فلسطين24: غزة_ ملاك عودة .
تحت شمس النصيرات، تمضي ثريا عوض الله في طريقها إلى المعهد الموسيقي إدوارد سعيد الوطني ، الطريق ليست قصيرة وحرارة الشمس تزيد من مشقتها، لكنها تواصل السير رغم التعب وتسترجع في ذاكرتها الأغاني التي ستغنيها حينتصل إلى المعهد.
وكلما اقتربت من المعهد، اقترب معها الموعد الذي تنتظره بحماس ، دقائق وتجلس فيها أمام العود، آلتها المفضلة .
ثريا، البالغة من العمر 16 عامًا، من مخيم المغازي وتقيم اليوم في النصيرات بعد نزوحها من المخيم. تستعد هذا العام لامتحانات الثانوية العامة"التوجيهي" وبين الدراسة والامتحانات تجد وقتًا للمجيء إلى المعهد، حيثت تغني وتعزف وفي أيام الحرب، حين غابت المدارس وكثير من الأشياء التي يمكن أنينشغل بها الأطفال والشباب، أصبحت الآلة بالنسبة إليها وسيلة للترفيه وقضاء الوقت. تقول ثريا: "العود كتير غيرني… الآلة بترفه عني كتير".
ولم يبقَ ما تتعلمه ثريا داخل المعهد. في البيت، تجلس عائلتها حولها وهيتعزف وتغني معها ، يمسك والدها العود أحيانًا ويحاول العزف عليه، فيما تراقب شقيقاتها الصغيرات ما تفعله بفضول جميل .
تقول ثريا: "ضافت الموسيقى شوية بهجة كمان على البيت"
لم تصل أنشطة معهد إدوارد سعيد إلى الأطفال الذين يستطيعون الوصول إلى مقره فقط. خلال الحرب، خرجت بعض هذه الأنشطة إلى أماكن النزوح،ووصلت إلى أطفال يعيشون يومهم في ظروف مختلفة تمامًا
رهف سليم ، 12 عامًا، نزحت من جحر الديك إلى مدينة غزة، وتقيم اليوم فيشارع 20 بالنصيرات. تعرّفت إلى معهد إدوارد سعيد من خلال الأنشطة الترفيهية في مدرستها، ثم انضمت إلى فريق الغناء الجماعي.
قبل الحرب، كان لرهف بيتها ومكانها الخاص؛ مساحة تجلس فيها وحدهاوتفرّغ ما بداخلها. لكن النزوح أخذ منها البيت، ومعه المكان الذي اعتادت أن تلجأ إليه.
لم تعد تجد المساحة التي تستطيع فيها أن تفعل شيئًا تحبه، إلى أن وجدتفي المعهد مكانًا آخر.
تأتي رهف إلى الأنشطة، تغني، وتمنح نفسها وقتًا بعيدًا عن تفاصيل يومها. وحين تُسأل عمّا يحدث لها عندما تصل إلى المعهد، تقول: "لما أجي أنا خلص برتاح"
وتصف رهف ما تشعر به خلال وجودها هناك: "بتنسي حالك، بتنسى الدنيا ، بتنسي العالم".
لا ينتهي أثر المعهد عند الغناء والتدريب. تقول رهف إن وجوده غيّر علاقتهابمن حولها فبعدما كانت تميل إلى البقاء وحدها، أصبحت أكثر انفتاحًا.
لكن ما تتمسك به رهف أكثر من أي شيء آخر، هو أنها وجدت في المعهد مكانا تستطيع أن تكون فيه كما تريد مساحة فقدتها مع بيتها، واستعادتها بين الموسيقى والغناء.
تشرف شيرين زيدان على أنشطة الغناء الجماعي والكورال في معهد إدواردسعيد
قبل الحرب، كان عملها يتركز على تدريب الأطفال على التقنيات الصوتية وإعداد الجوقات لكن الحرب غيّرت ما يحتاجه الأطفال، وغيّرت معه طبيعة دورها .
تقول شيرين زيدان "تحول دوري من أستاذة تدرب على التقنيات الصوتية وإعداد الجوقات ، إلى مسؤولة عن إدارة مساحات للتعافي والدعم النفسي "
وامتدت الأنشطة التي تشرف عليها من معهد إدوارد سعيد إلى مراكز الإيواء وأماكن النزوح وفي بعض الأيام، لا يكون التدريب هو النشاط الرئيسي .
تقول: "في لحظات كثيرة، عند اشتداد القصف يصبح الغناء الجماعي لتهدئة الخوف أهم بكثير من الالتزام بتدريبات النوتة أو الإيقاع"
لم تعد علاقة شيرين بالطلاب محصورة في الدرس. تقول: "ذابت الحواجزالرسمية. العلاقة اليوم قائمة على التضامن الإنساني العميق والمواساة المتبادلة "
وامتد الغناء أيضًا إلى الصحفيات، من خلال جوقة تشارك فيها صحفيات يواصلن نقل ما يحدث تحت ضغط الحرب. وبين الأطفال والصحفيات، وجدت شيرين زيدان في استمرار الجوقات مساحة لمواصلة العمل، تقول: "رؤية الابتسامةعلى وجوه الأطفال في مراكز الإيواء، وسماع أصوات الجوقة وهي تتغلبعلى الخوف، يمنحاني طاقة أمل ومعنى حقيقيًا للتمسك بالحياة".
تركت ماسا السريدي عودها في منزلها حين نزحت، ثم عادت لتعرف أن الآلة التي رافقتها لسنوات لم تعد موجودة. أخبرها أهلها أن قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي أخذتها. لم يكن فقدان العود فقدان آلة موسيقية وحسب ! فقد كان انقطاعًا عن جزء أساسي من حياة بدأت معها منذ الطفولة.
ماسا، 19 عامًا، من النصيرات ،بدأت علاقتها بالموسيقى في العاشرة من عمرها ، وكانت الموسيقى حاضرة في حياتها ومدرستها قبل التحاقها بمعهدإ ادوارد سعيد. لذلك، كان انقطاعها عنها خلال الحرب ثقيلًا عليها. تقول: "تأثير انقطاع الموسيقى عني لم يكن سهلا ، لأن كل حياتي كانت مرتبطة بالموسيقى "
وبعد عامين من فقدان عودها، استطاعت ان تشتري عودًا جديدًا وعادت إلى الفن. ولم يؤدِ انقطاعها عن الموسيقى إلى الابتعاد عنها، بل زاد تعلقها بها،تقول: "زاد حبي للفن بعدما شعرت إنه انقطع عني، وصرت متمسكة به اكثر من قبل "
وتمنح ماسا الموسيقى معنى يتجاوز التدريب والعزف فهي تراها وسيلة للتعبير عن الذات، في الحزن والفرح. تقول: " اشعر ان الموسيقى وسيلة تفريغ سواء عن الحزن أو الفرح هو وسيلة للتعبير عن النفس ".
وحين تتخيل الموسيقى في صورة إنسان، تصف علاقتها به بالامتنان: "أنا ممتنة له جدًا لوجوده في حياتي" .
بعد أن انقطعت ماسا عن الموسيقى بفعل الحرب، لم يكن أستاذها بعيدًا عن التجربة نفسها. د. إسماعيل داوود، المشرف الأكاديمي في معهد إدوارد سعيد وأستاذ العود والنظريات الموسيقية، ابتعد هو الآخر عن آلته لنحوثمانية أشهر.
قبل الحرب، كان يدرّس في المعهد العود والنظريات والمقامات وتاريخ الموسيقى العربية. لكن النزوح أخرجه من قاعة الدرس إلى مسؤوليات أخرى. نزح إلى مخيم النصيرات، في منطقة قريبة من محور نتساريم، ثم انتقل إلى المواصي في خان يونس. يقول: " أصبحت مهامي البحث عن المياه وتوفير متطلبات البيت الأساسية فقط ".
يقول: "أول لحظة أمسكت فيها آلة موسيقية ذرفت عيني ، نعم بكيت "
ثم يضيف: " شعرت أنني فقدت شيئا كبيرا جدًا"
لم تكن تلك اللحظة مجرد عودة إلى العزف. يقول الدكتوور إسماعيل: "شعرت هذا جزء من الدعم النفسي لي أنا ، ثم أعكسه على طلابي " ومع عودته إلى العزف والغناء معهم، وجد أن الموسيقى تمنحه لحظات من الفرح والابتعاد عن أجواء الحرب.
و لم تكن الموسيقى ملاذًا لطلابه وحدهم. حين يذهب إسماعيل إلى المعهد،يخرج من مسؤوليات البيت إلى مساحة أخرى ، يجلس مع الأطفال، يعزفويغني معهم، ويجد في التعليم نفسه ما يساعده على الاستمرار.
ويقول: "التعليم الموسيقي هو ملاذي الوحيد " .لم يكن ابتعاد إسماعيل داوود عن الموسيقى خلال الحرب سوى جزء من التغيير الذي أصاب المعهد نفسه. فالمكان الذي كان يجمع الطلاب والمدرسين قبل الحرب دُمّر، وانتقلت الأنشطة إلى مساحات مؤقتة، قبل أن يستأنف المعهد عمله في مقر بديل في النصيرات تم افتتاحه في مارس 2026
تأسس فرع معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى في غزة عام 2012، وكان مقره في تل الهوى وفي تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعرض المقر لقصف مدفعي مباشر أدى إلى تدميره بالكامل، وفقدان الآلات الموسيقية والأرشيف والمعدات التقنية التي احتفظ بها المعهد خلال سنوات عمله. بعدها، انتقل الكادروالطلاب إلى خيام النزوح ومراكز الإيواء، واستؤنفت الأنشطة الموسيقية تدريجيًا، قبل الانتقال إلى مقر بديل في النصيرات وسط قطاع غزة.
يتابع جبر ثابت، منسق دائرة الوسطى في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، هذا التحول في عمل المعهد. ويقول إن الاستمرار خلال الحرب انطلق من محاولة الحفاظ على الإنسان أولًا، وعلى حق الأطفال في عيش لحظات طبيعية رغم الظروف المحيطة بهم يقول " نحن نحاول ان نحافظ على الإنسان قبل أي إشي. نحافظ على الأطفال وعلى حقهم إنهم يعيشوا لحظات طبيعية حتى كان كل شيء منحوالنا غير طبيعي .
لم يعد دور المعهد مقتصرًا على استمرار التعليم الموسيقي؛ فقد فرضت الحرب أنشطة ومساحات تتيح للأطفال التعبير واللقاء، والابتعاد ولو مؤقتًاعن تفاصيل حياتهم اليومية. ويقول ثابت:" عندما يغني او يعزف طفل وسط الحرب هو بشكل أو بآخر يتمسك بالحياة"
مضيفًا أن الفن والتعليم اصبح مساحة نتنفس بها ونخرج بها كل المشاعر المكبوتة التي بداخلنا" .
خسر المعهد أماكن ومرافق وآلات ومساحات اعتاد الطلاب الاجتماع فيها،لكن ثابت يرى أن الخسارة الأكبر تمثلت في الإحساس بالأمان والاستقرارومع ذلك، بقيت العلاقة بين المعهد والأطفال والموسيقى قائمة، حتى مع تغيرالمكان والظروف. يقول " استطعنا ان نحافظ على الروح ، روح المعهد وعلاقتنا بالأطفال وإيماننا إنه الموسيقى لها قوة كبيرة
ومع الحرب، لم تعد الموسيقى داخل المعهد تعليمًا فنيًا فقط، بل أصبحت وسيلة لمساعدة الأطفال على التعبير عما يمرون به.
الموسيقى اليوم ليست تعليم فقط ،أصبحت وسيلة نساعد بها الأطفال ان يعبروا عن خوفهم وألمهم وعن شعورهم بالأمان ولو لفترة قصيرة .
الفن في زمن الإبادة… ملاذ للإنسان وطريق للنجاة
بعد تدمير مقره في غزة.. الموسيقى تتحول إلى مساحة للتعافي والأمل بين الأطفال والشباب في زمن الحرب
ف
فريق التحرير — فلسطين 24
6 دقائق
ألبوم صور التقرير (4 صور)
1 / 4

تقارير ذات صلة




