![]() |
| طاهر تيسير المصري |
الكاتب: طاهر تيسير المصري
جاءت فكرة هذا المقال بعد مشاهدة مقابلة مع شخصيتين قياديتين من الصف الأول في قوى سياسية يُفترض، بحكم خطابها وهويتها التنظيمية، أنها ديمقراطية وتتبنى قيم التعددية والتجديد وتداول السلطة والمسؤولية. وقد تمحورت المقابلة حول الانتخابات التشريعية وما يمكن أن تمثله من مدخل لتجديد النظام السياسي واستعادة الثقة بمؤسساته. وفي حال جرت هذه الانتخابات بالفعل، فإنها ستكون بلا شك استحقاقا سياسيا مهما بعد سنوات طويلة من غيابها، وقد تفتح نافذة لإعادة الاعتبار للحياة السياسية والمؤسسات التمثيلية. لكن إجراء الانتخابات، على أهميته، لا يعني بالضرورة أن أزمة النظام السياسي قد وجدت طريقها إلى الحل، ولا أن النخب والأحزاب أصبحت أكثر استعدادا للتجديد وتداول المواقع والقبول بقواعد الممارسة الديمقراطية.
وليس الهدف من هذا المقال التقليل من شأن ما قيل في المقابلة عن أهمية الانتخابات، وإشراك الشباب والنساء، وإنهاء الانقسام واستعادة الثقة بالمؤسسات، فهذه قضايا حقيقية وملحة. المقصود هو تمحيص هذا الخطاب وقياس المسافة بينه وبين الممارسة، وذلك بالاستعانة ببعض أدوات علم الاجتماع السياسي، وخصوصا في فهم العلاقة بين النخب والمؤسسات، وبين تداول السلطة وإعادة إنتاجها، وبين ما تعلنه الأحزاب من قيم وما تمارسه فعليا داخل بنيتها التنظيمية والسياسية.
المفارقة الأساسية أن الدعوة إلى تجديد النظام السياسي تصدر من داخل طبقة سياسية استقرت في مواقعها القيادية لعقود طويلة. وهذه ليست مسألة شخصية، بل تتعلق ببنية حزبية وسياسية كاملة. فمن يتحدث اليوم عن ضرورة فتح المجال أمام الأجيال الجديدة كان، في حالات كثيرة، جزءا من منظومة ظلت تمسك بمفاتيح التنظيم والقرار والتمثيل سنوات طويلة، من دون أن تنجح في إحداث التحولات التي تدعو إليها الآن.
علم الاجتماع السياسي لا يكتفي بما تعلنه الأحزاب عن نفسها، بل يهتم بكيفية توزيع القوة داخلها بمعنى من يختار القيادة؟ كيف تنتقل المواقع؟ ومن يملك القرار الفعلي؟ من هذه الزاوية، يصبح الحديث عن الشباب والنساء أقل إقناعا عندما تبقى عملية "إدخالهم" إلى مواقع القرار بيد القيادات القديمة نفسها. فالشباب لا ينبغي أن يكونوا فئة تنتظر أن تمنحها القيادة موقعا متقدما في قائمة انتخابية، بل قوة سياسية قادرة على المنافسة والاختيار والمحاسبة وحتى إزاحة من سبقها.
وهنا يظهر الفرق بين تجديد النخبة وإعادة إنتاجها. يمكن وضع وجوه شابة ونساء في القوائم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن بنية القوة قد تغيرت. إذا بقيت القيادة القديمة هي التي تختار الأسماء وترتبها وترسم حدود حركتها، فنحن أمام تغيير في الصورة أكثر مما نحن أمام تحول حقيقي.
روبرت ميخلز تحدث قبل أكثر من قرن عن "القانون الحديدي للأوليغارشية"، أي ميل الأحزاب، حتى تلك التي ترفع شعارات ديمقراطية، إلى إنتاج طبقة قيادية صغيرة تحتكر القرار والموارد وتصبح المحافظة على موقعها جزءا من هدف التنظيم نفسه. وهذه الفكرة تبدو شديدة الصلة بواقع أحزاب تتحدث عن الديمقراطية بينما تظل تركيبتها القيادية شبه ثابتة لسنوات طويلة.
المشكلة لا تكمن فقط في بقاء الأشخاص في مواقعهم، بل في تحول هذا البقاء إلى أمر طبيعي. فالتجديد الحقيقي يبدأ من داخل الحزب؛ انتخابات داخلية فعلية، مدد محددة للمواقع القيادية، منافسة حقيقية، وحق الأعضاء في اختيار ممثليهم. ومن يطالب بتداول السلطة على مستوى النظام السياسي عليه أن يقبل بالتداول داخل تنظيمه أولا.
الانتخابات ضرورة لا يمكن التقليل من شأنها، لكنها ليست علاجا سحريا للأزمة. فغياب الانتخابات ليس أصل المشكلة وحده، بل هو أيضا نتيجة لأزمة أعمق تشمل تركز القرار، وضعف المؤسسات، وغياب المساءلة، والفساد، والانقسام، وتراجع الحريات. والشرعية السياسية لا تتجدد بمجرد فتح صناديق الاقتراع، بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الرقابة والمحاسبة، وقضاء مستقل، وحرية سياسية، وآليات تضمن احترام النتائج وتداول السلطة.
من هنا، فإن الحديث المتكرر عن "استعادة ثقة المواطن" يحتاج إلى مراجعة. المواطن لم يفقد ثقته بلا سبب. بعد سنوات من غياب الانتخابات، واستمرار القيادات نفسها، وتكرار الاتفاقات والحوارات والبيانات من دون نتائج ملموسة، يصبح عدم الثقة موقفا مفهوما، بل وعقلانيا. المسألة ليست في إقناع المواطن بأن يثق من جديد، بل في أن تقدم المؤسسات والنخب ما يجعلها جديرة بهذه الثقة.
والحديث عن الشباب يكشف جانبا من هذه الأزمة. لا يكفي أن تضع الأحزاب شابا أو شابة في موقع متقدم على القائمة، لأن التمثيل العددي لا يعني امتلاك سلطة حقيقية. المطلوب هو مشاركة فعلية في صياغة البرامج واتخاذ القرار وإدارة الموارد، وإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة لمنافسة القيادات القديمة لا أن تكون مجرد امتداد لها.
الأمر نفسه ينطبق على تمثيل النساء. زيادة عدد النساء خطوة مهمة، لكنها لا تكفي إذا بقي القرار الفعلي محصورا في البنية التقليدية نفسها. التمثيل الحقيقي يقاس بمقدار السلطة والتأثير، لا بعدد الأسماء في القوائم.
كما أن مصطلح "الحوار الوطني" أصبح بدوره بحاجة إلى مراجعة. لا خلاف على ضرورة الحوار، لكن التجربة الفلسطينية امتلأت باللقاءات والاتفاقات واللجان التي لم تتحول إلى واقع مستقر. ومع تكرار المشهد نفسه، يمكن للحوار أن يتحول من أداة لحل الأزمة إلى وسيلة لإدارتها وتأجيلها. ما يعطي أي حوار قيمة ليس عدد المشاركين فيه ولا حجم البيانات التي تنتج عنه، بل وجود آليات واضحة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه وكشف ومحاسبة من يعطله.
ولا يمكن لأي تحليل جاد أن يتجاهل الاحتلال وحرب الإبادة والتهجير القسري والفصل العنصري والانقسام وتعقيدات القدس وغزة والضفة الغربية. فهذه كلها عوامل شديدة الوطأة تؤثر في النظام السياسي وفي قدرته على العمل بصورة طبيعية. لكن خطورة هذه القيود وتأثيرها المباشر في الحياة السياسية الفلسطينية لا يلغي مسؤولية القوى والأحزاب عن أنماط إدارتها وتنظيمها، ولا عن استمرار بعض القيادات في مواقعها لعقود، وضعف آليات التجديد والمحاسبة والمنافسة داخلها.
إحدى مشكلات الخطاب السياسي الفلسطيني أنه كثيرا ما يتحدث عن الأزمة بصيغة مجهولة الفاعل: الانتخابات غابت، والانقسام استمر، والثقة تراجعت، والشباب ابتعدوا، والمؤسسات ضعفت. كأن كل ذلك حدث من تلقاء نفسه. والحقيقة أن وراء كل هذه المسارات قرارات وقوى ومصالح ومسؤوليات لا ينبغي إخفاؤها.
النخب السياسية لا تُقاس بما تقوله فقط، بل بما فعلته وهي في موقع القدرة على التأثير. ومن أمضى عقودا في موقع قيادي يصبح مطالبا بأكثر من إعادة إنتاج التشخيص نفسه. من يدعو إلى التداول عليه أن يقبل بتداول موقعه، ومن يطالب بالتجديد عليه أن يفسح المجال فعليا لغيره، ومن يتحدث عن الديمقراطية عليه أن يقبل بنتائجها حتى عندما تأتي على حسابه.
بعد سنوات طويلة من الأزمات، لم تعد المشكلة في نقص الخطاب السياسي، بل في الفجوة بينه وبين الممارسة. كلمات مثل التجديد والشراكة وتداول السلطة واحترام القانون أصبحت مألوفة، لكن قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تتحول إلى قواعد ملزمة تطبق على الجميع، وفي مقدمتهم من يطالبون بها.
وبالعودة إلى المقابلة التي كانت منطلق هذا المقال، فإن المشكلة ليست فيما قيل فيها بقدر ما هي فيما لم يُقل. فمن السهل الحديث عن الانتخابات والتجديد والشباب والنساء واستعادة الثقة، لكن الأصعب هو الاعتراف بمسؤولية النخب والقوى السياسية نفسها عن جانب أساسي من الأزمة التي تتحدث عنها اليوم. لا يمكن لمن ظلوا في مواقع القيادة والتأثير لعقود أن يقدموا أنفسهم في كل مرة بوصفهم مجرد مراقبين لأزمة لم يشاركوا في صنعها أو تكريسها أو العجز عن مواجهتها.
كما آن الأوان للتوقف عن مخاطبة المواطنين وكأنهم مجرد متلقين للبيانات والتصريحات، أو كأن ذاكرتهم السياسية قصيرة بما يسمح بإعادة إنتاج الخطاب نفسه في كل مناسبة. المواطن الفلسطيني يعرف من بقي في موقعه لعقود، ومن تحدث عن الإصلاح من دون أن يبدأه داخل حزبه، ومن دعا إلى تداول السلطة بينما ظل متمسكا بموقعه، ومن واصل تشخيص الأزمة عاما بعد عام من دون أن يتحمل نصيبه من المسؤولية عنها.
احترام المواطن يبدأ من احترام وعيه وذاكرته، ومن مخاطبته باعتباره شريكا قادرا على المقارنة والمساءلة، لا جمهورا يُطلب منه في كل مرة تصديق الوعود نفسها بصياغات مختلفة. وإذا كانت هذه القيادات جادة في حديثها عن التجديد، فإن المطلوب منها لم يعد شرح أهمية الديمقراطية للناس، بل إثبات استعدادها لممارستها على نفسها، وقبول أن تكون هي أيضا موضوعا للمحاسبة والتغيير.
فالتجديد الذي لا يطال من يتحدثون باسمه ليس تجديدا، والديمقراطية التي يُطالب الآخرون بها ولا تُمارس داخل الأحزاب تبقى شعارا. أما استعادة الثقة، فلن تبدأ من صندوق الاقتراع وحده، بل من اللحظة التي تقبل فيها النخب بأن تداول السلطة يعني، في نهاية المطاف، استعدادها الحقيقي لمغادرتها.
جاءت فكرة هذا المقال بعد مشاهدة مقابلة مع شخصيتين قياديتين من الصف الأول في قوى سياسية يُفترض، بحكم خطابها وهويتها التنظيمية، أنها ديمقراطية وتتبنى قيم التعددية والتجديد وتداول السلطة والمسؤولية. وقد تمحورت المقابلة حول الانتخابات التشريعية وما يمكن أن تمثله من مدخل لتجديد النظام السياسي واستعادة الثقة بمؤسساته. وفي حال جرت هذه الانتخابات بالفعل، فإنها ستكون بلا شك استحقاقا سياسيا مهما بعد سنوات طويلة من غيابها، وقد تفتح نافذة لإعادة الاعتبار للحياة السياسية والمؤسسات التمثيلية. لكن إجراء الانتخابات، على أهميته، لا يعني بالضرورة أن أزمة النظام السياسي قد وجدت طريقها إلى الحل، ولا أن النخب والأحزاب أصبحت أكثر استعدادا للتجديد وتداول المواقع والقبول بقواعد الممارسة الديمقراطية.
وليس الهدف من هذا المقال التقليل من شأن ما قيل في المقابلة عن أهمية الانتخابات، وإشراك الشباب والنساء، وإنهاء الانقسام واستعادة الثقة بالمؤسسات، فهذه قضايا حقيقية وملحة. المقصود هو تمحيص هذا الخطاب وقياس المسافة بينه وبين الممارسة، وذلك بالاستعانة ببعض أدوات علم الاجتماع السياسي، وخصوصا في فهم العلاقة بين النخب والمؤسسات، وبين تداول السلطة وإعادة إنتاجها، وبين ما تعلنه الأحزاب من قيم وما تمارسه فعليا داخل بنيتها التنظيمية والسياسية.
المفارقة الأساسية أن الدعوة إلى تجديد النظام السياسي تصدر من داخل طبقة سياسية استقرت في مواقعها القيادية لعقود طويلة. وهذه ليست مسألة شخصية، بل تتعلق ببنية حزبية وسياسية كاملة. فمن يتحدث اليوم عن ضرورة فتح المجال أمام الأجيال الجديدة كان، في حالات كثيرة، جزءا من منظومة ظلت تمسك بمفاتيح التنظيم والقرار والتمثيل سنوات طويلة، من دون أن تنجح في إحداث التحولات التي تدعو إليها الآن.
علم الاجتماع السياسي لا يكتفي بما تعلنه الأحزاب عن نفسها، بل يهتم بكيفية توزيع القوة داخلها بمعنى من يختار القيادة؟ كيف تنتقل المواقع؟ ومن يملك القرار الفعلي؟ من هذه الزاوية، يصبح الحديث عن الشباب والنساء أقل إقناعا عندما تبقى عملية "إدخالهم" إلى مواقع القرار بيد القيادات القديمة نفسها. فالشباب لا ينبغي أن يكونوا فئة تنتظر أن تمنحها القيادة موقعا متقدما في قائمة انتخابية، بل قوة سياسية قادرة على المنافسة والاختيار والمحاسبة وحتى إزاحة من سبقها.
وهنا يظهر الفرق بين تجديد النخبة وإعادة إنتاجها. يمكن وضع وجوه شابة ونساء في القوائم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن بنية القوة قد تغيرت. إذا بقيت القيادة القديمة هي التي تختار الأسماء وترتبها وترسم حدود حركتها، فنحن أمام تغيير في الصورة أكثر مما نحن أمام تحول حقيقي.
روبرت ميخلز تحدث قبل أكثر من قرن عن "القانون الحديدي للأوليغارشية"، أي ميل الأحزاب، حتى تلك التي ترفع شعارات ديمقراطية، إلى إنتاج طبقة قيادية صغيرة تحتكر القرار والموارد وتصبح المحافظة على موقعها جزءا من هدف التنظيم نفسه. وهذه الفكرة تبدو شديدة الصلة بواقع أحزاب تتحدث عن الديمقراطية بينما تظل تركيبتها القيادية شبه ثابتة لسنوات طويلة.
المشكلة لا تكمن فقط في بقاء الأشخاص في مواقعهم، بل في تحول هذا البقاء إلى أمر طبيعي. فالتجديد الحقيقي يبدأ من داخل الحزب؛ انتخابات داخلية فعلية، مدد محددة للمواقع القيادية، منافسة حقيقية، وحق الأعضاء في اختيار ممثليهم. ومن يطالب بتداول السلطة على مستوى النظام السياسي عليه أن يقبل بالتداول داخل تنظيمه أولا.
الانتخابات ضرورة لا يمكن التقليل من شأنها، لكنها ليست علاجا سحريا للأزمة. فغياب الانتخابات ليس أصل المشكلة وحده، بل هو أيضا نتيجة لأزمة أعمق تشمل تركز القرار، وضعف المؤسسات، وغياب المساءلة، والفساد، والانقسام، وتراجع الحريات. والشرعية السياسية لا تتجدد بمجرد فتح صناديق الاقتراع، بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الرقابة والمحاسبة، وقضاء مستقل، وحرية سياسية، وآليات تضمن احترام النتائج وتداول السلطة.
من هنا، فإن الحديث المتكرر عن "استعادة ثقة المواطن" يحتاج إلى مراجعة. المواطن لم يفقد ثقته بلا سبب. بعد سنوات من غياب الانتخابات، واستمرار القيادات نفسها، وتكرار الاتفاقات والحوارات والبيانات من دون نتائج ملموسة، يصبح عدم الثقة موقفا مفهوما، بل وعقلانيا. المسألة ليست في إقناع المواطن بأن يثق من جديد، بل في أن تقدم المؤسسات والنخب ما يجعلها جديرة بهذه الثقة.
والحديث عن الشباب يكشف جانبا من هذه الأزمة. لا يكفي أن تضع الأحزاب شابا أو شابة في موقع متقدم على القائمة، لأن التمثيل العددي لا يعني امتلاك سلطة حقيقية. المطلوب هو مشاركة فعلية في صياغة البرامج واتخاذ القرار وإدارة الموارد، وإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة لمنافسة القيادات القديمة لا أن تكون مجرد امتداد لها.
الأمر نفسه ينطبق على تمثيل النساء. زيادة عدد النساء خطوة مهمة، لكنها لا تكفي إذا بقي القرار الفعلي محصورا في البنية التقليدية نفسها. التمثيل الحقيقي يقاس بمقدار السلطة والتأثير، لا بعدد الأسماء في القوائم.
كما أن مصطلح "الحوار الوطني" أصبح بدوره بحاجة إلى مراجعة. لا خلاف على ضرورة الحوار، لكن التجربة الفلسطينية امتلأت باللقاءات والاتفاقات واللجان التي لم تتحول إلى واقع مستقر. ومع تكرار المشهد نفسه، يمكن للحوار أن يتحول من أداة لحل الأزمة إلى وسيلة لإدارتها وتأجيلها. ما يعطي أي حوار قيمة ليس عدد المشاركين فيه ولا حجم البيانات التي تنتج عنه، بل وجود آليات واضحة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه وكشف ومحاسبة من يعطله.
ولا يمكن لأي تحليل جاد أن يتجاهل الاحتلال وحرب الإبادة والتهجير القسري والفصل العنصري والانقسام وتعقيدات القدس وغزة والضفة الغربية. فهذه كلها عوامل شديدة الوطأة تؤثر في النظام السياسي وفي قدرته على العمل بصورة طبيعية. لكن خطورة هذه القيود وتأثيرها المباشر في الحياة السياسية الفلسطينية لا يلغي مسؤولية القوى والأحزاب عن أنماط إدارتها وتنظيمها، ولا عن استمرار بعض القيادات في مواقعها لعقود، وضعف آليات التجديد والمحاسبة والمنافسة داخلها.
إحدى مشكلات الخطاب السياسي الفلسطيني أنه كثيرا ما يتحدث عن الأزمة بصيغة مجهولة الفاعل: الانتخابات غابت، والانقسام استمر، والثقة تراجعت، والشباب ابتعدوا، والمؤسسات ضعفت. كأن كل ذلك حدث من تلقاء نفسه. والحقيقة أن وراء كل هذه المسارات قرارات وقوى ومصالح ومسؤوليات لا ينبغي إخفاؤها.
النخب السياسية لا تُقاس بما تقوله فقط، بل بما فعلته وهي في موقع القدرة على التأثير. ومن أمضى عقودا في موقع قيادي يصبح مطالبا بأكثر من إعادة إنتاج التشخيص نفسه. من يدعو إلى التداول عليه أن يقبل بتداول موقعه، ومن يطالب بالتجديد عليه أن يفسح المجال فعليا لغيره، ومن يتحدث عن الديمقراطية عليه أن يقبل بنتائجها حتى عندما تأتي على حسابه.
بعد سنوات طويلة من الأزمات، لم تعد المشكلة في نقص الخطاب السياسي، بل في الفجوة بينه وبين الممارسة. كلمات مثل التجديد والشراكة وتداول السلطة واحترام القانون أصبحت مألوفة، لكن قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تتحول إلى قواعد ملزمة تطبق على الجميع، وفي مقدمتهم من يطالبون بها.
وبالعودة إلى المقابلة التي كانت منطلق هذا المقال، فإن المشكلة ليست فيما قيل فيها بقدر ما هي فيما لم يُقل. فمن السهل الحديث عن الانتخابات والتجديد والشباب والنساء واستعادة الثقة، لكن الأصعب هو الاعتراف بمسؤولية النخب والقوى السياسية نفسها عن جانب أساسي من الأزمة التي تتحدث عنها اليوم. لا يمكن لمن ظلوا في مواقع القيادة والتأثير لعقود أن يقدموا أنفسهم في كل مرة بوصفهم مجرد مراقبين لأزمة لم يشاركوا في صنعها أو تكريسها أو العجز عن مواجهتها.
كما آن الأوان للتوقف عن مخاطبة المواطنين وكأنهم مجرد متلقين للبيانات والتصريحات، أو كأن ذاكرتهم السياسية قصيرة بما يسمح بإعادة إنتاج الخطاب نفسه في كل مناسبة. المواطن الفلسطيني يعرف من بقي في موقعه لعقود، ومن تحدث عن الإصلاح من دون أن يبدأه داخل حزبه، ومن دعا إلى تداول السلطة بينما ظل متمسكا بموقعه، ومن واصل تشخيص الأزمة عاما بعد عام من دون أن يتحمل نصيبه من المسؤولية عنها.
احترام المواطن يبدأ من احترام وعيه وذاكرته، ومن مخاطبته باعتباره شريكا قادرا على المقارنة والمساءلة، لا جمهورا يُطلب منه في كل مرة تصديق الوعود نفسها بصياغات مختلفة. وإذا كانت هذه القيادات جادة في حديثها عن التجديد، فإن المطلوب منها لم يعد شرح أهمية الديمقراطية للناس، بل إثبات استعدادها لممارستها على نفسها، وقبول أن تكون هي أيضا موضوعا للمحاسبة والتغيير.
فالتجديد الذي لا يطال من يتحدثون باسمه ليس تجديدا، والديمقراطية التي يُطالب الآخرون بها ولا تُمارس داخل الأحزاب تبقى شعارا. أما استعادة الثقة، فلن تبدأ من صندوق الاقتراع وحده، بل من اللحظة التي تقبل فيها النخب بأن تداول السلطة يعني، في نهاية المطاف، استعدادها الحقيقي لمغادرتها.
