أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

العنقاء.. مكتبة تحرس المعرفة في زمن الركام


فلسطين24: رانية عطاالله
روح المعاني في رف، ورفٌ للسياسة والأدب، مقاعدٌ هاربة من الخراب، مرآةٌ مطرزة بالتراث، وتحفة تفوح منها رائحة الورق، بهذه التوليفة تجلّى انبعاث الكتاب على جناح العنقاء في قلب مكتبة ضمت عشرات الكتب التي أسعفها عمر حمد في زمن الإبادة المستمرة على قطاع غزة. 
لم تكن فكرة العنقاء وليدة لحظة بل رحلة شاقة من البحث لجمع أكثر من 6 آلاف كتاب، بدأت من أقصى شمال مدينة بيت حانون حيث يسكن حمد وحتى منتهى جنوب القطاع منذ اللحظات الأولى للنزوح حين لازمه إحساس "اللاعودة" منذ انهال على مدينته الموت والتهديدات بالإخلاء. 
وبينما يفر الناس بالقليل من المتاع، اختزل حمد حقيبة النزوح بـ 200 كتاب، جريدة بعمره الثلاثيني، وأرشيف رسائل قديمة نزح بهم لأكثر من 13 مرة، وفي ذلك يقول: "هذا تعب سنين، الطعام والشراب يمكن أن يعوض لكن الأشياء الثمينة لا بديل لها". 
ومع كل إخلاءٍ فوري كان حمد يُنحّي نفسه ويهرع نحو كتبه غير آبهٍ بالوقت ليحملها على كتف روحه، يقطع مسافات شاسعة مشيًا على الأقدام حتى أقاصي الأمكنة في ظل شح وسائل النقل، بينما تختبر الشمس صبره ويلوح له الموت من كل اتجاه. 
وكلما علا صوت الخراب كان يتدرع حمد بجوانب الكتب فيعكف على القراءة؛ امتدادًا لشغفه منذ كان في الخامسة عشر من عمره في لحظة اكتشف فيها أن الاحتلال الإسرائيلي يراقب المنهاج الفلسطيني ويقيده فأخذ يبحث عما يُطالع بحرية عبر ادخار مصروفه الشخصي لشراء الكتب حتى شكّل مكتبة من أثمن ما يملك. 
وبينما يدرك حمد أن الإنسان بلا ذاكرة يمسي بلا مستقبل، حرص على إنقاذ 50 كتابًا من مكتبة إدوارد سعيد في بيت لاهيا، و100 آخرين من مكتبة الهلال الأحمر بخانيونس، 1000 كتاب من مكتبة النصر، ومثلهم من مكتبة الدراسات السياسية والتقنية. 
كما أسعف حمد عشرات الكتب من مكتبة الجامعة الإسلامية التي ضمت حوالي أكثر من نصف مليون كتاب معظمهم ذهب وقودًا للنار خلال فترة المجاعة في مشهدٍ مأساوي زاد حمد من اهتمامه في الكتاب رغم فهمه بأن الجائع لا يلام حين تمسي اللقمة أغلى من الكتاب. 
وبينما فقدت مكتبات الجامعات الفلسطينية في غزة أكثر من 240 ألف كتاب ومرجع وفقًا لتقرير المكتبة الوطنية الفلسطينية في شهر مارس/ آذار 2025، احتفظ حمد بالكتب في رفوف خشبية وسط خيمته وسرعان ما خطر له تحويلها إلى مكتبة مع بدء وقف إطلاق النار، حيث شارك صديقه إبراهيم الفكرة؛ لتلقى رواجًا كبيرًا. 
ولعل ما يميز المكتبة وفرة التنوع بين الكتب السياسية والأكاديمية وأمهات الكتب الإسلامية، والتاريخ، كتب الأطفال المصورة بالإضافة للروايات الأدبية، حيث انتهى المطاف بشراء 3000 كتاب، بعضها غير متوفر بصورة إلكترونية، في محاولة لسد الفجوة المعرفية. 
وفي مساحة لا تتجاوز 200 متر، تقدم المكتبة خدمة القراءة المجانية، والاستعارة برسوم مستردة لحفظ الكتاب، كم تقدم خدمة الاستشارات البحثية والعلمية لطلبة الدراسات العليا، وخدمة التعليق الصوتي، فيما توفر المكتبة مساحة لعقد الدورات التدريبية برسوم رمزية تغطي الخدمات الأساسية. 
وبينما تقدم المكتبة ما تصل نسبته إلى 80% من خدماتها بالمجان، يستعد حمد لإصدار برنامج بودكاست تدور حلقاته حول أصحاب المكتبات الخاصة التي دمرها الاحتلال خلال حرب الإبادة عبر تتبع مسار الرحلة من الإنشاء وحتى التدمير. 
فكرة عنقائية بدلالة تتجاوز مقر المكتبة بما فيها من أسفار خرجت من تحت الرماد؛ لتعيد إحياء المشهد الثقافي بغزة، عززها مساهمات ذوي الشهداء التي بدأت من 20 كتاب وحتى 500 كتاب لعائلة الشهيد الواحد والتي شكلت إضافة نوعية للمكتبة. 
كتب مطبوعة تتراوح أعمارها بين 70-80 سنة ومنهم ما تجاوز القرن، فيما شكّل بعض الكتب الناجية إرثًا وتراثًا فلسطينيًا حيث طُبعت في غزة قبل عام الـ48، لتمسي كنزًا يقاوم محاولات الاحتلال طمس المعرفة الوطنية عبر تدميره الكامل لـ9 مكتبات عامة من أصل 80 مكتبة في القطاع وفقًا لبيان الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة الثقافة الفلسطينية في مارس/آذار 2024. 
قرابة الـ4 أشهر من التجهيز كلف فيها شراء البرغي الواحد يومين من البحث، فيما استعان حمد بصديقه المهندس ليساعده في تحويل أفكاره إلى واقع في محاولة حثيثة لاستعادة الاهتمام بالكتاب. 
ويرى حمد أن الكتاب أفضل وسيلة للتعافي في زمن المعابر المغلقة؛ مؤكدًا على أن المكتبة جزءًا لا يتجزأ من المقاومة، داعيًا الجمع الغزي إلى توثيق الإبادة بكل فتراتها دون اشتراط الخبرة في ظل تفنن الاحتلال بسرقة الرواية الفلسطينية؛ وإلصاقها بالرواية الإسرائيلية. 
وفي محاولة للتوثيق، كلّل حمد اهتمامه بالقراءة عبر إصدار كتابين أحدهما نُشر باللغة الإنجليزيةNamless" Remains" "أشلاء بلا أسماء/ بقايا مجهولة"، وآخر تم ترجمته إلى اللغة اليابانية "Omars Diaries". 
بقاء المكتبة واستمرار عطائها يواجه تحديات يومية أبرزها ارتفاع التكاليف التشغيلية للكهرباء والماء إلى جانب الإيجار، في الوقت الذي يطمح فيه حمد إلى تحويل المكتبة لصرحٍ ثقافي يضم الكتاب والفن وما بينهما من الأدوات الثقافية. 
وترى نونياز أبوراس"21 ربيعًا" أن هدوء المكان مثالي لإنجاز متطلباتها الدراسية في مجال الهندسة، كما يمنحها فسحة للتثقف بحرية بعيدًا عن صخب الحرب، حيث وجدت ضالتها بين المؤلفات بدءًا من التاريخ القديم وليس انتهاءً بأحدث الكتب. 
وترى أبوراس أن الكتاب ينقلها إلى عوالم أخرى، مضيفةً "الحرب أفقدتنا الكثير من الأماكن، لكن القراءة هي الشيء الوحيد التي لا يستطيع أحد إيقافنا عنها". 
وأكدت أبوراس على أهمية حفظ الوعي بالتدوين، لافتةً إلى أن المكتبة تدعم بشدة إصدارات الشباب الفلسطيني وتمنحهم إلهامًا حقيقيًا وسط حرصها على التحديث الدوري للكتب. 
بدوره أكد الكاتب ناهـض زقـوت المدير العام الأسبق لمركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق على دور إنشاء المكتبات العامة في حفظ التراث الأدبي والثقافي ونقل الإدراك للأجيال القادمة، معربًا عن سعادته بوجود مكتبة العنقاء التي تمنح الأمل في انبعاث ثقافي من جديد. 
ووسط ضحالة المشهد الثقافي في زمن الحرب، اعتبر زقوت مكتبة العنقاء قمة الإنجاز المعرفي من خلال ما تتيحه من فرص كفيلة بجعل الفرد مُلمًا بقضايا مجتمعه لاسيما وأن المكتبة فضاء حي يربط الماضي بالحاضر ويصنع المستقبل. 
وأشار زقوت إلى تعمد الاحتلال تدمير القطاع الحضاري حيث طال الخراب مئات المباني ذات الأهمية التاريخية والثقافية والمعرفية، من بينها مكتبات الجامعات والبلديات، ومكتبة مركز رشاد الشوا الثقافي، والتي خسر القطاع على إثرها عشرات آلاف الكتب. 
وبينما فقدت مكتبة المسجد العمري الكبير 192 مخطوطة تاريخية نادرة وفقًا لبيان المكتبة الوطنية الفلسطينية في مارس/آذار2025، شدّد زقوت على ضرورة حفظ النسخ الفريدة من المخطوطات التي تمثل جذور الدراية الإنسانية والدينية والعلمية. 
كما ولفت زقوت إلى ديدن إسرائيل في تدمير وسرقة الموروث الثقافي من أجل خلق جيل جاهل منذ عام 1948 حيث تمكنت من الاستيلاء على أكثر من 30 ألف كتاب ومخطوطة من المكتبات الفلسطينية ونقلتهم للمكتبة الوطنية الإسرائيلية في الجامعة العبرية. 
وشدد زقوت أن المثقف يقاوم بقلمه في ظل حرب الإبادة المعرفية التي يتعزز فيها دور المكتبة في إثراء المشهد التعليمي وجذب الطلاب إلى المكتبة للاطلاع والقراءة، كبديل عن المدرسة التي دمرت أو تحولت لمأوى للنازحين، مشددًا على أن الثقافة هي حارسة الحلم الفلسطيني. 
في غزة لم تعد العنقاء مجرد مكتبة حين باتت الأسطورة لا تستدعي الخيال بل تنفض غبار الموت لتمنح الحياة بين دفتي كتاب، تمامًا كما تحمي المعرفة وتستعيدها رغم الخراب في سبيل حراسة الذاكرة والمستقبل. 




 

تعليقات