ينظر البعض إلى المناصب العامة باعتبارها فرصة لتحقيق مكاسب شخصية أو الحصول على مكانة اجتماعية مميزة، دون الالتفات بالقدر الكافي إلى المسؤوليات والواجبات التي تترتب عليها. وربما يكون هذا التصور أحد الأسباب التي تجعل المنصب غاية بحد ذاته، بدلًا من أن يكون وسيلة لخدمة الناس والعمل من أجل الصالح العام.
لا يمكن إنكار أن المنصب يمنح صاحبه مكانة بين الناس، ويتيح له مساحة أوسع للتأثير في محيطه ومجتمعه، لكن هذه المكانة تبقى مرتبطة بالطريقة التي يتعامل بها مع مسؤولياته. فقد تكون مصدرًا للاحترام والتقدير عندما يحسن صاحبها استثمار موقعه في خدمة الناس، والعمل على معالجة قضاياهم، والاستجابة لاحتياجاتهم، وقد تكون على النقيض من ذلك إذا انشغل بالمكاسب الشخصية، وأصبحت مصالحه الخاصة تتقدم على الواجبات التي أُوكلت إليه.
فالمنصب، في جوهره، ليس امتيازًا بقدر ما هو مسؤولية، ولا تكتمل قيمته بما يمنحه لصاحبه، وإنما بما يستطيع أن يقدمه من خلاله. والمسؤول الذي يدرك حقيقة دوره يعرف أن ثقة الناس لا تُكتسب بمجرد الوصول إلى موقع معين، بل تُبنى بالمواقف والممارسات، وبمدى الحرص على مصالح المجتمع، والقدرة على تحويل المسؤولية إلى عمل ملموس يشعر الناس بأثره في حياتهم.
لكن هناك مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي الاعتقاد بأن العمل العام والخدمة المجتمعية يظلان مرتبطين بأصحاب المناصب وحدهم، وكأن المبادرة والعمل والتأثير لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال موقع رسمي أو صلاحيات محددة. وهذا الاعتقاد يحصر دور المجتمع في انتظار ما يقرره المسؤول أو ما يستطيع القيام به، ويجعل كثيرين يتعاملون مع قضاياهم وكأنهم متلقون للخدمة، لا شركاء في صنعها وتطويرها.
والحقيقة أن خدمة المجتمع لا تبدأ من المنصب، ولا تتوقف عند غيابه. فهناك الكثير مما يستطيع الإنسان تقديمه من موقعه، سواء من خلال مبادرة فردية، أو عمل تطوعي، أو مشاركة في معالجة مشكلة قائمة، أو المساهمة في تطوير فكرة تخدم الناس وتلبي احتياجاتهم. وليس بالضرورة أن يمتلك الإنسان صلاحية رسمية حتى يكون له دور مؤثر، فالإرادة الصادقة والاستعداد للعمل قد يفتحان أبوابًا واسعة للعطاء.
إن العمل العام مسؤولية مشتركة، لا يمكن أن يتحملها شخص واحد مهما كانت قدراته أو موقعه. فالمجتمع يتكون من أفراد ومؤسسات وفعاليات مختلفة، لكل منها دور يمكن أن يسهم في البناء والتطوير. وعندما تتكامل هذه الأدوار، وتتوافر الرغبة في التعاون، تصبح فرص الإنجاز أكبر، وتصبح معالجة القضايا العامة مسؤولية جماعية تقوم على المشاركة والمبادرة، لا على انتظار الآخرين.
ومن هنا، فإن وجود مسؤول قادر على العمل والإنجاز أمر مهم، لكن الأهم أن يكون هناك مجتمع يؤمن بقدرته على المشاركة، ويدرك أن دوره لا ينتهي عند اختيار المسؤول أو متابعة أدائه، بل يمتد إلى تقديم الأفكار والمبادرات، والمساهمة في إيجاد الحلول، وتعزيز روح التعاون بين مختلف مكوناته. فالمسؤول الناجح لا يرى في المبادرات المجتمعية منافسة لدوره، بل يعتبرها عاملًا مساعدًا يوسع دائرة العمل ويمنح الجهود فرصًا أكبر للنجاح.
كما أن السعي إلى المناصب لا ينبغي أن يكون هو الطريق الوحيد لمن يريد خدمة مجتمعه أو ترك أثر إيجابي فيه. فالمناصب بطبيعتها تتغير، والمسؤوليات تنتقل من شخص إلى آخر، لكن العمل الصادق يبقى أثره حاضرًا. وكم من أشخاص لم يتولوا أي منصب رسمي، ومع ذلك كان لهم دور واضح في خدمة الناس، والمساهمة في حل مشكلاتهم، وتعزيز روح التعاون والتكافل في محيطهم.
لذلك، فإن التنافس الحقيقي الذي يحتاجه المجتمع ليس التنافس على المواقع، وإنما التنافس على تقديم الأفضل، والمبادرة إلى العمل، وتحمل المسؤولية كلٌّ من موقعه. فليس المهم من يشغل المنصب بقدر ما يهمنا ما يقدمه، وليس المهم أن يكون الإنسان في موقع القرار حتى يخدم، بل أن تكون لديه الرغبة في العمل والاستعداد لبذل الجهد من أجل الآخرين.
إن أبواب الخدمة العامة مفتوحة أمام الجميع، ولا ينبغي أن يشعر أحد بأن غياب المنصب يحول بينه وبين المشاركة أو يمنعه من تقديم ما يستطيع. فلكل إنسان مساحة يمكن أن يعمل من خلالها، ولكل مبادرة صادقة قيمة، مهما كان حجمها. وما يحتاجه المجتمع هو تعزيز هذه الثقافة، وتشجيع كل من لديه فكرة أو قدرة على الإسهام، وإتاحة المجال أمام الطاقات المختلفة لتكون شريكًا حقيقيًا في العمل والإنجاز.
في النهاية، تبقى المناصب مسؤولية مؤقتة، أما خدمة الناس فهي قيمة لا ترتبط بموقع أو لقب. ومن أراد أن يترك أثرًا طيبًا في مجتمعه، فبإمكانه أن يبدأ من المكان الذي يوجد فيه، دون انتظار منصب أو صلاحية. فالأوطان والمجتمعات لا تُبنى بجهود المسؤولين وحدهم، وإنما بتكامل أدوار الجميع، وبالإيمان بأن العطاء حق لكل من يستطيع، ومسؤولية على كل من يملك الرغبة في العمل.
المناصب ليست مكاسب، والخدمة ليست حكرًا على أصحاب المواقع، بل هي مسؤولية مشتركة وباب مفتوح لكل من أراد أن يعمل بإخلاص من أجل الناس والصالح العام.
٠ كاتب وسياسي فلسطيني





