وكالة فلسطين 24 الإخباريةالبث المباشر
EN
عاجل
1/3
رأي

حين تصبح التجربة المعاشة معرفة

«فالإنصات الحقيقي لا ينتهي عندما يتوقف الإنسان عن الكلام؛ بل يبدأ عندما تلتقي معرفة المجرب ومعرفة الطبيب وعندما نغيّر شيئاً بناءً على ما قاله».

د
د. سماح جبر
استشارية الطب النفسي
4 دقائق
حجم الخط:
Xواتساب
د. سماح جبر
كاتب رأي

د. سماح جبر

استشارية الطب النفسي

أبرز النقاط في هذا التقرير

  • •«فالإنصات الحقيقي لا ينتهي عندما يتوقف الإنسان عن الكلام؛ بل يبدأ عندما تلتقي معرفة المجرب ومعرفة الطبيب وعندما نغيّر شيئاً بناءً على ما قاله».

في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من كل عام، يُحيي العالم اليوم العالمي للصحة النفسية، وهو مناسبة لرفع الوعي بقضايا الصحة النفسية والدفع بها إلى موقع أكثر أهمية في الصحة العامة. ويُطرح في كل عام موضوع مختلف يسلط الضوء على قضية أو أولوية محددة. أما موضوع هذا العام فهو: «التجارب المعاشة مسموعة: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي»، وهو يضع أمامنا مسألة تتجاوز مجرد الاستماع إلى قصص الأشخاص الذين عاشوا تجربة مع الصحة النفسية: ماذا يحدث عندما نأخذ هذه التجربة نفسها كمصدر للمعرفة؟

تعرّف منظمة الصحة العالمية الخبرة المعاشة بأنها المعرفة التي يكتسبها الإنسان من تجربته الشخصية، وهي معرفة لا يمكن لمن تعلم عن التجربة أو درسها من الخارج أن يمتلكها بالطريقة نفسها. وتؤكد حملة هذا العام أن أصحاب التجارب المعاشة ينبغي ألا يُدعوا فقط إلى رواية قصصهم، ثم يُستبعدوا من القرارات التي تمس حياتهم، بل ينبغي أن يكون لهم دور فعلي في تشكيل السياسات والخدمات والقرارات المتعلقة بالصحة النفسية.

في الطب النفسي، نمتلك أدوات مهمة لفهم الأعراض وتشخيص الاضطرابات وتقدير المخاطر واختيار التدخلات المناسبة. لكن هذه الأدوات لا تستطيع وحدها أن تخبرنا كيف يعيش الإنسان ما نسميه نحن اكتئاباً أو قلقاً أو ذهاناً، ولا لماذا يطلب شخص المساعدة في لحظة معينة أو يفقد ثقته بالخدمة في لحظة أخرى. هناك معرفة تتكون داخل الحياة اليومية، ولا يمكن الوصول إليها من الكتب والملفات الطبية وحدها.

يقول المثل الشعبي: «اسأل مجرّب ولا تسأل طبيب». وربما كان المثل، رغم مبالغته، يحاول أن يقول شيئاً بسيطاً: هناك أمور لا يعرفها إلا من عاشها. لكنني أرى أن الأصح، في الصحة النفسية، أن نقول: اسأل مجرّب، واسأل طبيب.

فالشخص الذي عاش تجربة اكتئاب، أو مرّ بتجربة ذهانية، أو استخدم خدمات الصحة النفسية، يعرف تفاصيل قد لا تظهر في أي تقييم سريري. يعرف ما الذي جعله يطلب المساعدة، وما الذي جعله يثق بالمختص، وما الذي دفعه إلى الانسحاب من الخدمة. وقد يعرف أيضاً أن العلاج الذي يبدو مناسباً على الورق قد لا يكون قابلاً للحياة في ظروفه اليومية، وأن طريقة الحديث معه قد تكون جزءاً من العلاج أو جزءاً من المشكلة.

هذه ليست معرفة أقل قيمة لأنها لم تأتِ من كتاب أو جامعة. إنها معرفة تشكلت من التجربة نفسها، ولا يستطيع أن يحل محلها أي قدر من القراءة أو التدريب.

لكن الاعتراف بالخبرة المعاشة لا يعني أن نستبدل المعرفة المهنية بها. الطبيب لديه معرفة اكتسبها بالتدريب والممارسة، والباحث ينتج معرفة من خلال البحث، وصاحب التجربة يمتلك معرفة لا يمكن اكتسابها إلا بالعيش. القيمة الحقيقية تظهر عندما تلتقي هذه المعارف، من دون أن تفرض إحداها نفسها بوصفها المعرفة الوحيدة المعتبرة.

ولهذا فإن أصحاب التجارب المعاشة لا ينبغي أن تكون مشاركتهم مجرد إضافة رمزية إلى مؤتمر أو لجنة، أو دعوة إلى رواية قصة مؤثرة. إذا أخذنا هذه المعرفة بجدية، فينبغي أن يكون لها أثر في تصميم الخدمات وتقييمها، وفي تحديد أولويات البحث، وفي تدريب العاملين، وفي صناعة السياسات. وهذا هو الانتقال الذي يدعو إليه موضوع هذا العام: من مجرد سماع الصوت إلى السماح له بأن يحدث تغييراً.

وتزداد أهمية ذلك في المجتمعات التي تعيش ظروفاً استثنائية.

في فلسطين، لا يمكن فهم كثير من التجارب النفسية بمعزل عن الاحتلال والتهجير والاعتقال والفقدان والعنف المستمر. هذه ليست مجرد «عوامل اجتماعية» تضاف إلى التاريخ المرضي للشخص، وإنما ظروف تؤثر في الإحساس بالأمان، وفي العلاقات، وفي القدرة على التخطيط للمستقبل، وفي معنى التعافي نفسه.

قد يكون من السهل أن نصف الأرق أو الخوف أو الحزن بلغة سريرية، لكن فهم التجربة يحتاج أيضاً إلى النظر إلى الحياة التي تحدث فيها هذه الأعراض. فالخوف في بيئة يكون فيها الخطر حاضراً ليس بالضرورة الخوف نفسه الذي يظهر في سياق آمن، والحزن بعد فقدان البيت أو أحد أفراد الأسرة لا يمكن اختزاله في قائمة من الأعراض. وحتى فكرة «العودة إلى الحياة الطبيعية» قد تصبح موضع سؤال عندما تكون الحياة نفسها قد تغيرت بصورة عميقة.

هذا لا يلغي الحاجة إلى العلاج النفسي أو الدوائي، ولا يعني أن كل اضطراب نفسي يجب أن يُفسَّر سياسياً. لكنه يذكّرنا بأن الرعاية تصبح ناقصة عندما نفصل الأعراض عن حياة صاحبها، أو عندما نطلب من الإنسان أن يتكيف مع ظروف لا نريد نحن أن ننظر إليها.

وهناك جانب آخر من الخبرة المعاشة يستحق اهتماماً أكبر: كرامة الإنسان داخل النظام الصحي.

قد يصل الشخص إلى الخدمة مثقلاً بالألم، ثم يخرج منها شاعراً بأنه فقد شيئاً من صوته أو اختياره. وقد لا يظهر ذلك في مؤشرات الأداء، ولا في عدد المواعيد، ولا في نسبة الالتزام بالعلاج. لكن تجربة الشخص تستطيع أن تكشف ما لا تظهره الأرقام وحدها: كيف عاش الخدمة، وكيف فُهمت احتياجاته، وما إذا شعر بأنه شريك في الرعاية التي يتلقاها.

لهذا فإن مشاركة أصحاب التجارب في الصحة النفسية لا تتعلق فقط بتحسين الخدمات، وإنما أيضاً بإعادة النظر في علاقة السلطة داخلها. عندما نطلب من الإنسان أن يتحدث عن تجربته، ثم لا نسمح لما قاله بأن يؤثر في القرار، فإننا نكون قد استمعنا إليه من دون أن نأخذ معرفته على محمل الجد.

وهنا يصبح عنوان هذا العام أكثر من مجرد (رفعة عتب) . ليست القضية كم شخصاً تحدثنا إليه، ولا كم شهادة جمعنا، وإنما ماذا تغير نتيجة ما سمعناه.

إذا أدت التجارب المعاشة إلى تعديل خدمة، أو تغيير سياسة، أو إعادة توجيه بحث، أو مراجعة طريقة تدريب العاملين، فإن التجربة تكون قد تحولت إلى معرفة، والمعرفة إلى فعل. أما إذا بقيت الشهادة في حدود المناسبة، واكتفينا بقصة مؤثرة ثم عدنا إلى العمل بالطريقة نفسها، فنحن استمعنا، لكننا لم نتعلم.

ولعل هذا هو التحدي الحقيقي أمام الصحة النفسية اليوم: أن نعيد التفكير فيمن يملك المعرفة التي نبني عليها خدماتنا. فالمهنة تحتاج إلى معرفة من داخلها، لكنها تحتاج أيضاً إلى معرفة من عاش ما نحاول نحن أن نفهمه ونعالجه. وليس المطلوب أن نختار بين المجرّب والطبيب؛ المطلوب أن نعرف قيمة كل منهما، وأن ندرك أن ما نعرفه من الخارج يظل مختلفاً عما يعرفه الإنسان من الداخل.

فالإنصات الحقيقي لا ينتهي عندما يتوقف الإنسان عن الكلام؛ بل يبدأ عندما تلتقي معرفة المجرب ومعرفة الطبيب وعندما نغيّر شيئاً بناءً على ما قاله.

د
د. سماح جبر
استشارية الطب النفسي
تقارير ذات صلة