وكالة فلسطين 24 الإخباريةالبث المباشر
EN
عاجل
1/3
رأي

حضور فلسطين وكشف حقيقة اليمين

د
د. ربحي دولة
كاتب وسياسي فلسطيني
4 دقائق
حجم الخط:
Xواتساب
د. ربحي دولة
كاتب رأي

د. ربحي دولة

كاتب وسياسي فلسطيني

تابع العالم، كما تابع الشعب الفلسطيني، انتخابات الكنيست التي جاءت نتائجها مغايرة بعض الشيء لكثير من استطلاعات الرأي التي سبقتها، رغم تقارب التوقعات في بعض جوانبها. لكن المفاجأة الأبرز تمثلت في حجم الالتفاف الفلسطيني حول القوائم العربية، في مشهد عكس إصرارا واضحا لدى الجماهير العربية الفلسطينية على استخدام صندوق الاقتراع لمحاسبة قادة حكومة المستوطنين على ما ارتكبوه بحقهم خلال السنوات الأربع الماضية.

لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع هذا الحضور العربي بهذا الحجم، إذ كانت التقديرات تتحدث عن اثني عشر مقعدا على الأكثر. لكن النتائج حملت رسالة واضحة مفادها أن الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948، رغم ما تعرضوا له من تمييز وإقصاء، ما زالوا قادرين على التأثير في المشهد السياسي، وأن محاولات تهميشهم لم تنجح في إبعادهم عن معركة تقرير مصيرهم.

جاءت هذه المشاركة في ظل واقع بالغ القسوة، شهد تفشيا للجريمة والعنف داخل المدن والبلدات العربية، واستمرارا لسياسات هدم البيوت في النقب، إلى جانب التمييز العنصري والتضييق على المجتمع الفلسطيني في مختلف مجالات الحياة. وصحيح أن هذه السياسات ليست جديدة، فقد مارستها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، إلا أن الحكومة الأخيرة كشفت عن وجه أكثر تطرفا، ودفعت قطاعات واسعة من المجتمع العربي إلى اعتبار إزاحتها ضرورة لحماية أمنها وحقوقها.

لذلك، لم تكن المشاركة الواسعة مجرد تصويت لاختيار ممثلين في الكنيست، بل تعبيرا عن غضب متراكم ورغبة في محاسبة حكومة رأت الجماهير العربية أنها تجاوزت كل الحدود في سياساتها وممارساتها. كما وجهت رسالة إلى الأحزاب الإسرائيلية مفادها أن الصوت العربي لم يعد تفصيلا يمكن تجاهله، ولا رقما يستخدم عند الحاجة ثم يجري استبعاده عند تشكيل الحكومات.

لقد أظهرت النتائج أن أيا من المعسكرين لا يستطيع بسهولة تشكيل حكومة مستقرة بمفرده، وأن الصوت العربي أصبح عاملا مؤثرا في تحديد شكل الحكومة المقبلة. لكن قراءة المشهد لا ينبغي أن تتوقف عند حدود التنافس بين معسكر نتنياهو ومعسكر إيزنكوت، بل يجب أن تتجاوز ذلك إلى طبيعة الخريطة السياسية الإسرائيلية، حيث يتشكل معسكر نتنياهو من أحزاب اليمين واليمين المتطرف، بينما يضم المعسكر المنافس قوى تنتمي أيضا إلى اليمين ويمين الوسط، وإن اختلفت معها في بعض المواقف والسياسات.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية؛ فالمواجهة ليست بين يمين ويسار واضحين، بقدر ما هي منافسة بين تيارات يمينية تختلف في أساليبها ومواقفها من إدارة الحكم، وفي درجة استعدادها للتعاون مع الأحزاب العربية. وهذا الواقع يطرح تساؤلات أعمق حول اتجاهات المجتمع الإسرائيلي، ومدى ابتعاده عن القوى التي تتبنى حلولا سياسية قائمة على الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وإنهاء الصراع على أساس العدالة والمساواة.

إن وجود معسكر معارض لنتنياهو لا يعني بالضرورة وجود بديل سياسي مختلف جذريا عن نهجه، كما أن الرغبة في إبعاده عن الحكم لا تعني تلقائيا الاستعداد لتغيير السياسات التي تضر بالفلسطينيين. فحين ينحصر التنافس بين قوى يمينية، بينما يبقى الاعتراف بالحقوق الفلسطينية موضع خلاف أو استبعاد، فإن ذلك يعكس ضيق مساحة البدائل السياسية المطروحة، ويثير تساؤلات جدية حول اتجاهات المجتمع الإسرائيلي وموقع القضية الفلسطينية في حساباته.

وتزداد هذه المفارقة وضوحا عندما نسمع تصريحات من غادي إيزنكوت وغيره من قادة المعارضة بشأن رفض التحالف مع الأحزاب العربية، رغم سعيهم إلى إنهاء حكم نتنياهو. فكيف يمكن لمعسكر يطمح إلى تشكيل حكومة بديلة أن يتجاهل شريحة واسعة من المواطنين العرب، في الوقت الذي قد تكون فيه أصواتهم ضرورية لتحقيق هدفه؟ وهل يعود هذا الرفض إلى حسابات انتخابية مؤقتة، أم أنه يعكس حدودا أيديولوجية أعمق داخل السياسة الإسرائيلية؟

إن المسألة لا تتعلق فقط بمن سيجلس على كرسي رئاسة الحكومة، بل بطبيعة السياسات التي ستتبعها الحكومة المقبلة. فالاختلاف بين معسكر نتنياهو ومعسكر إيزنكوت قد يكون مهما في قضايا إدارة الدولة والعلاقات السياسية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود تحول جوهري في الموقف من الفلسطينيين. والفيصل هنا هو المواقف العملية من المساواة، ومكافحة الجريمة، ووقف هدم البيوت، ومواجهة التمييز، واحترام الحقوق الوطنية والسياسية للفلسطينيين.

لقد كشف الحضور الفلسطيني في الانتخابات حقيقة العلاقة بين الصوت العربي والحسابات السياسية الإسرائيلية، كما كشف أن التنافس بين المعسكرين لا يلغي وجود قواسم مشتركة في بعض المواقف من الفلسطينيين. ومن هنا، فإن التحدي أمام الأحزاب العربية لا يقتصر على استثمار التوازنات البرلمانية، بل يمتد إلى انتزاع التزامات سياسية واضحة تمنع تحويل أصوات ناخبيها إلى مجرد أداة لتبادل السلطة بين قوى لا تقدم تغييرا ملموسا في واقعهم.

وفي النهاية، فإن حضور فلسطين لم يكشف حقيقة اليمين المتطرف وحده، بل سلط الضوء أيضا على طبيعة المعارضة وحدود الاختلاف بينها وبين معسكر نتنياهو. وإذا كان التنافس بين المعسكرين يدور أساسا داخل فضاء سياسي يميني، فإن السؤال الأهم يبقى: هل تستطيع هذه المنافسة أن تنتج تغييرا حقيقيا في السياسات تجاه الفلسطينيين، أم أن تبدل الحكومات سيبقي جوهر المشكلة قائما؟

هنا تكمن دلالة العنوان: حضور فلسطين وكشف حقيقة اليمين. فالفلسطينيون لم يكونوا مجرد رقم في صناديق الاقتراع، بل أصبحوا جزءا مؤثرا في معادلة الحكم، فيما كشفت نتائج الانتخابات أن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير الاتجاهات السياسية. وستبقى حقيقة أي تحول مرهونة بما ستقدمه القوى المتنافسة من خطوات عملية، لا بما ترفعه من شعارات. فالمعيار ليس من ينتصر في صراع المعسكرات، بل ما إذا كان هذا الصراع سيفتح طريقا نحو الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، أم سيظل محصورا في إعادة توزيع السلطة داخل المشهد السياسي الاسرائيلي

د
د. ربحي دولة
كاتب وسياسي فلسطيني
تقارير ذات صلة