غزة- فلسطين24: إسراء طارق الرّملي
عند السادسة مساءً، كان باسل عبد الرحمن ممددًا على طاولة العمليات في مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، بعد أن انتظر طويًا فرصة إجراء جراحة كان يأمل أن تحسّن حالته الصحية، أحاط به الفريق الطبي وبدأ العملية، فيما وضع باسل حياته بين أيدي أطبائه والأجهزة التي يعتمدون عليها.
لكن أثناء الجراحة توقف جهاز الكي الجراحي cautery فجأة، المستخدم لكيّ الأنسجة والسيطرة على النزيف وقع العطل في لحظة لم يكن فيها باسل قادرًا على معرفة ما يجري أو اتخاذ أي قرار، بينما وجد الأطباء أنفسهم أمام مريض تحت التخدير وجهاز أساسي خرج عن العمل.
يروي الطبيب الأردني محمد البويطل خلال زيارته إلى قطاع غزة في مهمة طبية: "حدث العطل في لحظة مفاجئة كان فيها جسد المريض بين أيدي الفريق الطبي، وحاولوا مباشرة اتباع كافة إجراءات السلامة في إصلاح الجهاز والاستمرار بإجراء العملية يدويا".
ويقول البويطل إن أدوات طبية مخصصة للاستخدام مرة واحدة في الأردن كانت تدخل في غزة دورات متكررة من الاستخدام والتعقيم بسبب شح البدائل، مضيفًا أن جهاز الكي كان يصل أحيانًا إلى غرفة العمليات مشبعًا بالمياه بعد التعقيم، ما يضطر الطاقم إلى تجفيفه قبل تشغيله.
ويؤدي ذلك، وفق تجربته، إلى إطالة عملية تستغرق نحو نصف ساعة إلى ساعة كاملة، مع احتمال تعطل الجهاز خلال الجراحة واضطرار الفريق إلى استكمالها بوسائل أخرى.
عرف باسل ما جرى بعد إفاقته حين أخبرته والدته بتعطل الجهاز أثناء العملية، يقول إن التجربة غيرت نظرته إلى دخول غرفة العمليات: "الأطباء نجحوا في إجراء عمليتي ونجحوا باستصلاح الجهاز ولكن كل ما أتذكر إنه الجهاز توقف في العملية كل جسمي برجف خوف وأتمنى ما أحتاج عمليات أخرى".
خارج غرفة العمليات كانت والدته مروة عبد الرحمن تنتظر من دون أن تعرف ما يجري في الداخل، تقول إن: "أصابني الخوف والتساؤل الشديد بعد تأخر خروج باسل من العملية، وفقدت الأمل حينها بحياته بعد أن أمضى فترة طويلة بحثا عن العلاج"، وبقي السؤال الذي حملته أسرته معها: ماذا كان سيحدث لو تعذر على الفريق إعادة تشغيل الجهاز أو استكمال الجراحة؟.
ما حدث لباسل لم يكن عطلًا استثنائيًا في غرفة عمليات، بل صورة مصغرة لأزمة أوسع تعيشها مستشفيات غزة، حيث أصبحت صيانة الأجهزة جزءًا من معركة إبقاء المرضى على قيد الحياة
حادثة باسل تكشف أثرًا مباشرًا لأزمة أوسع تضرب التكنولوجيا الطبية في غزة، حيث تعمل أجهزة كثيرة بعد سنوات من الاستهلاك المكثف، وسط تدمير واسع للمرافق الصحية ونقص حاد في المعدات وقطع الغيار والمستلزمات.
ومنذ بداية حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، تعرض القطاع الصحي لسلسلة اعتداءات إسرائيلية شملت قصف المستشفيات واقتحامها وتدمير أجهزتها واعتقال عدد من كوادرها.
أمام هذا العجز الطبي، لجأت وزارة الصحة إلى تجميع أجهزة قديمة ومتهالكة من مراكز الرعاية الأولية ومستشفيات القطاع ونقلها إلى مجمع الشفاء في محاولة لإعادة تشغيل عمل الأقسام التي فقدت الجزء الأكبر من معداتها.
يرصد في هذا التقرير كيف تحولت صيانة الأجهزة الطبية في القطاع الصحي إلى عملية إنقاذ مستمرة تُنتزع من أجهزة تالفة أو قديمة لإعادة تشغيل معدات أخرى، وق\د تمتد هذه المحاولات أحيانا إلى غرف العمليات نفسها حين يتعطل جهاز أثناء الجراحة.
حين يصبح التشخيص مستحيلًا
يقول أحمد يونس، مهندس صيانة المعدات الطبية في مجمع الشفاء، إن معظم الأجهزة التشخيصية خرجت عن الخدمة، فيما تمكنت الطواقم من إصلاح نحو 15% منها فقط
ويشير إلى أن الأجهزة التي أعيد تشغيلها تشمل ستة أجهزة موجات فوق صوتية وثلاثة أجهزة أشعة سينية، فيما بقيت أجهزة أخرى خارج نطاق الإصلاح، بينها جهازا رنين مغناطيسي، وثلاثة أجهزة تصوير مقطعي، وجهاز تفتيت الحصى، إضافة إلى جهاز القسطرة في مبنى الجراحات التخصصية بعد احتراق الغرفة بالكامل.
ويضيف يونس أن هذا التراجع الحاد في عدد الأجهزة انعكس مباشرة على قدرة الأطباء على التشخيص؛ إذ تقلص عدد الحالات التي يمكن استقبالها يوميا فيما تعمل بعض الأجهزة المتبقية بقدرات أقل من مواصفاتها الأصلية.
الأجهزة المانحة
في مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي والجراحات التخصصية في قطاع غزة تتوزع اللوحات الإلكترونية المحروقة والأسلاك المقطوعة فوق طاولة خشبية صغيرة، ويمسك مهندس الأجهزة الطبية علاء الدين أبو حصيرة فوق إحدى الدوائر المفتوحة ممسكا بأداة اللحام وهو يتتبع مساراتها الدقيقة بحثًا عن عطل قد يفصل جهازًا كاملًا عن الخدمة.
ومع امتداد إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر، بدأت تغيب قطع الغيار وتتوقف إمدادات التكنولوجيا الطبية، لتواجه المستشفيات حظرًا تقنيًا يهدد المنظومة الحيوية بالعدم الكامل.
ويواجه أبو حصيرة، مهندس الأجهزة الطبية آثار نقص المعدات بمحاولات مستمرة لإطالة عمر الآلات المتاحة، معتمدًا على خيار “الأجهزة المانحة”؛ واستئصال المكونات السليمة منها، ثم يعيد زرعها في أجساد آلات أخرى معطلة.
ويضيف قائلًا:"نحن أمام شلل حاد في المنظومة الطبية، خاصة مع نفاد المحاليل الخاصة بالمختبرات الطبية واللازمة لإجراء الفحوصات التشخيصية".
وقد وثّقت منظمة الصحة العالمية تم نشره بتاريخ 20 يناير 2026 أن أكثر من 930 اعتداءً على الرعاية الصحية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما تضررت 34 مستشفى من أصل 36، أي نحو 94% من مستشفيات القطاع، وبقي نصفها فقط يعمل جزئيًا وفق أحدث البيانات المتاحة.
مختبر يعمل بنصف قوته
تظهر نتائج هذا الاستنزاف بوضوح داخل دائرة المختبر وبنك الدم في مجمع الشفاء، ويقول مدير الدائرة الدكتور حسام راشد إن المختبرات سجلت خلال يونيو/حزيران 2026 نحو 85 ألف فحص، في وقت تعتمد فيه على أجهزة قديمة تبلغ قدرتها نحو 200 فحص في الساعة، مقارنة بنحو 400 فحص في الساعة قبل عام 2023.
وكانت المنظومة السابقة تضم أربع وحدات كيميائية آلية متكاملة وتغطي قرابة 150 ألف فحص شهريًا، فيما يعتمد المختبر حاليًا على جهازين متهالكين فقط.
يتضاعف العبء الفني نتيجة التذبذب الحاد في التيار الكهربائي المعتمد كليًا على المولدات؛ إذ يتسبب غياب أجهزة تنظيم وتثبيت الطاقة (UPS) بتلف قطع الأجهزة الحساسة ومصابيحها الضوئية باستمرار، فيما يخلو السوق المحلي تمامًا من قطع الغيار.
ويبرز فحص السيولة والتجلطات (PT) كشاهد على العجز التقني؛ حيث نقلت مستشفى شهداء الأقصى جهاز متعطل وأحضروا جهازا متهالكًا آخر من مخازن وزارة الصحة لإتمام عملية التصليح في دمج محركات الجهازين لاستخراج آلة واحدة صالحة للعمل، سرعان ما توقفت نتيجة خلل فني مستمر في نظام التشغيل.
ودفع هذا العطل الأطباء إلى العودة عقودًا إلى الوراء، عبر إجراء فحوصات السيولة بالطرق اليدوية البطيئة والأقل دقة، ما يستنزف الوقت الحرج للمرضى.
مأزق التشخيص
تتسع أعطال المستلزمات الطبية في قسم الكيمياء الطبية؛ حيث تسبب غياب مواد فحص الدم الكامل (CBC) في اختزال الفحص الشامل المكون من 16 مؤشرًا إلى فحصين يدويين فقط لقياس الهيموجلوبين وكريات الدم البيضاء، مع غياب كامل لمواد فحص الصفائح الدموية لتعذر إجرائه يدويًا.
ويضاف إلى ذلك نقص حاد في مواد فحص أملاح الكلى (الالكترولايت) اللازمة لمرضى الفشل الكلوي والأورام، والغياب التام لفحوصات غازات الدم (ABG) الشديدة الأهمية لمرضى العناية المكثفة والقلب لتحديد درجة حموضة الدم (pH)، مما يضع الأطباء أمام حالة من "العمى التشخيصي" تهدد حياة المرضى بالخطر المباشر.
في غزة، لم تعد مهمة مهندس الأجهزة الطبية تقتصر على إصلاح آلة معطلة، فخلف كل شاشة توقفت، وكل جهاز فقد قطعة من أجزائه، مريض قد ينتظر تشخيصًا، أو جراحة، أو نتيجة فحص تحدد مصيره، أما بالنسبة لباسل، فقد انتهت العملية بسلام.
لكن السؤال الذي تركه تعطل جهاز واحد في غرفة العمليات يبقى مفتوحًا: كم مريضًا آخر قد لا يحصل على فرصة ثانية لإصلاح جهاز توقف في الوقت الخطأ؟
عند السادسة مساءً، كان باسل عبد الرحمن ممددًا على طاولة العمليات في مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، بعد أن انتظر طويًا فرصة إجراء جراحة كان يأمل أن تحسّن حالته الصحية، أحاط به الفريق الطبي وبدأ العملية، فيما وضع باسل حياته بين أيدي أطبائه والأجهزة التي يعتمدون عليها.
لكن أثناء الجراحة توقف جهاز الكي الجراحي cautery فجأة، المستخدم لكيّ الأنسجة والسيطرة على النزيف وقع العطل في لحظة لم يكن فيها باسل قادرًا على معرفة ما يجري أو اتخاذ أي قرار، بينما وجد الأطباء أنفسهم أمام مريض تحت التخدير وجهاز أساسي خرج عن العمل.
يروي الطبيب الأردني محمد البويطل خلال زيارته إلى قطاع غزة في مهمة طبية: "حدث العطل في لحظة مفاجئة كان فيها جسد المريض بين أيدي الفريق الطبي، وحاولوا مباشرة اتباع كافة إجراءات السلامة في إصلاح الجهاز والاستمرار بإجراء العملية يدويا".
ويقول البويطل إن أدوات طبية مخصصة للاستخدام مرة واحدة في الأردن كانت تدخل في غزة دورات متكررة من الاستخدام والتعقيم بسبب شح البدائل، مضيفًا أن جهاز الكي كان يصل أحيانًا إلى غرفة العمليات مشبعًا بالمياه بعد التعقيم، ما يضطر الطاقم إلى تجفيفه قبل تشغيله.
ويؤدي ذلك، وفق تجربته، إلى إطالة عملية تستغرق نحو نصف ساعة إلى ساعة كاملة، مع احتمال تعطل الجهاز خلال الجراحة واضطرار الفريق إلى استكمالها بوسائل أخرى.
عرف باسل ما جرى بعد إفاقته حين أخبرته والدته بتعطل الجهاز أثناء العملية، يقول إن التجربة غيرت نظرته إلى دخول غرفة العمليات: "الأطباء نجحوا في إجراء عمليتي ونجحوا باستصلاح الجهاز ولكن كل ما أتذكر إنه الجهاز توقف في العملية كل جسمي برجف خوف وأتمنى ما أحتاج عمليات أخرى".
خارج غرفة العمليات كانت والدته مروة عبد الرحمن تنتظر من دون أن تعرف ما يجري في الداخل، تقول إن: "أصابني الخوف والتساؤل الشديد بعد تأخر خروج باسل من العملية، وفقدت الأمل حينها بحياته بعد أن أمضى فترة طويلة بحثا عن العلاج"، وبقي السؤال الذي حملته أسرته معها: ماذا كان سيحدث لو تعذر على الفريق إعادة تشغيل الجهاز أو استكمال الجراحة؟.
ما حدث لباسل لم يكن عطلًا استثنائيًا في غرفة عمليات، بل صورة مصغرة لأزمة أوسع تعيشها مستشفيات غزة، حيث أصبحت صيانة الأجهزة جزءًا من معركة إبقاء المرضى على قيد الحياة
حادثة باسل تكشف أثرًا مباشرًا لأزمة أوسع تضرب التكنولوجيا الطبية في غزة، حيث تعمل أجهزة كثيرة بعد سنوات من الاستهلاك المكثف، وسط تدمير واسع للمرافق الصحية ونقص حاد في المعدات وقطع الغيار والمستلزمات.
ومنذ بداية حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، تعرض القطاع الصحي لسلسلة اعتداءات إسرائيلية شملت قصف المستشفيات واقتحامها وتدمير أجهزتها واعتقال عدد من كوادرها.
أمام هذا العجز الطبي، لجأت وزارة الصحة إلى تجميع أجهزة قديمة ومتهالكة من مراكز الرعاية الأولية ومستشفيات القطاع ونقلها إلى مجمع الشفاء في محاولة لإعادة تشغيل عمل الأقسام التي فقدت الجزء الأكبر من معداتها.
يرصد في هذا التقرير كيف تحولت صيانة الأجهزة الطبية في القطاع الصحي إلى عملية إنقاذ مستمرة تُنتزع من أجهزة تالفة أو قديمة لإعادة تشغيل معدات أخرى، وق\د تمتد هذه المحاولات أحيانا إلى غرف العمليات نفسها حين يتعطل جهاز أثناء الجراحة.
حين يصبح التشخيص مستحيلًا
يقول أحمد يونس، مهندس صيانة المعدات الطبية في مجمع الشفاء، إن معظم الأجهزة التشخيصية خرجت عن الخدمة، فيما تمكنت الطواقم من إصلاح نحو 15% منها فقط
ويشير إلى أن الأجهزة التي أعيد تشغيلها تشمل ستة أجهزة موجات فوق صوتية وثلاثة أجهزة أشعة سينية، فيما بقيت أجهزة أخرى خارج نطاق الإصلاح، بينها جهازا رنين مغناطيسي، وثلاثة أجهزة تصوير مقطعي، وجهاز تفتيت الحصى، إضافة إلى جهاز القسطرة في مبنى الجراحات التخصصية بعد احتراق الغرفة بالكامل.
ويضيف يونس أن هذا التراجع الحاد في عدد الأجهزة انعكس مباشرة على قدرة الأطباء على التشخيص؛ إذ تقلص عدد الحالات التي يمكن استقبالها يوميا فيما تعمل بعض الأجهزة المتبقية بقدرات أقل من مواصفاتها الأصلية.
الأجهزة المانحة
في مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي والجراحات التخصصية في قطاع غزة تتوزع اللوحات الإلكترونية المحروقة والأسلاك المقطوعة فوق طاولة خشبية صغيرة، ويمسك مهندس الأجهزة الطبية علاء الدين أبو حصيرة فوق إحدى الدوائر المفتوحة ممسكا بأداة اللحام وهو يتتبع مساراتها الدقيقة بحثًا عن عطل قد يفصل جهازًا كاملًا عن الخدمة.
ومع امتداد إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر، بدأت تغيب قطع الغيار وتتوقف إمدادات التكنولوجيا الطبية، لتواجه المستشفيات حظرًا تقنيًا يهدد المنظومة الحيوية بالعدم الكامل.
ويواجه أبو حصيرة، مهندس الأجهزة الطبية آثار نقص المعدات بمحاولات مستمرة لإطالة عمر الآلات المتاحة، معتمدًا على خيار “الأجهزة المانحة”؛ واستئصال المكونات السليمة منها، ثم يعيد زرعها في أجساد آلات أخرى معطلة.
ويضيف قائلًا:"نحن أمام شلل حاد في المنظومة الطبية، خاصة مع نفاد المحاليل الخاصة بالمختبرات الطبية واللازمة لإجراء الفحوصات التشخيصية".
وقد وثّقت منظمة الصحة العالمية تم نشره بتاريخ 20 يناير 2026 أن أكثر من 930 اعتداءً على الرعاية الصحية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما تضررت 34 مستشفى من أصل 36، أي نحو 94% من مستشفيات القطاع، وبقي نصفها فقط يعمل جزئيًا وفق أحدث البيانات المتاحة.
مختبر يعمل بنصف قوته
تظهر نتائج هذا الاستنزاف بوضوح داخل دائرة المختبر وبنك الدم في مجمع الشفاء، ويقول مدير الدائرة الدكتور حسام راشد إن المختبرات سجلت خلال يونيو/حزيران 2026 نحو 85 ألف فحص، في وقت تعتمد فيه على أجهزة قديمة تبلغ قدرتها نحو 200 فحص في الساعة، مقارنة بنحو 400 فحص في الساعة قبل عام 2023.
وكانت المنظومة السابقة تضم أربع وحدات كيميائية آلية متكاملة وتغطي قرابة 150 ألف فحص شهريًا، فيما يعتمد المختبر حاليًا على جهازين متهالكين فقط.
يتضاعف العبء الفني نتيجة التذبذب الحاد في التيار الكهربائي المعتمد كليًا على المولدات؛ إذ يتسبب غياب أجهزة تنظيم وتثبيت الطاقة (UPS) بتلف قطع الأجهزة الحساسة ومصابيحها الضوئية باستمرار، فيما يخلو السوق المحلي تمامًا من قطع الغيار.
ويبرز فحص السيولة والتجلطات (PT) كشاهد على العجز التقني؛ حيث نقلت مستشفى شهداء الأقصى جهاز متعطل وأحضروا جهازا متهالكًا آخر من مخازن وزارة الصحة لإتمام عملية التصليح في دمج محركات الجهازين لاستخراج آلة واحدة صالحة للعمل، سرعان ما توقفت نتيجة خلل فني مستمر في نظام التشغيل.
ودفع هذا العطل الأطباء إلى العودة عقودًا إلى الوراء، عبر إجراء فحوصات السيولة بالطرق اليدوية البطيئة والأقل دقة، ما يستنزف الوقت الحرج للمرضى.
مأزق التشخيص
تتسع أعطال المستلزمات الطبية في قسم الكيمياء الطبية؛ حيث تسبب غياب مواد فحص الدم الكامل (CBC) في اختزال الفحص الشامل المكون من 16 مؤشرًا إلى فحصين يدويين فقط لقياس الهيموجلوبين وكريات الدم البيضاء، مع غياب كامل لمواد فحص الصفائح الدموية لتعذر إجرائه يدويًا.
ويضاف إلى ذلك نقص حاد في مواد فحص أملاح الكلى (الالكترولايت) اللازمة لمرضى الفشل الكلوي والأورام، والغياب التام لفحوصات غازات الدم (ABG) الشديدة الأهمية لمرضى العناية المكثفة والقلب لتحديد درجة حموضة الدم (pH)، مما يضع الأطباء أمام حالة من "العمى التشخيصي" تهدد حياة المرضى بالخطر المباشر.
في غزة، لم تعد مهمة مهندس الأجهزة الطبية تقتصر على إصلاح آلة معطلة، فخلف كل شاشة توقفت، وكل جهاز فقد قطعة من أجزائه، مريض قد ينتظر تشخيصًا، أو جراحة، أو نتيجة فحص تحدد مصيره، أما بالنسبة لباسل، فقد انتهت العملية بسلام.
لكن السؤال الذي تركه تعطل جهاز واحد في غرفة العمليات يبقى مفتوحًا: كم مريضًا آخر قد لا يحصل على فرصة ثانية لإصلاح جهاز توقف في الوقت الخطأ؟
