فلسطين24 | ما وراء الخبر
لم يعد الجدل الإسرائيلي بشأن الإخفاق الذي سبق هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 مقتصرًا على أداء الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية، بل امتد مجددًا إلى القرارات السياسية التي رسمت طريقة التعامل مع قطاع غزة وحركة حماس خلال السنوات السابقة للهجوم.
فقد كشف تحقيق نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، عن وثائق رسمية وملاحظات بخط يد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تشير، وفق الصحيفة، إلى أن سياسة الحكومات الإسرائيلية قامت على احتواء حماس والإبقاء على حكمها في قطاع غزة، مع تجنب الدخول في مواجهة عسكرية واسعة تهدف إلى إسقاطها.
وتكتسب هذه الوثائق أهميتها من أنها تضع التوجيهات السياسية السابقة للهجوم في مواجهة الرواية التي قدمها نتنياهو لاحقًا بشأن مسؤولية المؤسسة الأمنية عن الإخفاق.
سياسة الاحتواء.. قرار سياسي أم تقدير أمني؟
بحسب التحقيق، تكشف وثيقة أعدها مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في أبريل/نيسان 2024، وتضم 92 صفحة، أن المستوى السياسي وجّه الأجهزة المختصة نحو الحفاظ على حماس بوصفها سلطة حاكمة فاعلة في غزة، مع تأجيل المواجهات العسكرية الكبرى والاكتفاء بعمليات محدودة.
وهنا تبرز نقطة جوهرية: إذا كانت سياسة الاحتواء قد اعتُمدت بتوجيه من القيادة السياسية، فإن مناقشة أسباب الإخفاق لا يمكن حصرها في أداء الجيش وجهاز الأمن الداخلي «الشاباك».
فالسياسات الأمنية لا تتشكل داخل المؤسسات العسكرية وحدها، بل تتأثر بالأهداف التي تحددها الحكومة، وبحدود العمليات المسموح بها، وبالأولويات التي تضعها القيادة السياسية.
وبذلك يطرح التحقيق سؤالًا يتجاوز طبيعة التقديرات الاستخباراتية: هل أسهمت القرارات السياسية في ترسيخ تصور أمني قلّل من احتمالات وقوع هجوم واسع؟
تحذيرات سبقت الهجوم
يشير التحقيق إلى أن رئيس الشاباك السابق رونين بار رفع في يوليو/تموز 2023 وثيقة حذّر فيها من تنامي قوة حماس وتعزيز سيطرتها على قطاع غزة، ودعا إلى اعتماد سياسة أكثر هجومية.
لكن نتنياهو، وفق الوثائق التي استندت إليها الصحيفة، أعاد المذكرة مع ملاحظات بخط يده شدد فيها على أن تحديد الاستراتيجية الوطنية يقع ضمن صلاحيات القيادة السياسية.
وتبرز أهمية هذه المراسلات في أنها قد تساعد على تحديد ما إذا كانت القيادة السياسية قد تلقت تحذيرات بشأن تطورات الوضع في غزة، وكيف تعاملت معها.
غير أن وجود التحذيرات بحد ذاته لا يثبت أن الهجوم الذي وقع لاحقًا كان متوقعًا بتفاصيله أو أن قرارًا بعينه كان كافيًا لمنعه.
من يتحمل مسؤولية 7 أكتوبر؟
منذ وقوع الهجوم، تصاعد الخلاف داخل إسرائيل بشأن توزيع المسؤولية بين الحكومة والمؤسسة العسكرية والأجهزة الاستخباراتية.
ويضيف تحقيق «يديعوت أحرونوت» بُعدًا جديدًا لهذا الخلاف، عبر ربط السياسات الحكومية طويلة المدى بالتصورات العملياتية التي تبناها الجيش.
فبحسب ما أوردته الصحيفة، تضمنت الوثائق إشارات إلى إبقاء غزة ساحة ثانوية، وتجنب التصعيد الواسع، والحفاظ على التهدئة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2023.
وإذا ثبتت دقة هذه الوثائق وسياقاتها، فإنها قد تشكل مادة مهمة لأي تحقيق رسمي مستقل يبحث في العلاقة بين التوجيهات السياسية والجاهزية العسكرية والاستخباراتية.
ومع ذلك، يبقى التمييز ضروريًا بين المسؤولية عن اعتماد سياسة أمنية معينة، والمسؤولية المباشرة عن الإخفاق في رصد هجوم محدد أو منعه.
صراع على الرواية والوثائق
لا تقتصر تداعيات التحقيق على إعادة قراءة القرارات السابقة للهجوم، بل تمتد إلى الصراع الإسرائيلي بشأن الجهة التي تملك صلاحية التحقيق في الإخفاق وتحديد المسؤوليات.
فقد اتهم التحقيق نتنياهو ومقربين منه بمحاولة تكريس رواية تحمل الأجهزة الأمنية المسؤولية الأساسية، وبالعمل على منع تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة.
وهذه اتهامات أوردتها الصحيفة، ولا تكفي وحدها لإثبات وجود محاولة متعمدة لإخفاء الأدلة أو تعطيل المحاسبة دون فحص مستقل للوثائق والوقائع وردود الأطراف المعنية.
لكن استمرار الخلاف حول آليات التحقيق يعكس أهمية السؤال المتعلق باستقلالية الجهة التي ستراجع القرارات السياسية والأمنية التي سبقت الهجوم.
ماذا تكشف الوثائق فعلًا؟
تكمن القيمة الأبرز للتحقيق، وفق المعلومات التي نشرتها الصحيفة، في أنه ينقل النقاش من تبادل الاتهامات السياسية إلى فحص مراسلات ووثائق تتعلق بصناعة القرار.
وتشير المواد المنشورة إلى ثلاثة مستويات مترابطة: توجه سياسي نحو احتواء حماس، وتقديرات أمنية بشأن قدراتها، وخلاف لاحق حول المسؤولية عن الإخفاق.
لكن إثبات وجود سياسة احتواء لا يعني تلقائيًا إثبات مسؤولية شخصية مباشرة عن وقوع الهجوم، كما أن إخفاق الأجهزة الأمنية لا يلغي ضرورة مراجعة القرارات السياسية التي أثرت في عملها.
الخلاصة | ما وراء الخبر
يعيد تحقيق «يديعوت أحرونوت» فتح السؤال الأكثر حساسية داخل إسرائيل منذ 7 أكتوبر: هل كان الإخفاق نتيجة تقديرات أمنية خاطئة فحسب، أم حصيلة سياسة سياسية وأمنية طويلة المدى أسهمت في تشكيل تلك التقديرات؟
وتشير الوثائق، بحسب الصحيفة، إلى أن احتواء حماس وتجنب المواجهة الشاملة كانا جزءًا من توجه سياسي معلن داخل مؤسسات صنع القرار، ما يجعل مراجعة دور القيادة السياسية عنصرًا أساسيًا في أي تحقيق شامل.
أما تحديد المسؤوليات النهائية، فيظل مرهونًا بفحص مستقل للوثائق والقرارات والشهادات، بعيدًا عن الروايات المتنافسة للأطراف المعنية.





