وكالة فلسطين 24 الإخباريةالبث المباشر
EN
عاجل
1/3
تقارير وتحقيقات

أمومة مع وقف التنفيذ.. الحضانة تضيع في خيام غزة

أحكام حضانة معلّقة.. وأمهات ينتظرن أطفالهن في خيام غزة

ف
فريق التحرير — فلسطين 24
7 دقائق
حجم الخط:
Xواتساب
أمومة مع وقف التنفيذ.. الحضانة تضيع في خيام غزة
المصدر: فلسطين 24

أمهات في غزة حصلن على أحكام قضائية بالحضانة أو رؤية أطفالهن، لكن الحرب وتعطل آليات التنفيذ والنزوح المستمر أبقت بعضهن بعيدًا عن صغارهن، فيما تحولت الأوراق القضائية إلى حقوق يصعب تنفيذها على الأرض.

غزة — آية راجي | فلسطين24

أصابعها المرتعشة تتشبث بملف ورقي يحمل عبارات قضائية جافة، بينما يرتفع صوتها مخنوقًا ببكاء تحاول كتمه: «لقد رأيته في المحكمة اليوم.. لكنه أقسم ألا أرى أطفالي!».

في تلك الزاوية، لم تكن «هبة»، 30 عامًا، مجرد امرأة تجري اتصالًا هاتفيًا عاديًا، بل أمًا تحمل أوراقًا تقول إن لها حقوقًا قانونية، بينما يخبرها واقع الحرب أن الوصول إلى أطفالها الأربعة أكثر تعقيدًا من حكم مكتوب ومختوم.

عينان متورمتان أجهدهما السهر والخوف، ووجه شاحب ترك النزوح عليه أثره.

على بعد أمتار تنتظرها خيمة عشوائية في أرض «الكتيبة» بمدينة غزة، نزحت إليها بعدما دُمر منزلها في بيت حانون. تتقاسم الخيمة مع والدها المسن ووالدتها وأبناء أخيها الذي استشهد، إلى جانب أبناء شقيقها الآخر المصاب الذي ينتظر فرصة للعلاج خارج القطاع.

وسط هذا الشتات العائلي، تخوض الخريجة الجامعية، المتخصصة في تربية اللغة العربية، معركة أخرى: الوصول إلى أطفالها الأربعة.

«القانون أوراق ميتة»

لم تكن هبة تتخيل، وهي تصر على الطلاق خلال الحرب بعد سنوات تقول إنها شهدت تعنيفًا وخيانات وتخلي الزوج عن إعالة أطفاله، أن انفصالها سيقود إلى ابتعادها عنهم.

تقول هبة وهي تقلب أوراقها الرسمية:

«قبل الحرب، كان يعاملني بطريقة مقبولة، لكن هول القصف أيقظ فيه توحشًا غريبًا. كان يعنفني أمام أطفالي ويتركهم جياعًا. ظننت أن القانون سيحميني إذا تطلقت، لكنني اكتشفت أنني دخلت نفقًا بلا مخرج».

تفتح حقيبتها وتخرج أوراقًا أخرى تحمل أختامًا قضائية. عادت المحاكم الشرعية في غزة للعمل بصورة جزئية خلال الحرب، لكن هبة تقول إن المشكلة بالنسبة إليها لم تعد في الحصول على القرار القضائي، وإنما في تنفيذه.

وتضيف:

«ما فائدة أن يعطيني القاضي حق المشاهدة أو الحضانة بينما لا توجد شرطة تنفذ القرار؟ طليقي يعلم ذلك جيدًا ويستغل هذا الفراغ ليحرمني من أطفالي الأربعة».

بالنسبة إلى هبة، لم يعد الملف الذي تحمله دليلًا كافيًا على قدرتها على ممارسة حقها؛ فالفجوة بين الحكم وتنفيذه أصبحت جوهر معركتها اليومية.

عناوين تمحوها حركة النزوح

تقول نجلاء أبو مرسة، مشرفة الملتقى الأسري في مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة، إن عودة المحاكم إلى العمل الجزئي لم تُنهِ العقبات التي تواجه تنفيذ بعض الأحكام الأسرية.

وتشير إلى أن تعطل عمل الشرطة القضائية وتضرر البنية التنفيذية خلال الحرب انعكسا على قدرة أمهات على رؤية أطفالهن وتنفيذ الأحكام الصادرة لصالحهن.

ولا تتوقف المشكلة عند غياب التنفيذ؛ فالنزوح المتكرر وتغير أماكن إقامة العائلات داخل المخيمات يزيدان صعوبة الوصول إلى الأطراف وتبليغهم قضائيًا.

وفي قطاع تتغير فيه عناوين الأسر مع كل موجة نزوح، يمكن لخيمة أُقيمت اليوم أن تختفي غدًا، ويمكن للعائلة أن تنتقل من شمال القطاع إلى جنوبه أو وسطه، تاركة خلفها عنوانًا لم يعد موجودًا.

أحكام قضائية تذروها الرياح

في خيمة قماشية على أرض ترابية في دير البلح، تتكرر القصة بملامح مختلفة.

تجلس «سمية»، 32 عامًا، وهو اسم مستعار اختارته خشية تداعيات اجتماعية، وهي تحتضن ملفًا قضائيًا تآكلت أطرافه واصفرت أوراقه بفعل الرطوبة وظروف النزوح.

نزحت سمية من بيت لاهيا شمال قطاع غزة تحت القصف، ثم انتقلت إلى مراكز إيواء مكتظة في رفح، قبل أن ينتهي بها النزوح في دير البلح برفقة عائلتها الكبيرة ووالدها الذي فقد القدرة على الحركة.

تضع يديها فوق الملف وتقول:

«عندما هربنا من بيت لاهيا تحت القصف، لم أحمل معي ملابسي ولا ذهبي.. كل ما أخذته هو هذا الملف. ظننت أنه درعي. انظري إليه الآن! مجرد حبر على ورق».

طلقت سمية قبل الحرب بعام، ولديها أربعة أطفال. بقي طفلان، عمرهما ست وثماني سنوات، معها قبل الحرب، بينما عاش طفلاها الأكبر سنًا، 10 و11 عامًا، بعيدًا عنها.

تسحب من جيب ثوبها هاتفًا قديمًا بشاشة متصدعة، وتحاول تمرير إصبعها فوق الزجاج المكسور لتقليب صور تجمعها بطفليها الأكبرين.

تتوقف عند صورة لهما في أحد الأعياد، تحدق فيها طويلًا، ثم تقبّل شاشة الهاتف.

وتستعيد أيام الشتاء الأول للحرب وشهر رمضان قائلة:

«كنت أبكي ليلًا خوفًا من أن أموت بالقصف قبل أن أرى وجهيهما. توسلت لوالدي ليكلم طليقي، فجاءني الرد: الأولاد لأبيهم.. احمدي الله أنه ترك معك اثنين».

وتقول إن محاولات تدخل الأقارب والعائلة لم تنجح في إعادة التواصل الطبيعي مع طفليها.

عشرة أشهر من انتظار خبر

عاشت سمية، وفق روايتها، أكثر من عشرة أشهر من القلق وانقطاع الأخبار عن طفليها الأكبرين قبل أن يساعدها أحد أقاربها في تحديد مكان نزوحهما مع والدهما.

لكن معرفة المكان لم تعنِ استعادة التواصل.

تقول إنها استطاعت رؤيتهما مرتين فقط، مصادفة ودون علم والدهما.

وتقارن بين وضعها قبل الحرب وما تعيشه الآن:

«قبل الحرب، إذا تأخر في إحضار الأطفال للزيارة الأسبوعية كنت أشتكي للشرطة وأسترجع حقي. اليوم لا أستطيع فعل ذلك».

وتضيف أن فقدان شقيقها الأكبر خلال الحرب، إلى جانب تقدم والدها في السن، جعلا قدرتها على طلب المساندة العائلية أكثر محدودية.

لكن أصعب اللحظات بالنسبة إليها تأتي عندما تسمع أصوات القصف بالقرب من المنطقة التي يقيم فيها أطفالها.

تقول والدموع تنهمر من عينيها:

«طليقي ينزح بالأطفال في منطقة الزوايدة. كلما سمعت انفجارًا هناك يتوقف قلبي، وأخرج إلى الشارع وأنا لا أعرف ماذا أفعل».

عبد السلام.. قطة تحمل ذكرى الأم

لا تتوقف آثار النزاع على الحضانة عند الأمهات.

في أحد مخيمات النزوح في غزة، يبحث الطفل «عبد السلام»، 6 سنوات، بين الخيام عن قطته الصغيرة.

بالنسبة إليه، وفق أفراد من عائلته، ليست القطة حيوانًا أليفًا فقط، بل آخر هدية بقيت معه من والدته التي ابتعد عنها بعد طلاق والديه.

تروي «ملاك»، وهي ابنة عم والد الطفل، أن تعلق عبد السلام بالقطة أصبح جزءًا من حياته اليومية.

وتقول:

«في كثير من الأيام يوقظنا في الثالثة فجرًا لنبحث عنها. لا يستطيع النوم من دونها. بالنسبة إليه ليست مجرد قطة؛ إنها الهدية الوحيدة التي بقيت له من أمه».

تحاول ملاك وعائلتها رعاية الطفل، لكنها تقول إنهم يدركون أن الرعاية العائلية لا تعوض غياب والدته.

وتضيف:

«أنا وعائلتي نحاول رعايته، لكن لا شيء يمكن أن يعوض مكان الأم».

وبحسب ملاك، حاول أفراد العائلة التدخل لدى والد الطفل للسماح له بالإقامة مع والدته أو تمكينها من رؤيته بصورة منتظمة، لكن تلك المحاولات لم تنجح.

وتنتقد استخدام الطلاق مبررًا لمعاقبة الأم بحرمانها من طفل

تقارير ذات صلة