ثلاثة محاور تتنافس على تشكيل النظام الإقليمي الجديد: كيف يعيد نتنياهو رسم خريطة الشرق الأوسط ليجعل من إسرائيل قوة إقليمية تبني شبكة نفوذها الخاصة؟
لم تكن الخريطة التي عرضها بنيامين نتنياهو تفصيلًا بصريًا عابرا في خطابه عن عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي الجديدة. فهي تقدم تصورا لطبيعة الصراع في الشرق الأوسط، وللتحالفات التي ترى إسرائيل أنها تتشكل حولها أو في مواجهتها. والأهم أنها تكشف عن طموح إسرائيلي يتجاوز احتواء التهديدات المباشرة إلى التأثير في بنية النظام الإقليمي وموازين القوة فيه.
في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن نتنياهو ملامح عقيدة أمنية تعطي الأولوية للمبادرة والهجوم الاستباقي بدل الاكتفاء بالاحتواء والدفاع، وتدعو إلى تعزيز مكانة إسرائيل بوصفها قوة إقليمية، وتوسيع استقلالها في مجال التسليح، وتطوير تفوقها التكنولوجي، واستثمار الفرص المتاحة لبناء تحالفات جديدة.
تكتسب الخريطة التي عرضها نتنياهو أهميتها من إنها لا تعرض الجغرافيا فحسب، بل تقدم قراءة جيوسياسية "إسرائيلية" لتوزيع النفوذ والخصومات والشراكات في المنطقة.
أولا: المحور الإيراني… من شبكة النفوذ إلى اختبار القدرة على البقاء
على مدى سنوات، مثّل المحور الإيراني أحد أبرز ملامح التوازنات الإقليمية. فقد بنت طهران شبكة علاقات مع قوى وتنظيمات مسلحة في لبنان والعراق واليمن، وامتد تأثيرها إلى الساحة الفلسطينية، بدرجات وأشكال متفاوتة. وأتاحت هذه الشبكة لإيران توسيع نفوذها خارج حدودها، وتوفير أدوات ضغط وردع من دون الاعتماد حصريا على المواجهة العسكرية المباشرة. وفي المقابل، نظرت إسرائيل إلى هذا الامتداد باعتباره تهديدا متعدد الجبهات، يفرض عليها التعامل مع شبكة مترابطة بدل مواجهة دولة واحدة.
لكن الحروب والمواجهات التي شهدتها المنطقة أعادت اختبار قدرة هذا المحور على الحفاظ على تماسكه، وعلى تنسيق مواقفه، وعلى تحويل نفوذه السياسي والعسكري إلى مكاسب استراتيجية مستدامة.
في خطابه الأخير يوم امس، قدّم نتنياهو العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان واليمن وإيران باعتبارها وسيلة لتقليص التهديد الذي يمثله هذا المحور. وهذه قراءة إسرائيلية للنتائج، وليست بحد ذاتها دليلا على انتهاء النفوذ الإيراني أو زوال قدرته على التأثير.
فإضعاف بعض مكونات الشبكة لا يعني بالضرورة تفككها بالكامل. وقد تتراجع قدرة إيران على التحرك في بعض الساحات، بينما تحاول إعادة بناء نفوذها بأدوات أقل كلفة أو عبر ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.
لذلك، لا يتعلق مستقبل المحور الإيراني بحجم ما تعرض له من ضربات فقط، بل أيضا بقدرة طهران على إدارة علاقاتها الإقليمية، وبالوضع الداخلي الإيراني، وبمدى استعداد القوى المرتبطة بها لمواصلة العمل ضمن استراتيجية مشتركة.
ثانيا: المحور السني… هل تتراجع ثنائية الاعتدال والإسلام السياسي؟
لسنوات، ساد في كثير من التحليلات الإقليمية تقسيم يقوم على ثلاثة اتجاهات: محور تقوده إيران، ومحور يضم إسرائيل ودولا عربية ترتبط معها بعلاقات سياسية أو أمنية، ومحور يرتبط بتركيا وقطر وحركات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين.
كان هذا التقسيم يعكس جانبا من الاستقطاب الذي تعمق بعد انتفاضات عام 2011، والخلافات بشأن مستقبل الأنظمة العربية، ودور الحركات الإسلامية، والحرب في سورية، والعلاقات مع إيران.
لكن الخريطة الجديدة التي نشرتها مؤسسة فريدريش إيبرت تقدم تصورا مختلف نسبيا. فهي تبرز ما تسميه «التحالف السني الماسي»، الذي يضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان. ويُقدَّم هذا التكتل بوصفه محاولة لتنسيق المصالح وموازنة النفوذ الإيراني، وكذلك التعامل مع اتساع الشراكة الإسرائيلية الإماراتية
وهنا تكمن دلالة مهمة: تركيا، التي كانت تُدرج في بعض القراءات ضمن محور منافس لدول عربية توصف بالاعتدال، تظهر في هذه الخريطة ضمن تكتل يجمعها بمصر والسعودية وباكستان.
لكن ذلك لا يعني أن هذه الدول أصبحت كتلة متجانسة أو أنها تجاوزت خلافاتها. فتركيا والسعودية ومصر وباكستان تختلف في أولوياتها الأمنية، وفي تصوراتها لمستقبل المنطقة، وفي طبيعة علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.
كما أن إدراجها في تكتل واحد لا يثبت وجود تحالف عسكري ملزم أو قيادة سياسية موحدة. الأدق أن نتحدث عن تقارب محتمل في بعض المصالح، وعن سعي إلى موازنة قوى أخرى، لا عن حلف مكتمل الأركان.
وتبقى القضية الفلسطينية عنصرا مؤثرا في حسابات هذه الدول، وإن اختلفت مواقفها وأدواتها. فالسعودية ربطت تطبيع العلاقات مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية، بينما تتعامل تركيا مع القضية الفلسطينية ضمن حسابات سياسية وإقليمية أوسع. ولذلك فإن أي تقارب إقليمي لا يمكن فصله عن مستقبل الحرب في غزة، والحقوق الفلسطينية، وطبيعة الترتيبات التي ستُفرض على المنطقة.
ثالثًا: المحور الإسرائيلي الإماراتي… شراكة ثنائية بطموح إقليمي
التحول الأكثر لفتا في الخريطة هو إبراز إسرائيل والإمارات بوصفهما نواة «تحالف السداسي» أو «Hexagon Alliance»، في إشارة إلى احتمال توسيع التعاون إلى شبكة أوسع من الشراكات الإقليمية والدولية.
تستند هذه الشراكة إلى مصالح تراكمت منذ توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020، وتشمل مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والتجارة والتعاون الأمني، إلى جانب تقاطعات في بعض التصورات بشأن إيران ومستقبل التوازنات الإقليمية.
بالنسبة إلى إسرائيل، يوفر التعاون مع الإمارات مدخلا إلى بناء علاقات تتجاوز التطبيع الثنائي، وتساعد على توسيع حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة. أما الإمارات، فلديها حساباتها الخاصة المتعلقة بالأمن والتكنولوجيا والتجارة والموانئ والنفوذ الإقليمي.
غير أن وصف هذا التقارب بأنه محور متكامل يحتاج إلى قدر من الحذر. فالعلاقات الوثيقة لا تعني التطابق في جميع الملفات، كما أن المصالح المشتركة لا تلغي التنافس المحتمل أو اختلاف الأولويات.
ولا ينبغي افتراض أن كل دولة تظهر على الخريطة بلون قريب من إسرائيل أو الإمارات عضو في تحالف رسمي معهما. فالخريطة نفسها تميز بين الدول التي تصنفها بوصفها صديقة، وبين نواة الشراكة الإسرائيلية الإماراتية. إنها قراءة تحليلية للاتجاهات، وليست قائمة رسمية بأعضاء حلف قائم.
ومع ذلك، فإن الرسالة الاستراتيجية واضحة: تسعى إسرائيل إلى توسيع شبكة شركائها، وتوظيف علاقاتها الثنائية في بناء نفوذ أوسع، بما يقلل اعتمادها على التحالفات التقليدية وحدها ويعزز قدرتها على التأثير في ملفات المنطقة.
رابعًا: أين تقف الولايات المتحدة؟ وهل تتراجع مركزية النظام الإقليمي القديم؟
لا يمكن فهم هذه المحاور بمعزل عن الولايات المتحدة. فالخريطة لا تقدم الشرق الأوسط بوصفه نظاما مستقلا تماما عن القوى الكبرى؛ بل تظهر استمرار الروابط الأميركية، إلى جانب تنامي أدوار إقليمية ودولية أخرى. ولا سك أن المحور الإسرائيلي الإماراتي والتكتل السني الماسي يحتفظان بعلاقات مع واشنطن، في وقت بدأت فيه الصين تبرز عبر جهود الوساطة بين السعودية وإيران. كما تطرح الدراسة احتمال أن تؤدي التوترات بين شركاء الولايات المتحدة إلى الدفع نحو نظام إقليمي أقل اعتمادًا على القيادة الأميركية المنفردة.
لكن الحديث عن تراجع أميركي حاسم سابق لأوانه. فما زالت واشنطن تمتلك أدوات عسكرية ودبلوماسية واقتصادية واسعة، وتظل علاقاتها الأمنية مؤثرة في حسابات معظم دول المنطقة. والأقرب إلى الواقع هو أن الدول الإقليمية تحاول توسيع هامش استقلالها، وتنويع علاقاتها، والاستعداد لاحتمالات تغير الأولويات الأميركية. وقد تسعى إلى بناء تفاهمات إقليمية خاصة بها، حتى مع استمرار اعتمادها على الولايات المتحدة في ملفات أساسية.
ومن هنا، فإن التنافس بين المحاور ليس مجرد صراع بين دول المنطقة، بل يرتبط أيضًا بالسؤال عن طبيعة النظام الدولي الذي ستعمل هذه الدول ضمنه: نظام تقوده واشنطن، أم نظام متعدد المراكز تتوزع فيه القدرة على التأثير بين قوى دولية وإقليمية مختلفة؟
خامسًا: ماذا تريد إسرائيل من عقيدتها الأمنية الجديدة؟
يجب قراءة الخريطة إلى جانب ما أعلنه نتنياهو عن عقيدته الأمنية، لا بوصفها وثيقة منفصلة. فهو يربط بين استخدام القوة الاستباقية، وتعزيز الاستقلال في التسليح، والتفوق التكنولوجي، وتثبيت مكانة إسرائيل كقوة إقليمية، وبناء تحالفات جديدة.
ويعكس ذلك انتقالًا في الخطاب الأمني الإسرائيلي من التركيز على ردع الخصوم واحتواء التهديدات إلى إعطاء وزن أكبر للمبادرة العسكرية والعمل خارج الحدود، بالتوازي مع توسيع شبكة الشركاء.
لكن هذه الرؤية تطرح أسئلة جوهرية. فهل تستطيع القوة العسكرية وحدها إنتاج أمن مستدام؟ وهل يمكن تحويل التفوق العسكري إلى نظام إقليمي تقبل به الدول المجاورة؟ وهل يؤدي توسيع التحالفات إلى خفض التوترات، أم قد يدفع القوى المنافسة إلى مزيد من التنسيق والتسلح؟
هذه أسئلة لا تحسمها الخريطة، ولا تكفي التصريحات الرسمية للإجابة عنها. فنجاح أي عقيدة أمنية لا يُقاس فقط بقدرة الدولة على تنفيذ ضربات عسكرية، بل أيضًا بقدرتها على تجنب حروب طويلة، وبناء ترتيبات سياسية مستقرة، وإدارة التناقضات مع جيرانها.
سادسا: مستقبل المحاور الثلاثة… ثلاثة مسارات محتملة
لا يمكن الجزم بالشكل الذي ستستقر عليه التحالفات الإقليمية، لكن يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
**المسار الأول: ترسخ الاستقطاب.
قد تتعمق الشراكة الإسرائيلية الإماراتية، وتتوسع محاولات التنسيق بين تركيا ومصر والسعودية وباكستان، فيما تسعى إيران إلى الحفاظ على ما تبقى من شبكة نفوذها وإعادة تنظيمها. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة المنافسة الأمنية والعسكرية، حتى من دون نشوء تحالفات رسمية مكتملة.
**المسار الثاني: تحالفات مرنة ومتداخلة.
قد تتعاون الدول في ملف وتتنافس في آخر. فالدولة نفسها قد ترتبط بعلاقات أمنية مع طرف، وشراكات اقتصادية مع طرف آخر، وتعارض سياساته في ملفات ثالثة. وفي هذه الحالة، تصبح فكرة المحاور الصلبة أقل قدرة على تفسير المشهد، ويغدو التفاهم حول المصالح المحددة أهم من الانتماء إلى معسكر واحد.
**المسار الثالث: إعادة ترتيب الأولويات عبر التسويات.
إذا تقدمت المسارات السياسية، وتراجعت المواجهات المفتوحة، وأُحرز تقدم في الملفات الفلسطينية والإقليمية، فقد تجد الدول فرصًا لتقليل الاستقطاب وتوسيع التعاون. أما استمرار الحروب والاحتلال والتدخلات العسكرية، فقد يحد من فرص بناء ترتيبات مستقرة ويعزز منطق القوة على حساب الدبلوماسية.
وتتوقف فرص كل مسار على عوامل عدة: مستقبل المواجهة مع إيران، والعلاقات التركية الخليجية والمصرية، وموقف الولايات المتحدة، ودور الصين، والتنافس داخل المنطقة على النفوذ الاقتصادي والأمني. وسيظل مستقبل القضية الفلسطينية عاملًا أساسيًا في اختبار قدرة أي ترتيب إقليمي على اكتساب الشرعية والاستمرار.
خاتمة: الخريطة لا ترسم الحدود فقط، بل تكشف صراعًا على المستقبل
تكشف خريطة التحالفات عن شرق أوسط يعاد تشكيله تحت ضغط الحروب والتحولات السياسية وتنافس القوى الإقليمية والدولية. المحور الإيراني يحاول الحفاظ على نفوذه، والتقارب بين تركيا ومصر والسعودية وباكستان يبرز بوصفه محاولة لموازنة قوى منافسة، فيما تسعى إسرائيل والإمارات إلى توسيع شراكتهما وتحويلها إلى شبكة إقليمية أوسع.
لكن هذه المحاور ليست كتلًا ثابتة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها تحالفات مكتملة أو نهائية. فالمصالح تتغير، والخلافات قائمة، والعلاقات بين الدول أكثر تعقيدًا من الألوان التي تختصرها الخرائط.
أما السؤال الأهم، فلا يتعلق فقط بمن سينجح في توسيع نفوذه، بل بطبيعة الشرق الأوسط الذي ستنتجه هذه المنافسة: هل سيكون نظامًا يقوم على الردع والتوازن والتعاون، أم ساحة مفتوحة لصراعات متكررة تتبدل فيها التحالفات بينما يدفع المدنيون ثمنها؟
إن اختبار أي عقيدة أمنية أو تحالف إقليمي لا يكمن في عدد الشركاء الذين يجمعهم، ولا في حجم القوة التي يمتلكها، بل في قدرته على إنتاج استقرار قابل للاستمرار، ومنع الحروب، وصون سيادة الدول وحقوق شعوبها.فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى خرائط جديدة للمحاور بقدر ما يحتاج إلى نظام إقليمي يمنع تحويل التنافس على النفوذ إلى حروب مفتوحة، ويضع أمن الإنسان وحقوق الشعوب في صلب أي تسوية مستقبلية.





