أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

قطعة بلاط بشيكل ونصف.. طفلتان تقاومان الجوع لإعالة 20 طفلاً



غزة – فلسطين24: إسراء طارق الرّملي 
تنحني إيمان الشنباري 11 عاما وشقيقتها رؤيا 12 عاما بين الحجارة وأنقاض مباني الجامعة الإسلامية بمدينة غزة، تفتّشان بأعين مرهقة عن قطع بلاط يمكن إنقاذها، تمسكان القطعة من طرفيها وترفعانها إلى صدريهما وتتجهان بها نحو خيمتي أسرتهما بخطوات قصيرة يثقلها وزن يفوق ما تحتمله ذراعيهما النحيلتين.
ويتكرر الفعل على عدة مرات تحت شمس الصيف وحرارتها، تنفضان الغبار عن الحجارة وتمسح إيمان عن وجهها آثار التعب وتضيف القطعة إلى صفّ البلاط قطعة قطعة أمام الخيمة، فيما تواصلان البحث عن قطع أخرى للبيع.
حين اقتربنا منهما كانت رؤيا ترفع كفها فوق عينيها لتحجب وهج الشمس، فيما جلست إيمان إلى جوار صفوف البلاط تنتظر المارة، وسبقتنا بالسؤال: "الحجارتين بثلاثة شيكل، كم بلاطة بدك؟
وعلى مرأى النظر وجدت عشرات الأطفال جالسين بشكل دائري يتبادلون اللعب بملابس شتوية مهترئة تحت حر الصيف، وسألنا رؤيا عن سبب لجوئها لهذا العمل المتعب، تجيب وهي تنظّف الحجر بكفيها الصغيرتين: "بساعد بابا في تكاليف البيت، وكل يوم بجمّع بلاط وببيع البلاطة بشيكل ونصف وبفرّح بابا وماما".
يبدو أن الحرب هو الذي شكّلهما أكثر من الزمن، نحولٌ في الجسدين وقدمان حافيتان التصق بهما غبار الأرض، وثيابٌ فقدت شيئا من ألوانها وهي تعبر بين الركام كل يوم. 
تلتف خصلات الشعر القصير حول وجه إيمان وتتحركان بخفة أطفال، تجلسان وتبدأ كل واحة منهما بالبيع لكل من يمر بجانبهما.
وحين وجّهت إليهما السؤال الحقيقي عن أحلامها شرحت كل واحدة منهما بلغتها الغيرة: "نفسي أروح المدرسة وأرجع أكتب وأشارك وأتميز في الصف زي ما كنت". 
وتلتقط رؤيا الحديث لتقول: "أحلم إني أقدر أريّح بابا، وأفرّح اخوتي الأطفال؛ لإني بزعل لما يطلبوا شوكلاتة وما حد يقدر يجيبلهم". 
تنفرج على ملامحهما ابتسامة صغيرة وأزحت إيمان خصلات الشعر القصير عن وجهها واستدارت لاستكمال عملها.
وجبة واحدة للجميع 
نهضت أختهما رحمة 9 أعوام متجهة نحو ركن الطبخ، حملت قدرا أسودا تآكلت جوانبه من أثر النار واتجهت نحو تكية الطعام وتقول: "بستنى سيارة التكية تيجي من الصبح لإنه بنكون جعانين كتير، وهو موعدها الساعة 12 الظهر".
يتابع الأب حركة أيدي أبنائه داخل القدر، فيما يحاول كل طفل انتزاع حصته من وجبة يتعين عليها أن تمتد بين عشرين فمًا. 
وصلت الوجبة إلى الخيمة وتوزعت سريعًا بين أفراد الأسرة، وجلس محمد الشنباري 40 عاما يراقب أطفاله العشرين وهم يأكلون ويقول: "أنا زعلان وحزين كتير على أولادي لإني شايفهم تعوّدوا على الكميات الصغيرة من الأكل حتى صار الشبع يأتيهم من لقم قليلة".
23 شخصا في مآل النزوح 
تتكون الأسرة من محمد وزوجتيه ياسمين وسماح وأطفالهم العشرين داخل مخيم الرحمة في الجامعة الإسلامية منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2023. 
تملأ الفرش وأوعية المياه وأدوات الطبخ والملابس معظم المساحة، ويتحرك الأطفال بين هذه الأشياء بخطوات محسوبة؛ فيما تؤدي قطعة قماش معلقة وظيفة الباب، وتفصل بخفة بين حياة الأسرة وباقي خيم المخيم. 
يقول محمد إن الوقوف تحت الشمس يرهقه، وحمل الأوزان يزيد ألمه، وتأخر دواء السكري يعرضه للإغماء، ويدفعه ذلك إلى الجلوس أمام الخيمة ومراقبة بناته وهن يحاولن توفير جزء من احتياجات الأسرة، في مشهد يثقُل عليه أكثر من المرض نفسه. 
يستيقظ محمد صباحا وتراوده مخاوف كثيرة إثر إعالة أبنائه العشرين والتي تقل أعمارهم عن 18 عاما، ويستذكر أصعب أوامر الإخلاء التي عايشها مع أطفاله بعد إسقاط جيش الاحتلال الإسرائيلي أوامر الإخلاء في منطقة سكنه في مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة. 
يبدأ محمد بعدّ أطفاله قبل جمع أي غرض ويناديهم اسما اسما ويمسك الصغار بأيدي الكبار وتتوزع الزوجتان بين الأطفال، بينما يثبت الأب عينيه على الوجوه خشية أن يغيب أحدهم وسط الازدحام. 
تكررت رحلات نزوح خمس مرات داخل مدينة غزة، ثم اتجهت العائلة نحو جنوب قطاع غزة، حاملا 20 طفلا بأعمارهم المتفاوتة مع الأمتعة المتاحة، بينهم أربعة أطفال تقل أعمارهم عن خمسة أعوام، فيكون بعضهم يحتاج إلى الحمل وآخرون إلى يد ترافقهم طوال الطريق، فيما يجب على محمد الأب أن يحافظ على قوته أمام مرض السكري يهدده بالإغماء حين يتأخر دواؤه، وآلام الغضروف التي يشتد مع كل وزن. 
فتحولت الطريق بالنسبة إلى محمد إلى اختبار دائم لأبوته وجسده معا، ويبدأ في تعداد أسماء أطفاله، ويتوقف بين اسم وآخر ويصلي على النبي ليستجمع تركيزه، ويعدّد: "محاسن هي الكبرى، وسيلا أصغرهم تبلغ عاما ونصف، وبينهما وفلة، وسلسبيل، وإيمان، ورحمة، وانتصار، ورؤيا، ولمى، ووردة، ونورهان، وليان، وآلاء، ودعاء، وآية، وفاطمة، وكريم، وعبد الله وتوأمه سارة، ونور. 
يعرف محمد احتياج كل طفل من أبنائه والذي يصعب عليه هو عدم قدرته على تلبية احتياجاتهم، وكل واحد منهما بحاجة إلى حذاء وملابس ودواء لابنه عبدالله المريض بزيادة الكهرباء في جسده، فيرتب الأب الطلبات حسب الضرورة، ويشتري ما تسمح به المبالغ القليلة على مراحل ممتدة، فيحصل أحد أطفاله على حاجته ثم يبدأ الثاني بالانتظار لتلبية حاجته وفق دور جديد. 
بيتٌ في الذاكرة 
يجلس محمد عند مدخل الخيمة، يحدّق في الفراغ أمامه، ويظهر في صوته التعب والحزن على كل حجر من بيته الذي تحوّل لطبقات من الركام: "منزلي بات داخل منطقة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي ويتعذّر عليا الوصول إليه واستخراج مقتنياته"، فيما تظل صورته قريبة بما يكفي كي يقارن بينه وبين كل زاوية ضيقة في الخيمة.
وعند الغروب، تبدأ ياسمين بتوزيع مساحة النوم للأطفال بيدين هادئتين لا تعرفان التوقف، وتجمع كل طفلين على فراش يقل عرضه عن نصف متر، ثم تسند الأكبر سنا إلى ما تبقى من مساحة تتسع لهم جميعا. 
وتلجأ ياسمين بعد سكون الأطفال للنوم بشحن هاتفها من نقطة قريبة مقابل نصف دولار وتحافظ على طاقته كي يصبح كشافه عينها الثانية خلال ساعات الليل، فكلما سمعت حركة مرّرت الضوء فوق البطانيات للكشف عن أي حشرات أو قوارض تعترض نوم صغارها. 
تقول إن القوارض والحشرات والعناكب ظهرت حول أماكن النوم وإنها واجهت أنواعا منها للمرة الأولى في حياتها، وهكذا تقضي ساعاتها بين غفوات قصيرة ومراقبة لأطفالها. 
ومع الصباح تبدأ جولة مهام جديدة على كاهل الأطفال، تقف رحمة 9 أعوام عند مدخل الخيمة وتنادي شقيقاتها، ويخرجن بأوعية وقِرب صغيرة ويتجمّعن عند نقطة التعبئة، ثم يعدن إلى الخيمة بأحمال تثقل الأكتاف والأصابع. 
لكل قطرة ماء وظيفة 
وفي خيمة الشنباري تدخل المياه في حساب يومي دقيق موزّع على كميات متنوعة تجمع بين الشرب والطبخ وغسل الأواني، ثم يأتي الاستحمام في آخر الترتيب؛ وتؤجله ياسمين حفاظا على المخزون الذي يحتاجه عشرون طفلًا. 
يلتف الأطفال حول النار ويتابعون نضج الوجبة المستقرة على صفيحة حديدية غطاها الصدأ، وتحيط بها حجارة مكسرة، وتستخدمها الأسرة موقدا لإعداد العدس في الأيام التي تتأخر فيها وجبة التكية. 
وهذا الالتفاف يترك جروحا جديدة، تتحدث عنها ياسمين "كل يوم بشوف جرح جديد في رجل واحد من الأولاد، ولما أطبخ بيلتموا حول النار، ومن كثرتهم بصير الحرق بسرعة". 
وتضيف وهي تشيح عن وجهها دخان النار: "كل يوم بناتي بنجرحوا في أقدامهم الحافية وبالقدم الواحدة يوجد العديد من الغرز المتجددة وكل مرة بتنقل فيهم على العيادات الميدانية بحثا عن ضمادات وعلاج". 
مع كل صباح، تعود إيمان ورؤيا إلى الركام وتنفضان الغبار عن قطع البلاط في عمر كان يُفترض أن يبدأ يومهما فيه بحقيبة مدرسية، تحملان ما تبقّى من جدرانٍ مهدّمة، وتعودان به إلى خيمة تنتظر فيها عائلة من عشرين طفلاً ما يمكن أن يسدّ جوع يوم آخر. 

 

تعليقات