة مشروعة يطرحها اليوم عدد كبير من الفلسطينيين، تنبع من الحرص على الإنسان الفلسطيني ومستقبل قضيته، وليس من الرغبة في تصفية الحسابات أو التشكيك بالحقوق الوطنية.
إن رفع الشعارات وحده لا يكفي إذا كانت النتيجة على الأرض هي مئات الآلاف من الضحايا، ودمار غزة، وتشريد أهلها، في الوقت الذي يستغل فيه الاحتلال الإسرائيلي هذه الكارثة لتوسيع عدوانه، وتعزيز سياساته الاستيطانية، وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ومن هذا المنطلق، فإن أي قيادة وطنية، مهما كانت مكانتها أو تاريخها، يجب أن تكون خاضعة للمساءلة والنقد عندما تقود قراراتها إلى نتائج إنسانية وسياسية بهذا الحجم. فالوطن ليس ملكًا لفصيل، والقضية الفلسطينية أكبر من أي تنظيم أو أيديولوجيا، وهي مسؤولية جماعية تجاه شعب يستحق الحياة والكرامة.
كما أن حركة حماس، مهما كان حجم حضورها أو تأثيرها، لا تمثل جميع الفلسطينيين، ولا تحتكر القرار الوطني الفلسطيني، ولا يحق لها أن تنفرد بتقرير مصير شعب كامل أو ترسم مستقبله بمعزل عن إرادته ومؤسساته الوطنية. ويبقى التمثيل الوطني الجامع، وفق ما أقرته المؤسسات الفلسطينية وما حظي به من اعتراف عربي ودولي، متمثلًا في منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، مع الحاجة المستمرة إلى تطوير مؤسساتها وتعزيز دورها بما يحقق الشراكة الوطنية ويعكس إرادة جميع الفلسطينيين. فالشعب الفلسطيني، بكل أطيافه ومكوناته، هو صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره، ولا يجوز اختزال حقوقه الوطنية أو تمثيله في أي فصيل أو تنظيم، مهما بلغت شعبيته أو نفوذه.
وتبرز في هذا السياق مخاوف حقيقية من الدعوات إلى نقل المواجهة العسكرية إلى الضفة الغربية. فهل تمتلك الضفة الغربية الظروف والإمكانات التي تؤهلها لخوض حرب شاملة تختلف عن التجربة التي عاشتها غزة؟ وهل تغيرت موازين القوى بما يجعل النتائج مختلفة؟ أم أننا نسير نحو تكرار مأساة جديدة سيدفع ثمنها المدنيون مرة أخرى؟ إنها أسئلة تستحق إجابات مسؤولة، لأن حياة الناس لا يجوز أن تتحول إلى رهان سياسي أو عسكري.
ومن زاوية أخرى، فإن الفكر السياسي الذي تستند إليه حركة حماس، والمنطلق من أيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين، يحتاج إلى مراجعة نقدية جادة كلما بدا أن مصلحة التنظيم أو المشروع الأيديولوجي تتقدم على مصلحة الإنسان الفلسطيني ووحدته الوطنية. فالعمل الوطني الحقيقي ينبغي أن ينطلق من حماية الإنسان، والحفاظ على الأرض، وصون وحدة المجتمع الفلسطيني، بعيدًا عن الحسابات الحزبية أو الرهانات التي أثبت الواقع أنها باهظة الكلفة.
ومن الآثار التي لا يمكن تجاهلها أيضًا ما شهدناه خلال السنوات الأخيرة من اتساع حالة الانقسام، ليس فقط داخل المجتمع الفلسطيني، بل أيضًا في طبيعة العلاقة مع عدد من الدول العربية. فقد ساهم الخطاب السياسي والإعلامي، في كثير من الأحيان، في تعميق الشكوك وإثارة التوتر بين الشعب الفلسطيني ومحيطه العربي، الأمر الذي أضعف شبكة الدعم التاريخية للقضية الفلسطينية. كما أدى تغليب الخطاب الحزبي والأيديولوجي على الخطاب الوطني الجامع، في نظر كثيرين، إلى تحييد البوصلة عن المشروع الوطني الفلسطيني القائم على وحدة الشعب، وتحرير الأرض، وبناء مؤسسات وطنية جامعة، لتتحول الأولويات أحيانًا إلى صراعات سياسية وإقليمية لا تخدم القضية بقدر ما تستنزفها وتُعمّق عزلتها. إن القضية الفلسطينية كانت وستبقى قضية عربية وإنسانية عادلة، والحفاظ على عمقها العربي، وتعزيز العلاقة مع الدول العربية، وصون وحدة الصف الفلسطيني، يمثل ركائز أساسية لأي مشروع وطني يسعى إلى التحرر والاستقلال.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال الحقيقة الأساسية، وهي أن الاحتلال الإسرائيلي يبقى المسؤول الأول عن الاحتلال، والاستيطان، والعدوان، والانتهاكات اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون. غير أن هذه الحقيقة لا تعفي أي قيادة فلسطينية من مسؤوليتها الأخلاقية والوطنية في مراجعة قراراتها، ومحاسبة نفسها عندما تؤدي تلك القرارات إلى نتائج كارثية على شعبها.
إن النقد ليس خيانة، بل هو أحد أشكال المسؤولية الوطنية. والاختلاف في الرأي لا ينتقص من الانتماء لفلسطين، بل يعكس الحرص على حماية الإنسان الفلسطيني، والدفاع عن حقوقه، والسعي إلى مستقبل أكثر عدلًا وأقل كلفة على الأجيال القادمة.
وأخيرًا، فإن ما أكتبه لا يصدر عن موقف ضد أحد بعينه، بل عن خوف عميق على شعبنا وقضيتنا. وأؤمن بأن من حقنا، بل من واجبنا، أن نراجع التجارب، وأن نناقش القرارات التي مست حاضرنا ومستقبلنا، بروح المسؤولية والاحترام. فالحوار الوطني الصادق هو السبيل إلى تصحيح المسار، وفلسطين أكبر من أي فصيل أو مشروع أيديولوجي، وستبقى قضيتها قضية شعب ينشد الحرية والكرامة، تحت مظلة مشروع وطني جامع، تقوده مؤسساته الشرعية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الإطار الوطني الذي يجسد وحدة الشعب الفلسطيني وتطلعاته نحو الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة.

 

تعليقات