القاهرة – فلسطين24 | ما وراء الخبر
تشهد العاصمة المصرية القاهرة حراكًا سياسيًا فلسطينيًا جديدًا، هو الثاني خلال أقل من أسبوع، في محاولة لإعادة تحريك ملف المصالحة الوطنية وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، عقب تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية إلى 11 سبتمبر/أيلول 2027، بدلًا من موعدها السابق في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
ويأتي هذا الحراك في مرحلة سياسية حساسة، تتزايد فيها التساؤلات بشأن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وإمكانية تجاوز الانقسام المستمر منذ سنوات، ومدى قدرة الفصائل على التوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، بدلًا من الاكتفاء بإعلانات سياسية جديدة.
أربع فصائل على طاولة المشاورات
بحسب مصادر فلسطينية مطلعة، فإن وفودًا من حركات فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تشارك في سلسلة لقاءات ثنائية وجماعية بالقاهرة، تمهيدًا لعقد حوار وطني أوسع بمشاركة مختلف القوى الفلسطينية.
وتركز المشاورات على تحديد الأطراف المشاركة في الحوار المرتقب، وصياغة جدول أعماله، إلى جانب مناقشة ملفات منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني ومستقبل المؤسسات السياسية.
وتشير المعلومات المتداولة إلى احتمال توجيه دعوة رسمية لعقد حوار وطني شامل برعاية مصرية، مع إمكانية مشاركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
غير أن الوصول إلى هذه المرحلة يبقى مرتبطًا بنتائج المشاورات الجارية، وقدرة الأطراف على معالجة القضايا الخلافية.
الخلاف يبدأ من قائمة المشاركين
تواجه التحضيرات للحوار الوطني عقبة تتعلق بتحديد القوى والفصائل التي ستشارك فيه.
ووفقًا لمصادر فلسطينية، تتمسك حركة فتح برفض مشاركة التيار الإصلاحي الديمقراطي الذي يقوده محمد دحلان، إلى جانب عدد من الفصائل الفلسطينية الصغيرة التي ظهرت خلال انتفاضة الأقصى الثانية.
وفي المقابل، تدفع فتح باتجاه مشاركة جميع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الإطار السياسي الجامع والمعترف به لتمثيل الشعب الفلسطيني.
ويكشف هذا الخلاف عن إشكالية تتجاوز أسماء المشاركين، لتصل إلى طبيعة التمثيل السياسي، والجهة المخولة بتحديد الأطراف التي يحق لها المشاركة في صياغة مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
منظمة التحرير والمجلس الوطني في قلب النقاش
لا تقتصر المشاورات على ملف المصالحة بين فتح وحماس، بل تمتد إلى قضايا إعادة ترتيب منظمة التحرير الفلسطينية، وآليات تشكيل المجلس الوطني، وشروط انضمام القوى غير المنضوية تحت مظلتها.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة في ظل مطالبات فلسطينية متكررة بتطوير مؤسسات المنظمة، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتجديد الشرعيات من خلال الانتخابات.
وتطرح هذه النقاشات سؤالًا جوهريًا: هل تتجه الفصائل نحو اتفاق يعيد بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس توافقية وديمقراطية، أم أن الحوار سيقتصر على معالجة الخلافات القائمة دون إحداث تغييرات جوهرية؟
فتح: المطلوب تفاهمات قابلة للتنفيذ
وفي تصريحات أكد المتحدث باسم حركة فتح عبد الفتاح دولة أن اللقاءات الجارية في القاهرة تأتي استكمالًا للمشاورات السابقة، وتهدف إلى تهيئة الظروف للشروع في حوار وطني شامل.
وشدد دولة على ضرورة توافر إرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف، والانتقال من إدارة الخلافات إلى معالجتها، مع الاتفاق على آليات تنفيذ واضحة وجداول زمنية ولجان متابعة.
وأشار إلى أهمية ترجمة أي تفاهمات إلى خطوات عملية تشمل إدارة قطاع غزة، وتوحيد المؤسسات الفلسطينية، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية وتشاركية، وصولًا إلى تجديد الشرعيات عبر الانتخابات عندما تتوافر الظروف المناسبة.
الدور المصري.. رعاية الحوار أم ضمان تنفيذه؟
تواصل القاهرة جهودها لتقريب وجهات النظر بين الفصائل الفلسطينية، مستفيدة من دورها في استضافة جولات الحوار السابقة، وعلاقاتها مع مختلف الأطراف.
وبحسب المصادر الفلسطينية، فإن هناك آمالًا فلسطينية بأن تسهم الرعاية المصرية في دفع الفصائل نحو اتفاق وطني شامل، خصوصًا بعد تأجيل الانتخابات.
لكن التحدي لا يتعلق بمجرد جمع الفصائل على طاولة واحدة، بل بقدرتها على التوصل إلى اتفاقات واضحة بشأن إدارة المرحلة المقبلة، وآليات تنفيذها، والجهات المسؤولة عن متابعة الالتزامات.
وتتزامن هذه التحركات مع تأكيد مصر استمرار جهودها لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة، ودعم إعادة الإعمار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي.
ما وراء الخبر.. ثلاثة ملفات تحدد مسار الحوار
يمكن قراءة الحراك الفلسطيني الجديد في القاهرة من خلال ثلاثة ملفات رئيسية:
أولًا: مستقبل الانقسام الفلسطيني. إذ يمثل التوصل إلى صيغة متفق عليها لإدارة قطاع غزة وتوحيد المؤسسات اختبارًا أساسيًا لجدية أي اتفاق جديد.
ثانيًا: إعادة ترتيب النظام السياسي. وتشمل هذه المسألة مستقبل منظمة التحرير، وتشكيل المجلس الوطني، ومدى استعداد الفصائل للاتفاق على قواعد تمثيل سياسي أوسع.
ثالثًا: الانتخابات وتجديد الشرعيات. فبعد تأجيل الاستحقاق الانتخابي إلى سبتمبر 2027، يبرز التساؤل حول إمكانية استثمار الفترة المقبلة في معالجة العقبات السياسية والتنظيمية التي تعترض إجراء الانتخابات.
وتبقى إمكانية تشكيل إطار قيادي مؤقت لمنظمة التحرير أو حكومة وحدة وطنية من بين السيناريوهات المطروحة للنقاش، دون وجود اتفاق معلن بشأن أي منها حتى الآن.
هل تنجح القاهرة في تحقيق اختراق؟
تعكس عودة الفصائل الفلسطينية إلى القاهرة إدراكًا متزايدًا للحاجة إلى معالجة الانقسام وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، لكنها لا تعني بالضرورة اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي.
فالتجارب السابقة أظهرت أن التفاهم على المبادئ العامة لا يكفي ما لم يترافق مع التزامات عملية وآليات تنفيذ واضحة.
وبين الخلاف على المشاركين، والنقاش بشأن منظمة التحرير، ومستقبل إدارة غزة، وتجديد الشرعيات، ستحدد نتائج لقاءات القاهرة ما إذا كان الحراك الحالي بداية لمسار سياسي مختلف، أم جولة جديدة من المشاورات التي تنتظر توافقًا لم يتحقق بعد.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول مشاورات القاهرة هذه المرة إلى خطوات تنهي الانقسام، أم تستمر الخلافات في تأجيل إعادة بناء البيت الفلسطيني؟





