الكاتب: عدنان ملحم
تقول الأرقام إن نفقات السفارات والبعثات الدبلوماسية الفلسطينية بلغت نحو 209.1 مليون شيقل عام 2025، بعد أن كانت 248.8 مليونا عام 2024، و192.6 مليونا عام 2023، و212.2 مليونا عام 2022 .
ولدينا نحو 108 سفارات وبعثات دبلوماسية حول العالم .
حسبة بسيطة ، حتى لا ندخل في متاهات الموازنات والجداول: 209 ملايين شيقل، مقسمة على 108 بعثات، تعني في المتوسط قرابة 1.9 مليون شيقل سنويا للبعثة الواحدة ؛ أي ما يقارب 50 ألف دولار شهريا في المتوسط، مع اختلاف كبير، بالطبع، بين سفارة وأخرى .
وهذا الإنفاق يشمل الرواتب والأجور، والمكاتب والسيارات ، والنفقات التشغيلية ، والسفريات، والفعاليات والاستقبالات وغيرها .
والسؤال الذي يجب أن يُطرح، وبصوت عالٍ، هو: ماذا نحصل مقابل كل هذا الإنفاق؟ .
شعبنا يقتل ويهجر ويجوع، وغزة تدمر ، والضفة تنهش استيطانا ومصادرة واعتداء ، والرواية الفلسطينية تخوض معركة مفتوحة في الإعلام والبرلمانات والجامعات ومراكز القرار في العالم .
طيب… أين الحصيلة ؟ .
أين الضغط الدولي الذي أحدث فرقا ؟ أين الحملات التي غيرت مواقف الحكومات ؟ أين المعارك القانونية والسياسية والأكاديمية والإعلامية التي ترجمت إلى إجراءات حقيقية ؟ وأين التقارير التي تقول للشعب الفلسطيني : هذا ما أنجزناه ، وهذا ما أنفقناه ، وهذه هي النتائج ؟ وأين نشاط السفارات في أوساط الجاليات الفلسطينية ، وفي المجتمعات التي تعمل فيها ؟ .
المشكلة ، كما يراها كثيرون ، أن أوضاع عدد كبير من سفاراتنا وبعثاتنا ليست على ما يرام . فالتعيينات ، وخاصة في مناصب السفراء، كثيرا ما ترتبط بالاستحقاقات العائلية والفصائلية ، حتى غدت بعض السفارات وكأنها محجوزة لعائلات بعينها ، أو تحولت إلى جوائز ترضية لكبار الشخصيات الفلسطينية ذات الوزن السياسي أو الاقتصادي .
وفي المقابل ، تحول دور بعض السفارات إلى مجرد مبان لإنجاز المعاملات الحياتية للفلسطينيين في دولها ، فيما بقي تواصلها مع جالياتها موسميا وضعيفا ، ولا يصل إليها كثير من الفلسطينيين إلا عند الضرورة القصوى .
أما الحضور السياسي والمجتمعي في الدول المضيفة ، فيبدو في عدد كبير من الحالات شاحبا إلى حد لافت . فلا استراتيجيات دبلوماسية واضحة تعكس حجم الحالة الفلسطينية ، والحرب والحصار والعدوان والاستيطان الذي يحيط بشعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية ، ولا أدوات فاعلة لتحويل هذه الوقائع إلى ضغط سياسي ومجتمعي داخل تلك الدول .
ولا يبدو أن هناك ، في كثير من الحالات، خطابا إعلاميا فلسطينيا موحداً ، أو ماكينة إعلامية قادرة على العمل بصورة مستمرة ، أو طواقم تتواصل بفاعلية مع الفعاليات الحزبية والسياسية والإعلامية والأكاديمية والشبابية في البلدان التي توجد فيها سفاراتنا .
ويقال ، في توصيف ساخر ومؤلم لحال بعض سفاراتنا ، أنها تشبه دور العجزة ؛ تفتح صباحًا للزيارات ودخول أشعة الشمس ، ثم تغلق أبوابها ظهرا للنوم والخلود ! .
وفي الوقت الذي تبدو فيه بعض سفاراتنا محدودة الحركة والنشاط ، فإن الحراك الجماهيري المؤيد لفلسطين في كثير من دول العالم تقوده مؤسسات وفعاليات شبابية وإعلامية وحزبية ، تعمل في أحيان كثيرة بعيدا عن الدبلوماسية الفلسطينية الرسمية .
وهنا يبرز سؤال آخر: أين السفراء في هذه المعركة؟ كم سفيرا يمتلك خطابا إعلاميا واضحا ؟ وكم منهم لديه حضور إعلامي مؤثر في بلده؟ وكم منهم قادر على الوصول إلى البرلمانات ومراكز القرار والجامعات والنقابات والمؤسسات الإعلامية والشارع العام ؟ .
وهناك أيضا سفارات ذات كلفة مرتفعة ، في دول لا توجد فيها جاليات فلسطينية ، أو توجد فيها جاليات قليلة العدد . وهناك سفارات في دول تتخذ مواقف معادية لحقوقنا وثوابتنا ، من دون أن نلمس نتائج ملموسة في تغيير هذه المواقف أو التأثير فيها .
وهناك سفراء تجاوز بعضهم سن التقاعد، وما زالوا في مواقعهم، وكأن بقاء السفير في منصبه أصبح في بعض الحالات مرتبطا برضا مراكز القرار في رام الله أكثر مما يرتبط بالكفاءة والحاجة والمصلحة الوطنية .
أنا لا أقول: أغلقوا السفارات. ولا أقول إن الدبلوماسية ترف يمكن الاستغناء عنه . أقول شيئا أبسط ، وربما أشد إزعاجا :
أعيدوا تعريف الدبلوماسية الفلسطينية ؛ من وظيفة وامتياز إلى مهمة وطنية تقاس نتائجها .
قد يكون شعبنا بحاجة إلى عدد محدود من الدبلوماسيين من الطراز الثقيل ، ممن يمتلكون اللغة والحجة والحضور ، والقدرة على اختراق الإعلام والبرلمانات ومراكز القرار، أكثر من حاجته إلى شبكة واسعة من البعثات التي يتحول بعضها إلى مكاتب بروتوكول ومناسبات واستقبالات وصور تذكارية .
فالسؤال ليس: كم لدينا من سفارة وسفير؟ السؤال هو: ماذا صنعت هذه السفارات لفلسطين؟ .
هل نريد دبلوماسية تقيس نجاحها بعدد السفارات والسفراء ؟ أم دبلوماسية تقيس نجاحها بما تصنعه فلسطين في العالم ؟ .
ولماذا لا يُفتح ملف وزارة الخارجية والسفارات على الملأ ؟. كم تبلغ كلفتها الفعلية؟ كم عدد العاملين فيها؟ كم ينفق على الرواتب والامتيازات والسفريات والسيارات والمكاتب؟ ما الإنجازات التي حققتها كل بعثة؟ وما الذي تغير ، سياسيا وقانونيا وإعلاميا ، نتيجة عملها ؟ ولماذا لا تُنشر تقارير سنوية شفافة عن أداء كل سفارة وبعثة؟ .
في بلد يعيش فيه الناس تحت وطأة الفقر والحصار والبطالة ، وتحتاج فيه المدارس والمستشفيات والعائلات المنكوبة إلى كل شيقل ، يصبح من حق المواطن أن يسأل عن أولوية الإنفاق ، وأن يعرف أين تذهب أموال الخزينة ، وما الذي يعود عليه من إنفاقها ، لا أن يُطلب منه الصمت لمجرد أن الأمر يتعلق بالدبلوماسية .
نريد دبلوماسية مقاتلة سياسيا ، ذكية إعلاميا ، حاضرة قانونيا ، ومتصلة فعلا بقضية شعبها.
نريد سفارات تعرف أن وجودها في أي عاصمة ليس غاية في حد ذاته ، وإنما وسيلة للدفاع عن فلسطين ، وخدمة الفلسطينيين، وبناء التأثير ، وتوسيع دائرة التضامن ، وتحويل الرواية الفلسطينية إلى قوة سياسية وقانونية وإعلامية ومجتمعية .
فالشعب الذي يدفع الفاتورة من لقمة عيشه ، ومن دم أبنائه ، من حقه أن يعرف ماذا يحصل مقابل كل دولار يصرف باسم الدبلوماسية الفلسطينية .
فلسطين أكبر من المناصب ، وأقدس من الامتيازات، وقضية شعبنا أكبر من أن تتحول بعض مؤسساتها إلى وظائف دائمة بلا مساءلة.
افتحوا الأرقام .
أعلنوا النتائج .
راجعوا السفارات .
حاسبوا المقصر .
ودعوا الشعب يحكم .
هذه الأسئلة ليست موجهة إلى سفير بعينه ، ولا إلى سفارة بعينها، وإنما إلى منظومة دبلوماسية كاملة تدفع فاتورتها خزينة مثقلة، وشعبٌ مثقل أكثر .
💢 ملاحظة مهمة:
نحن لا نحارب السفارات ، ولا الدبلوماسية ، ولا السفراء ، ولا ننكر أن بين سفرائنا ودبلوماسيينا نماذج وطنية مهنية مشرفة ، ترفع الرأس، وتثبت أن المنصب الدبلوماسي يمكن أن يكون موقعا حقيقيا لخدمة فلسطين والدفاع عن قضيتها ، وأن هناك سفراء يستحقون مواقعهم عن جدارة وكفاءة وحضور .
لكننا نحارب فكرة أن تكون الدبلوماسية امتيازا بلا مساءلة ، أو وظيفة بلا نتائج . والنقد هنا لا يستهدف الأشخاص الذين يؤدون واجبهم بإخلاص ، وإنما يستهدف الخلل في منظومة تحتاج إلى مراجعة جادة وشفافة .
في زمن الحرب ، كل مؤسسة فلسطينية مطالبة بأن تجيب عن سؤال واحد : ماذا قدمت لفلسطين ؟ .





