وكالة فلسطين 24 الإخباريةالبث المباشر
EN
عاجل
1/3
رأي

قوالب صامتة.. كيف تختزل خوارزميات التعليم ذكاء أبنائنا

«الامتحان أداة، وليس هوية. العلامة مؤشر، وليست حكمًا على قيمة الطفل».

د
د. روان عديلة جواريش
4 دقائق
حجم الخط:
Xواتساب
د. روان عديلة جواريش
كاتب رأي

د. روان عديلة جواريش

أبرز النقاط في هذا التقرير

  • •«الامتحان أداة، وليس هوية. العلامة مؤشر، وليست حكمًا على قيمة الطفل».

في مشهد رمزي قاس، يمكن تخيل الطفل وهو يدخل المدرسة كفكرة نابضة بالاسئلة والفضول والاحلام، ثم يمر عبر خط انتاج طويل من المناهج والامتحانات والتصنيفات، ليخرج في النهاية حاملا رقما على ورقة. رقما يقال له انه يلخص ذكاءه، ويحدد موقعه بين زملائه، وربما يرسم ملامح مستقبله كله.
في هذا المشهد، لا يبدو الطفل انسانا فريدا له صوته وخبرته وقدراته الخاصة، بل يبدو منتجا مدرسيا يجري فحصه وفق مواصفات موحدة. كلما اقترب من الاجابة المتوقعة، نال التقدير. وكلما ابتعد عنها، وضع في خانة الضعف او التقصير. ومع دخول المنصات الرقمية وخوارزميات التقييم الى المدرسة، صار هذا المنطق أسرع وأكثر انتشارا، لكنه لم يصبح بالضرورة أكثر عدلا او إنسانية.

المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، ولا في استخدام البيانات لمساندة التعلم. المشكلة تبدأ حين نمنح الخوارزمية سلطة تحديد معنى الذكاء، وحين نقبل بان تتحول العلامة الرقمية الى حكم نهائي على الطالب. فالخوارزمية تقرأ ما يمكن تحويله الى رقم، زمن الاجابة، عدد الاخطاء، نسبة الحضور، تكرار المحاولات، وترتيب الطالب بين زملائه. لكنها لا ترى ما لا يظهر في الشاشة، لا ترى شجاعة طفل يرفع يده للمرة الاولى بعد خوف طويل، ولا ترى طالبة تقود زميلاتها لحل خلاف داخل فريق، ولا ترى طالبا يملك خيالا واسعا لكنه يحتاج وقتا اطول كي يعبر عنه.
لقد تعلمنا لسنوات طويلة التعامل مع الامتحان بوصفه البوابة الكبرى للنجاح. وكلما ارتفعت العلامة، ارتفعت معها التوقعات والمديح والفرص. وكلما انخفضت، تسللت الى الطالب عبارات قاسية عن قدراته ومستقبله. لكن العلامة، مهما كانت مهمة في قياس جانب من التحصيل، لا تستطيع ان تختصر الانسان. هي تقيس ما صمم الاختبار لقياسه، ولا تستطيع قياس كل ما يحمله الطفل من إمكانات.
قد يتعثر طالب في حفظ قاعدة نحوية، لكنه يملك قدرة نادرة على الاقناع والحوار. وقد لا ينجح آخر في حل مسألة رياضية ضمن الزمن المحدد، لكنه يستطيع بناء نموذج علمي مبدع بيديه. وقد تحصل طالبة على درجات متوسطة في امتحاناتها، لكنها تمتلك حساسية انسانية تجعلها قادرة على احتواء زميلاتها وفهم ما لا يقال. اين تظهر هذه القدرات في ورقة اختبار مغلقة، وفي نظام رقمي يبحث عن اجابة واحدة صحيحة.
هنا تظهر خطورة ما يمكن وصفه بالتيولرية التعليمية، وهي عقلية ادارية تنظر الى المدرسة كما لو كانت مصنعا، وتقيس النجاح بكمية المخرجات وسرعة الانتاج وتطابق النتائج. في هذا النموذج، يصبح الاختلاف مشكلة ينبغي ضبطها، ويصبح البطء عيبا، ويصبح السؤال غير المتوقع تشويشا على سير الدرس. اما الابداع، الذي يحتاج الى وقت وتجريب وخطأ وتردد، فيبدو فائضا لا مكان له في جدول مزدحم بالواجبات والاختبارات.
الخوارزميات التعليمية قد تضاعف هذا الخطر حين تقدم نفسها بوصفها محايدة. فالمنصة التي تتابع اداء الطالب قد تقترح له محتوى أسهل بسبب ضعفه في اختبار سابق، ثم تستمر في توجيهه الى مستوى اقل تحديا. وهكذا تتحول النتيجة الاولى الى مسار طويل يصعب الخروج منه. الطالب لا يعطى فرصة كافية ليتغير او يجرب او يثبت ان ما بدا ضعفا في لحظة معينة كان نتيجة ظروف لا علاقة لها بقدرته الحقيقية.
من حقنا ان نسأل، هل نريد مدرسة تكتشف ما يستطيع الطفل ان يصبحه، ام مدرسة تعيد تثبيت ما تقوله عنه بياناته القديمة. الفرق بين السؤالين كبير. المدرسة التي تؤمن بالانسان ترى في الخطا فرصة للتعلم، وفي التردد بداية لنمو جديد، وفي الاختلاف مصدرا للقوة. اما المدرسة التي تسلم نفسها للرقم، فقد ترى في الخطا دليلا دائما على الفشل.
تقدم نظرية الذكاءات المتعددة التي ارتبطت باسم هوارد غاردنر عدسة مفيدة لفهم هذا التنوع. فهي تلفت الانتباه الى ان القدرة الانسانية لا تظهر في الذكاء اللغوي والمنطقي فقط، بل قد تتجلى في الذكاء البصري، والحركي، والاجتماعي، والذاتي، والموسيقي، والطبيعي. لا ينبغي استخدام هذه النظرية لتصنيف الاطفال في قوالب جديدة، بل لفك القالب الواحد الذي ضيق علينا رؤية قدراتهم.

الطفل الذي لا يتفوق في نمط محدد من الاختبارات ليس اقل ذكاء من غيره. ربما لم يجد بعد المجال الذي يسمح لقدراته بالظهور. وربما كانت لغة الامتحان بعيدة عن طريقته في الفهم والتعبير. وربما يحتاج الى تجربة عملية، او مشروع جماعي، او مساحة فنية، او حوار مفتوح، كي يظهر ما لا تستطيع ورقة صامتة ان تلتقطه.

لهذا، تقع مسؤولية كبيرة على المثلث التربوي، الادارة والمعلم والاهل. فالادارة التعليمية ليست مطالبة فقط بتوفير منصة رقمية حديثة، بل مطالبة بحماية حق الطالب في ان يرى نفسه أكبر من بياناته. عليها ان تسال عن نوع المعلومات التي تجمعها الانظمة الرقمية، وعن الطريقة التي تصنف بها الطلاب، وعن حق المعلم في مراجعة قراراتها وتصحيحها. فالقرار التربوي لا ينبغي ان يصبح نتيجة تلقائية لخوارزمية لا تعرف قصة الطفل ولا ظروفه ولا ما يمر به خارج اسوار المدرسة.

كما يمكن للادارات ان تفتح مساحات حقيقية للتقييم الانساني، عبر ملفات الانجاز، والمشاريع التطبيقية، والعروض الشفوية، والبحث الجماعي، والمبادرات الطلابية، والانشطة الفنية، والرياضية. في مساحات الصنع والتجريب، مثل مشاريع المختبرات الابداعية، يظهر الطالب وهو يفكر ويبني ويخطئ ويعيد المحاولة. هناك يصبح الذكاء فعلا حيا، لا خانة في تقرير.
أما المعلم، فهو القلب الذي لا تستطيع أي منصة أن تستبدله. المعلم الجيد لا يرى ورقة الاجابة فقط، بل يرى الطفل الذي كتبها. يلاحظ تغير ثقته بنفسه، وطريقته في التعاون، واصراره بعد الفشل، وجرأته في طرح السؤال، وقدرته على الاستماع لغيره. وهو يعرف ان الطالب الذي يلتزم الصمت اليوم قد يحتاج الى كلمة دعم واحدة كي يجد صوته غداً.
التقييم الانساني لا يعني الغاء الاختبارات او التخلي عن المعايير، بل يعني وضعها في مكانها الصحيح. الامتحان اداة، وليس هوية. العلامة مؤشر، وليست حكما على قيمة الطفل. والانضباط مهم، لكن ليس على حساب الفضول. نحتاج الى مدرسة تجمع بين الدقة والرحمة، وبين المعايير الواضحة والقدرة على رؤية ما يتجاوزها.
وللأهل دور لا يقل اهمية. حين تعود الشهادة الى البيت، لا ينبغي ان يكون السؤال الاول هو كم حصلت، بل ماذا تعلمت، وما الذي كان صعبا عليك، وما الذي جعلك متحمسا، واين شعرت بانك قادر على الابداع. يحتاج الابناء الى من يفرح بإنجازهم الدراسي، لكنه لا يربط محبتهم او تقديرهم برقم. يحتاجون الى من يساعدهم على اكتشاف شغفهم، ويدعم موهبتهم، ويذكرهم بان طريق النجاح ليس نسخة واحدة للجميع.
في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي حفظ المعلومات واسترجاعها وتنظيمها وانتاج اجابات سريعة، تصبح مهمتنا التربوية أكثر وضوحا. لا نحتاج الى اطفال ينافسون الآلة في سرعة الاستدعاء فقط، بل الى اطفال يتعلمون كيف يتخيلون، وكيف يتعاطفون، وكيف يشكون ويسألون ويبتكرون ويتحملون المسؤولية.
انقاذ عقول ابنائنا يبدأ حين نتوقف عن اختزالهم في علامة، وحين نرفض ان تتحول الخوارزمية الى قاض صامت يرسم حدود قدراتهم. الشهادة ورقة مهمة، لكنها لا تختصر حياة. اما الذكاء الحقيقي، فهو ما يفيض في سلوك الطفل، وفي خياله، وفي علاقاته، وفي قدرته على ان يصنع معنى جديدا لنفسه ولمن حوله.

د
د. روان عديلة جواريش
تقارير ذات صلة