أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

أمومةٌ مع وقف التنفيذ: كسبنَ قضايا الحضانة في المحاكم.. فكيف خسرنَ صغارهنّ في الخيام؟

 غزة آية راجي

أصابعها المرتعشة كانت تتشبث بملف ورقي كُتبت عليه عباراتٌ قضائيةٌ جافة، بينما يرتفع صوتُها مخنوقاً ببكاء مكتوم: "لقد رأيته في المحكمة اليوم.. لكنه أقسم ألا أرى أطفالي!".

في تلك الزاوية، لم تكن "هبة" (30 عاماً) مجرد امرأة تجري اتصالاً هاتفياً عاديًا بل كانت جسداً يختزلُ كلَّ صورِ الشتات. عينان متورمتان أجهدهما السهر والرعب، ووجهٌ شاحبٌ كُشطت منه النضارةُ تحت شمس النزوح.

على بعد أمتارٍ قليلة خارج هذا المكان، تنتظرها حياتُها الحقيقية: خيمةٌ عشوائية في أرض "الكتيبة" بمدينة غزة، هربت إليها بعدما مسحت الطائراتُ منزلها في "بيت حانون" بالكامل. خيمةٌ ضيقة تكتظّ بها، وبوالدها المسنّ، وأمّها، وأبناء أخيها الذي ارتقى شهيداً، وأبناء أخيها الآخر المصاب الذي ينتظرُ فرصةً مستحيلة للعلاج في الخارج.

وسط هذا الركام العائلي المفتوت، تخوض الخريجة الجامعية (تخصص تربية لغة عربية) حرباً أشدّ ضراوة من الحرب التي تدور فوق رأسها: حرب الحصول على أطفالها الأربعة.

"القانون أوراقٌ ميتة"

لم تكن هبة تتخيل وهي تُصرّ على نيل طلاقها في ذروة الحرب - بعد سنواتٍ من التعنيف والخيانات وتخلي الزوج عن إطعام صغاره - أن حريتها ستسلبُ منها أمومتها.

"قبل الحرب، كان يعاملني بطريقة مقبولة، لكن هول القصف أيقظ فيه توحشاً غريباً. كان يعنفني أمام أطفالي ويتركهم جياعاً. ظننتُ أن القانون سيحميني إذا تطلقت، لكنني اكتشفتُ أنني دخلتُ نفقاً بلا مخرج"؛ تقول هبة وهي تقلبُ الأوراق الرسمية التي تحملُ أحكاماً لم تُنفذ.

ثم تفتحُ حقيبتها لتخرج أوراقاً أخرى ختمها القاضي مؤخراً. فالمحاكم الشرعية في غزة عادت للعمل جزئياً وبشكل استثنائي لتسيير المعاملات، لكن هذه العودة ظلت جثةً بلا روح.

تستدرك بنبرة يكسوها الذهول: "ما فائدة أن يعطيني القاضي حق المشاهدة أو الحضانة، بينما لا توجد شرطةٌ تنفذ القرار؟ الشرطة القضائية معطلة، مقراتها قُصفت، والدوريات لا تستطيع الحركة. طليقي يعلم ذلك جيداً، ويستغل هذا الفراغ ليحرمني من أطفالي الأربعة. الطلاق اليوم في غزة يعني حرمان الأم من أطفالها فوراً لأن المجتمع والرجال يدركون أنه لا يوجد حسيبٌ ولا رقيب".

بلاغ غائب وعناوين تُمحى بفعل النزوح المستمر

تُعزز نجلاء أبو مرسة، مشرفة الملتقى الأسري في مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة، هذه المأساة؛ مبينةً أن استعادة المحاكم لنشاطها الجزئي كشف عن فجوة أمنية قاتلة. فالغياب التام للشرطة القضائية وتدمير البنية التنفيذية حَرَم مئات الأمهات من رؤية أطفالهن لمدد وصلت إلى ثلاثة أعوام. وتتضاعف العقدة مع النزوح المستمر وتغير العناوين داخل المخيمات، حيث يستغل الآباء غياب العناوين الثابتة للتهرب من التبليغات القضائية.

أحكامٌ قضائية تذروها الرياح

على مسافةٍ ليست بعيدة، وفي خيمةٍ قماشيةٍ تهزها الرياح على أرضٍ ترابيةٍ بدير البلح، تكررت المأساة بملامحَ أكثر قسوة.

تجلس "سمية" (32 عاماً - اسم مستعار اختارته خوفاً من عواقب اجتماعية) تحتضنُ ملفاً قضائياً تآكلت أطرافه وأصبح لونُ أوراقه أصفرَ بفعل الرطوبة ورماد النزوح. نزحت سمية أولاً من أقصى الشمال في "بيت لاهيا" تحت القصف، وجرّت شتاتها إلى مراكز الإيواء المكتظة في رفح، قبل أن تحط بها الحرب في دير البلح مع عائلتها الكبيرة ووالدها الفاقد للقدرة على الحركة.

"عندما هربنا من بيت لاهيا تحت القصف، لم أحمل معي ملابسي ولا ذهبي.. كل ما أخذته هو هذا الملف. ظننتُ أنه درعي. انظري إليه الآن! مجرد حبرٍ على ورق"؛ تقول واضعةً كفيها اللتين ظهرت عليهما آثار الشقاء فوق الملف المهترئ.

 

طُلقت سمية قبل الحرب بعام، وقسّمت العدالة المعطلة أطفالها الأربعة فبينما يُحرم طفلاها الأكبر سنّاً (11 و10 سنوات) من العيش معها أو حتى رؤيتها، كانت تحتضن قبل الحرب طفلين آخرين: ولداً في السادسة من عمره، وابنة تبلغ الثامنة.

تسحبُ سمية من جيب ثوبها المنسلّ هاتفاً ذكياً قديمًا، شاشته متهشمة يكسوها التصدع، وتحاول تمرير إبهامها بلطف فوق الزجاج المكسور لتقليب صور قديمة تجمعها بطفليها الأكبرين. تقف عند صورةٍ لهما في العيد، تتأمل ملامحهما بنظرة تلتهم اللحظة، وتطبع قبلةً دافئة على زجاج الشاشة البارد.

مستحضرةً بأسى مرارة شتاء الحرب الأول وأيام شهر رمضان التي أطاحت بآخر أملٍ لها، تتنهد سمية قائلة: "كنتُ أبكي ليلاً خوفاً من أن أموت بالقصف قبل أن ألمح وجهيهما. توسلتُ لوالدي ليكلم طليقي، فجاءني الرد قاطعاً: (الأولاد لأبيهم.. احمدي الله أنه ترك معكِ اثنين، ولا تطالبي بالآخرين كي لا يأخذ الأربعة). حتى أعمامي رفضوا التدخل عبر لجان العشائر. العرف العشائري والمجتمع الذكوري يتواطآن اليوم مع الحرب؛ يخبروننا أن حنان الأم رفاهية لا وقت لها في زمن الموت".

 

ووسط ذلك الشتات، كابدت سمية أكثر من 10 أشهر كاملة من القلق المستعر وانقطاع الأخبار التام، قبل أن تتمكن بمساعدة أحد الأقارب من تحديد مكان نزوح طفليها الأكبرين مع طليقها؛ غير أن تلك المعرفة لم تمنحها اللقاء سوى مرتين فقط وبالصدفة ودون علم طليقها.

تُغلق سمية شاشة هاتفها المكسور وتضعه جانبًا، مسترجعة بأسى كيف كان القانون يلجم هذا التعنت؛ إذ كانت قبل الحرب تشتكي للشرطة وتسترجع حقها فوراً في حال تأخر طليقها عن إحضار الأطفال للزيارة الأسبوعية، مستدركةً الواقع الجديد: "لكن الأب استغل اليوم غياب عمل المراكز الشرطية التي قُصفت أو نزح العاملون فيها كونها مهددة طوال الوقت. أعيش اليوم وحيدة ودون سند اجتماعي، فقد فقدتُ أخي الأكبر خلال الحرب، ووالدي رجل مسن لا يقدر على شيء".

تنهمر دموع سمية وهي تصف لحظات القصف القريب من مكان نزوح صغارها: "طليقي ينزح بالأطفال في منطقة (الزوايدة). كلما سمعتُ صوت انفجار هناك، يتوقف قلبي تماماً، وأخرج هائمة على وجهي، وأركض في الشارع كالمجنونة. هذا الخوف الدائم تسبب لي بنقص حاد في المناعة، وأصبحت أتنقل من مرض إلى مرض في  وقتٍ نعجز فيه عن توفير حبة مسكن واحدة".

 

قطة عبد السلام.. حنانٌ بديل عن أمٍّ مُبعدة

إذا كانت الأمهات يدفعن ثمن هذا الفراغ التنفيذي من أجسادهن ونفسياتهن، فإن الشظية الأشدّ إيلاماً تصيب الصغار الذين تحولوا إلى أوراق ضغط و "تصفية حسابات".

ففي أزقة أحد مخيمات غزة، يركض الطفل "عبد السلام" (6 سنوات) بخطواتٍ مذعورة، باحثاً بنظراته الزائغة بين الخيام عن قطةٍ صغيرة. لم يكن ركضه للعب، بل للتمسك بآخر ما تبقى له من أمه التي حُرِم منها منذ أكثر من عام إثر الطلاق.

تروي ملاك، وهي ابنة عم والد الطفل، كيف يتجلى هذا الحرمان في تفاصيل حياة عبد السلام اليومية، وتقول بمرارة يغلفها العجز: "بقطته الصغيرة، يحاول عبد السلام أن يغزل خيوطاً لحنان أمه المفقود. في كثير من الأيام، يوقظنا صراخه في الثالثة فجراً، لا لشيء، إلا لنبحث له عنها. فهو لا يستطيع النوم ليلة واحدة بدونها؛ إنها ببساطة ليست مجرد قطة، إنها الهدية الوحيدة والأخيرة التي بقيت له من أمه".

تتقاسم ملاك مع عائلتها ألم الطفل، وتحاول بشتى الطرق تقديم الرعاية له، لكنها تدرك حدود قدرتها، وتضيف بحسرة: "أنا، وعائلتي كلها، نحاول جاهدة رعايته، لكن لا شيء في هذا العالم، مهما عظم، يمكن أن يعوض مكان الأم.. إنه فراغ لا يملأه أحد". وتشير إلى أن عائلتها تدخلت مراراً وضغطت على والد الطفل ليسمح له بالعيش مع والدته، أو حتى بتمكينها من رؤيته، إلا أنه رفض بشكل قاطع، متذرعاً بعبارة باردة، تخفي خلفها كبرياءً جريحاً وسلطة مطلقة: "هي من اختارت الطلاق.. وعليها أن تتحمل العواقب".

"هل اختيار الأم للطلاق رفاهية؟ أم أنها ذاقت الويلات معه حتى فرّت بكرامتها؟ أنا هنا لا أنحاز لابن عمي مطلقاً، بل أراه مخطئاً وظالماً، لكننا للأسف نعيش في مجتمع تحكمه السطوة الذكورية التي تمنح الرجل الحق في التوحش بمجرد غياب سلطة القانون" تتساءل ملاك بصوت يغلبه العجز وباستهجان يضرب في عمق المفاهيم المجتمعية السائدة.

العدالة المؤجلة

أمام هذا الانسداد الإجرائي، تصبحُ مبادرات الدعم الإجتماعي والوساطة الودية منفذاً أخيراً تسعى عبره المؤسسات الأهلية لتفكيك النزاعات بعيداً عن أروقة المحاكم المعطلة. غير أن هذه الجهود تصطدمُ بصخرة الواقع؛ إذ تؤكد نجلاء أبو مرسة، مشرفة الملتقى الأسري، أن نجاح "الوساطة الودية" يظل مرهوناً بالتجاوب الاختياري للطرفين.

تُرتّب "هبة" أوراقها ببطء كمن يجمع بقايا حلمٍ مكسور، ثم تُعيدها إلى حقيبتها لتستعد للعودة إلى خيمتها في أرض "الكتيبة"، ثم تقول كلمتها الأخيرة التي تختصر مأساة مئات المطلقات في القطاع: "أشعر أننا أصبحنا غير مرئيات. أوراقنا القضائية أصبحت مجرد حبرٍ باهت على ورقٍ مهترئ.. وأطفالنا يكبرون بعيداً عنا، منتظرين عدالةً يبدو أنها لن تأتي".

 

 

تعليقات