وكالة فلسطين 24 الإخباريةالبث المباشر
EN
عاجل
1/3
رأي

غزة.. حصص من الركام

«إن إعادة إعمار المدارس ضرورة، لكن إعادة وصل الأطفال بالتعليم هي الاختبار الحقيقي لأي حديث عن التعافي، فالمبنى يمكن أن يُرمم، والكتاب يمكن أن يُطبع، والصف يمكن أن يُفتح من جديد، أما الزمن الذي يمضي من أعمار الأطفال فلا يمكن استعادته».

ت
تغريد علي
كاتبة فلسطينية
4 دقائق
حجم الخط:
Xواتساب
تغريد علي
كاتب رأي

تغريد علي

كاتبة فلسطينية

أبرز النقاط في هذا التقرير

  • •«إن إعادة إعمار المدارس ضرورة، لكن إعادة وصل الأطفال بالتعليم هي الاختبار الحقيقي لأي حديث عن التعافي، فالمبنى يمكن أن يُرمم، والكتاب يمكن أن يُطبع، والصف يمكن أن يُفتح من جديد، أما الزمن الذي يمضي من أعمار الأطفال فلا يمكن استعادته».

في غزة، لم تعد المدرسة مكانا يذهب إليه الأطفال كل صباح، بل أصبحت سؤالا عن مستقبل جيل يستنزف عمره خارج الفصول الدراسية. فحين ينقطع الطفل عن التعليم، لا يفقد دروسا يمكن تعويضها فحسب، بل يخسر جزءا من الزمن الذي تتشكل خلاله قدراته، وتتسع خياراته، ويبدأ في رسم ملامح مستقبله. ومع استمرار الحرب، لم يعد الخطر مقتصرا على حرمان الأطفال من الدراسة، بل امتد إلى احتمال أن يصبح هذا الحرمان جزءا من حياتهم الطبيعية.

ولا تقاس آثار الحروب بحجم الدمار الذي تتركه خلفها وحده، بل بما تعجز المجتمعات عن استعادته بعد توقف القصف. فقد ترمم المدارس وتطبع الكتب من جديد، لكن استعادة التعليم لا تعني إعادة فتح الأبواب فحسب، إنها تعني إنقاذ جيل من خسائر تتراكم كلما طال انقطاعه عن المعرفة.

فالوقت الذي يمضيه الطفل بعيدا عن الدراسة ليس فراغا محايدا، بل مرحلة تتسع فيها الفجوة بين ما يحتاج إلى تعلمه وما يستطيع الوصول إليه.

والمأساة في غزة أن التعليم لم يعد يواجه مشكلة نقص المقاعد وتضرر المباني فحسب، بل انهيار البيئة التي تجعل التعلم ممكنا. فالمدرسة توفر أكثر من المعرفة، لأنها تمنح الطفل انتظاما يوميا، ومساحة للتفاعل، وشعورا بأنه يعيش حياة لها إيقاع يتجاوز الخوف والنزوح. وعندما تختفي هذه البيئة، يصبح التعليم نفسه عرضة للتآكل، حتى لدى الأطفال الذين يجدون فرصا متقطعة لمتابعة دروسهم.

وفي الحروب، يمكن إحصاء المدارس المتضررة وتقدير تكاليف إعادة بنائها، لكن قياس الخسارة التعليمية أكثر تعقيدا. فكيف يمكن تعويض طفل انقطع عن الدراسة في مرحلة أساسية من نموه؟ وكيف يمكن معالجة الفجوة بين طالب وجد فرصة للتعلم وآخر أمضى سنوات في النزوح من دون مكان مناسب للدراسة؟

ولا يتساوى الأطفال في قدرتهم على تجاوز الأزمة، فمن يملك هاتفا واتصالا بالإنترنت، ويجد من يساعده على متابعة دروسه، يمتلك فرصة لا تتوافر لطفل يعيش في خيمة مكتظة أو يعجز عن توفير احتياجاته الأساسية. وهكذا، لا تهدد الحرب حق الأطفال في التعليم فحسب، بل تعيد توزيع فرصهم بصورة غير عادلة، بحيث تصبح قدرة الأسرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار عاملا مؤثرا في مستقبل أبنائها.

وتتجسد هذه الفجوة في تجربة ابني "عمر"، سبعة أعوام، الذي يدرس في الصف الثاني بإحدى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ويجلس على الأرض، من دون مقعد، داخل خيمة من النايلون، ووسط الركام، بينما اكتظت صفوف المدرسة بالنازحين الذين فقدوا منازلهم.

وفي هذا المشهد، لا تبدو الأزمة مجرد نقص في التجهيزات، بل اختلالا في الشروط الأساسية التي يفترض أن تتيح للطفل حقه في التعلم.

ويحاول "عمر" متابعة دروسه في مكان يفتقر إلى أبسط مقومات الصف الدراسي، فيما تحولت غرف المدرسة إلى مأوى لعائلات تبحث عن سقف يحميها من التشرد. ولا يمكن النظر إلى هذا التداخل بوصفه تعارضا بين حقين، فالنازحون لم يختاروا فقدان منازلهم، والأطفال لم يختاروا فقدان بيئتهم التعليمية.

إن ما يجمع المأساة السكنية والأزمة التعليمية هو غياب البدائل الكافية، حين يدفع الناس إلى استخدام المساحات المتاحة لتلبية احتياجات عاجلة، على حساب احتياجات أخرى لا تقل أهمية.

وتكشف هذه التجربة جانبا أعمق من الأزمة: حين يصبح الجلوس على الأرض داخل خيمة هو البديل المتاح للطفل، فإن المشكلة لا تتعلق بمقعد مفقود فقط، بل بالفجوة بين الحق في التعليم والقدرة الفعلية على ممارسته. فالحق الذي لا يجد بيئة تحميه من الانقطاع يظل ناقصا، مهما بقي حاضرا في القوانين والمواثيق.

ولا تتوقف خطورة الانقطاع الدراسي عند ما يفقده الطالب من دروس، بل تمتد إلى قدرته على مواصلة تعليمه مستقبلا، فالتعلم عملية تراكمية، تعتمد المهارات اللاحقة فيها على ما اكتسبه الطفل سابقا.

وكلما طال الانقطاع، ازدادت الحاجة إلى تقييم مستواه، ومعالجة الفجوات التي تراكمت، وتوفير دعم يساعده على العودة إلى مساره التعليمي.

لكن الخطر لا يتوزع بالتساوي، فالأطفال الذين يفتقرون إلى المأوى المستقر والدعم الأسري والأدوات اللازمة للتعلم يواجهون عوائق إضافية، وقد يجدون صعوبة أكبر في استعادة ما فاتهم. وإذا لم تترافق العودة إلى الدراسة مع برامج تعويضية تراعي اختلاف مستويات الطلاب، فقد تتحول الفجوات المؤقتة إلى تفاوت طويل الأمد في التحصيل والفرص.

وهنا تظهر إحدى النتائج الأقل وضوحا للحرب: قد لا تنتهي آثارها التعليمية عند إعادة فتح المدارس، لأن الأطفال لن يعودوا جميعا إلى نقطة البداية نفسها. فبعضهم سيحتاج إلى وقت أطول لاستعادة مهاراته، وبعضهم قد يواجه ظروفا أسرية واقتصادية تعيق استمراره، فيما يحتاج الأطفال ذوو الإعاقة إلى ترتيبات تضمن قدرتهم على الوصول إلى التعليم والمشاركة فيه.

وإذا عومل هؤلاء جميعا كما لو أنهم مروا بالتجربة نفسها، فإن النظام التعليمي قد يعيد إنتاج التفاوت الذي عمقته الحرب بدلا من تقليصه.

كما أن استمرار الفقر والنزوح قد يدفع بعض الأسر إلى تقديم احتياجات البقاء اليومية على تعليم أبنائها، لا لقلة اهتمامها بمستقبلهم، بل لأن الضغوط الراهنة تضيق خياراتها. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة مخاطر التسرب من التعليم، خصوصا حين يصبح الانقطاع طويلا وتضعف قدرة الأسرة على تحمل تكاليف الدراسة واحتياجاتها. لذلك، لا يمكن فصل حماية التعليم عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للعائلات.

والمسألة، إذن، ليست أن جيلا من الأطفال يفقد معلومات دراسية يمكن استدراكها فحسب، بل إن ظروف الحرب قد تجعل فرص التعلم بعد انتهائها متفاوتة بصورة أعمق. وإذا تركت هذه الفجوات من دون معالجة، فقد تستمر آثارها في مراحل التعليم اللاحقة، وتحد من الخيارات المتاحة أمام الأطفال عندما ينتقلون إلى العمل والحياة العامة.

وقد تبدو الأولوية للغذاء والماء والدواء والمأوى أمرا بديهيا في ظل الكارثة الإنسانية، لكن وضع التعليم في قائمة الاحتياجات المؤجلة يفترض أن الأطفال يستطيعون تعليق نموهم حتى تتوافر الظروف المناسبة. والحقيقة أن سنوات الطفولة تمضي بصرف النظر عن قدرة المؤسسات على الاستجابة، وأن تأجيل التعليم لا يوقف الخسارة، بل يضيف إليها.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الاحتياجات العاجلة، أو المفاضلة بين حق الطفل في الغذاء وحقه في التعليم، بل يعني أن الاستجابة الإنسانية ينبغي أن تنظر إلى هذه الحقوق بوصفها متكاملة، فالمأوى الذي يحمي الأسرة، والتعليم الذي يمنح الطفل فرصة للاستمرار، ليسا مسارين متنافسين، بل عنصرين في حماية الحياة والكرامة.

من هنا، لا يكفي قياس التقدم بعدد المدارس التي أعيد فتحها والصفوف التي جرى تجهيزها، فالمعيار الحقيقي هو قدرة الأطفال على الوصول إلى تعليم منتظم، واستعادة المهارات التي فقدوها، ومواصلة الدراسة من دون أن تحدد ظروف النزوح والفقر فرصهم بصورة دائمة. ويتطلب ذلك تقييم مستويات الطلاب، وإطلاق برامج تعويضية، ودعم المعلمين، وتوفير مواد التعلم، وإنشاء مساحات تعليمية مناسبة، مع مراعاة احتياجات الأطفال ذوي الإعاقة.

كما أن المدارس التي تستخدم ملاجئ للعائلات لا يمكن إخلاؤها من وظيفتها الإنسانية من دون توفير بدائل آمنة للنازحين، فالحل لا يكمن في تحميل العائلات مسؤولية تعطيل التعليم، بل في معالجة نقص أماكن الإيواء، وتوفير مساحات تعليمية ملائمة، ومنع استمرار الاعتماد على حلول اضطرارية تجعل حقوقا أساسية رهينة بعضها بعضا.

ولا تكتمل استعادة التعليم بمجرد توفير مكان للجلوس وكتاب للقراءة، فالطفل الذي عاش القصف والنزوح أو فقد أحد أفراد أسرته قد يحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي يساعده على التركيز والتفاعل. ولهذا، فإن نجاح أي استجابة تعليمية يجب أن يقاس بما تتيحه للأطفال من قدرة فعلية على التعلم، لا بمجرد عودتهم إلى مساحة تحمل اسم المدرسة.

وتضع أزمة التعليم في غزة المجتمع أمام سؤال يتجاوز إعادة إعمار المباني: هل يمكن الحديث عن التعافي فيما يبقى الأطفال خارج مسار التعليم، أو يعودون إليه وهم يحملون فجوات لم تعالج؟ إن إعادة بناء الحجر ضرورية، لكنها لا تكفي إذا لم تترافق مع خطة تعيد الأطفال إلى التعلم، وتمنع تحول الانقطاع إلى خسارة ممتدة.

ولا يجوز اختزال مسؤولية استعادة التعليم في مبادرات مؤقتة وجهود محلية محدودة، مهما كانت أهميتها في الظروف الراهنة، فالمطلوب استجابة مستدامة تضمن انتظام الدراسة وجودتها، وتعالج الفوارق التي خلفها الانقطاع، وتوفر للمعلمين والطلاب ما يحتاجون إليه للاستمرار.

كما أن نجاح هذه الاستجابة يتطلب متابعة واضحة لعدد الأطفال الذين تمكنوا من العودة، ومستوياتهم التعليمية، ومدى وصول الفئات الأكثر تضررا إلى فرص التعلم.

إن إعادة إعمار المدارس ضرورة، لكن إعادة وصل الأطفال بالتعليم هي الاختبار الحقيقي لأي حديث عن التعافي، فالمبنى يمكن أن يرمم، والكتاب يمكن أن يطبع، والصف يمكن أن يفتح من جديد، أما الزمن الذي يمضي من أعمار الأطفال فلا يمكن استعادته، وكل تأخير في معالجة آثار الانقطاع يترك فجوة قد تتجاوز حدود المدرسة إلى فرص الطفل في بناء حياته واختيار مستقبله.

وفي غزة، لم تعد الحصص الدراسية تقاس بالدقائق التي يقضيها الطلاب داخل الفصول، بل بما ينتزع من أعمارهم حين يحرمون منها. وحين يجلس طفل في الصف الثاني على أرض خيمة من النايلون، بينما تشغل عائلات نازحة غرف مدرسته بحثا عن مأوى، يصبح السؤال أكبر من موعد عودة الدروس: كيف يمكن لمجتمع أن يستعيد مستقبله، إذا ترك أطفاله يدفعون من أعمارهم ثمن غياب أبسط شروط التعلم؟

ت
تغريد علي
كاتبة فلسطينية
تقارير ذات صلة