وكالة فلسطين 24 الإخباريةالبث المباشر
EN
عاجل
1/3
تقارير وتحقيقات

صحفيو غزة والرقابة الذاتية.. حين يصبح الخوف شريكًا في صناعة الخبر

خلف الكاميرا.. معركة أخرى لا يراها الجمهور

ف
فريق التحرير — فلسطين 24
غزة3 دقائق
حجم الخط:
Xواتساب
ألبوم صور التقرير (8 صور)
1 / 8
صحفيو غزة والرقابة الذاتية.. حين يصبح الخوف شريكًا في صناعة الخبر - 1

غزة – فلسطين24: تقرير خاص

في غزة، لا تنتهي مهمة الصحفيات والصحفيين عند مغادرة مواقع الأحداث، أو العودة بالكاميرات والتسجيلات والشهادات. فخلف الشاشات، تبدأ معركة أخرى لا يراها الجمهور، حين تتحول المعلومات والصور التي جُمعت في الميدان إلى قرارات تحريرية تحدد ما يُنشر، وما قد يبقى خارج التغطية.

وسط الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما رافقها من قتل ودمار ونزوح قسري وحصار، تواجه الكوادر الصحفية تحديات تتجاوز مخاطر التغطية الميدانية، لتشمل الضغوط المهنية والاجتماعية والاقتصادية والرقمية، في واقع يجعل الوصول إلى الحقيقة ونشرها مهمتين محفوفَتين بالمخاطر.

وقد تكون الشهادة موثقة، والصورة واضحة، والمعلومة مكتملة، لكن الخشية من التهديد أو التشهير أو تعريض المصادر للخطر قد تدفع إلى تعديل المادة أو تأجيل نشرها، وربما التخلي عنها بالكامل.

وهنا يبرز السؤال: أين ينتهي الحذر المهني المشروع، وأين تبدأ الرقابة الذاتية التي قد تحرم المجتمع من معرفة قضايا تمس حياته وحقوقه؟

الخوف يسبق الخبر.. رقابة بلا أوامر

لا تحتاج الرقابة الذاتية دائمًا إلى تعليمات مباشرة أو قرار رسمي بالمنع؛ فقد تتشكل تدريجيًا نتيجة تراكم المخاوف والضغوط، حتى تصبح جزءًا من عملية اتخاذ القرار التحريري.

وفي غزة، قد تتردد بعض الكوادر الصحفية في تناول ملفات تتعلق بتوزيع المساعدات الإنسانية أو أوضاع مراكز النزوح أو الخدمات العامة وأداء المؤسسات، خشية التعرض لضغوط اجتماعية أو مهنية، أو فقدان فرص العمل المحدودة.

وتوضح الصحفية شريهان أبو دقة أن العمل الإعلامي لم يعد يقتصر على جمع المعلومات ونقلها، بل بات يتطلب التفكير في العواقب المحتملة للنشر، خصوصًا عند معالجة قضايا حساسة.

وتشير إلى أن الصحفيات المستقلات يواجهن تحديات إضافية تتعلق بصعوبة التنقل وغياب الاستقرار المهني والضغوط الاجتماعية، فضلًا عن محدودية الحماية المؤسسية والقانونية.

وتتضاعف هذه التحديات حين ترتبط فرص العمل بمشروعات مؤقتة ومصادر دخل غير مستقرة، ما قد يؤثر في القدرة على اتخاذ قرارات تحريرية مستقلة.

فالرقابة الذاتية قد تبدأ قبل كتابة السطر الأول، حين تُستبعد قضية تستحق التغطية بسبب المخاوف من تبعات نشرها.

خلف أبواب النزوح.. قصص تخشى الظهور

في مراكز النزوح المكتظة، تتعدد القضايا التي تستحق المتابعة الصحفية، من شكاوى توزيع المساعدات الإنسانية إلى نقص المياه والخدمات الأساسية، مرورًا بالظروف المعيشية التي تواجه النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة.

لكن تناول هذه الملفات لا يرتبط بالحصول على المعلومات وحده، بل يطرح أسئلة بشأن قدرة الأشخاص المتضررين على الإدلاء بشهاداتهم دون الخوف من تبعاتها.

فقد تخشى نازحة تعتمد أسرتها على المساعدات أن يؤدي ظهورها في تقرير ينتقد آلية التوزيع إلى التأثير في حصولها على الخدمات، وقد يتردد صحفي أو صحفية في متابعة شكوى تتعلق بمركز إيواء خشية الضغوط أو الاتهامات.

وهنا تصبح مهمة الصحافة أكثر تعقيدًا؛ إذ يتعين عليها التحقق من الشكاوى، وإتاحة حق الرد للجهات المعنية، وحماية هوية المصادر عند الضرورة، دون السماح للضغوط بإسكات القضايا ذات المصلحة العامة.

فالقضية التي لا تصل إلى الجمهور لا تختفي من الواقع، لكنها قد تفقد فرصة الوصول إلى الجهات القادرة على معالجتها.

بين الحقيقة والخطر.. قرارات الميدان

في التغطية الميدانية، لا تقتصر المسؤولية الصحفية على توثيق الوقائع، بل تشمل حماية الأشخاص الذين يقدمون شهاداتهم، وتقدير المخاطر المحتملة لنشر الصور والمعلومات.

فالكشف عن هوية شاهد أو شاهدة، أو تحديد موقع شخص نازح، قد يؤدي إلى تعريضه للخطر، خصوصًا في ظل الظروف الأمنية والإنسانية المعقدة.

ويشير الصحفي إبراهيم قنن، مراسل قناة الغد، إلى أن التحديات لا تنتهي عند الوصول إلى مواقع الأحداث وجمع المعلومات، بل تمتد إلى تقدير النتائج المحتملة للنشر.

ويوضح أن التحقق من المعلومات وحماية المصادر يمثلان جزءًا أساسيًا من المسؤولية المهنية، لكن الإشكالية تظهر عندما تتحول المخاوف إلى سبب لتجنب قضايا مهمة، رغم توافر المعلومات اللازمة لتغطيتها.

ويكشف هذا الواقع عن فارق جوهري بين حماية المصادر والرقابة الذاتية؛ فحجب هوية شخص حفاظًا على سلامته إجراء مهني مشروع، بينما قد يؤدي الامتناع عن تناول قضية عامة بسبب الضغوط إلى تقليص حق المجتمع في المعرفة.

صور حبيسة الذاكرة.. حين تتردد العدسة

للكاميرا دور يتجاوز نقل الحدث؛ فهي تحفظ الشهادات البصرية وتوثق التحولات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني تحت وطأة الحرب والتهجير والدمار.

لكن الصورة قد تكشف تفاصيل حساسة تتعلق بهوية الأشخاص أو أماكن وجودهم أو أوضاعهم الإنسانية، ما يضع المصورات والمصورين أمام مسؤولية أخلاقية تتعلق بالخصوصية والكرامة والسلامة.

ويرى المصور الصحفي مازن البريم أن الصورة وثيقة قد تحتفظ بقيمتها لأجيال، وأن قرار نشرها يتطلب الموازنة بين أهمية التوثيق وحماية الأشخاص الذين يظهرون فيها.

ويميز بين الامتناع عن نشر صورة احترامًا لكرامة أصحابها وخصوصيتهم، وبين حجبها نتيجة مخاوف من تهديدات أو ضغوط محتملة.

فليس كل امتناع عن النشر رقابة ذاتية، كما أن إتاحة كل صورة للجمهور لا تعني بالضرورة الالتزام بأخلاقيات العمل الصحفي.

وتبرز أهمية حماية أرشيف الصور والمواد المصورة، بما يضمن الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية، مع احترام خصوصية الضحايا والناجيات والناجين والأطفال وسائر الفئات المعرضة للخطر.

وقد تصبح بعض المواد التي لم تُنشر وقت توثيقها مصادر تاريخية مهمة، أو أدلة محتملة في عمليات التوثيق والمساءلة، شريطة الحفاظ على سلامتها وسياقها ومصداقيتها.

لكن هذه المهمة تضع المصورين أمام قرارات حساسة تتعلق بكرامة الضحايا وخصوصية العائلات وسلامة الأشخاص الذين يظهرون في الصور.

«ليس كل ما تلتقطه الكاميرا يصل إلى الجمهور، وبعض الصور التي تبقى خارج النشر قد تصبح يومًا وثائق تحفظ ذاكرة المجتمع».

الخوارزميات رقيب جديد.. والنشر تحت الحسابات

لا تنتهي التحديات داخل غرف التحرير، بل تمتد إلى المنصات الرقمية التي أصبحت من أبرز وسائل نشر المحتوى الصحفي الفلسطيني والوصول إلى الجمهور.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2023، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش 1050 حالة إزالة أو تقييد لمحتوى على فيسبوك وإنستغرام، ضمن حالات جُمعت من أكثر من 60 دولة، تعلقت غالبيتها بالتعبير السلمي الداعم لفلسطين.

وشملت القيود، بحسب المنظمة، حذف منشورات وتعطيل حسابات وتقييد الوصول إلى المحتوى، ما أثار مخاوف بشأن تأثير سياسات المنصات على حرية التعبير والتوثيق الصحفي.

وقد تدفع هذه المخاوف بعض الصحفيات والصحفيين إلى تغيير العناوين والمفردات، أو تجنب نشر صور ومقاطع معينة، تحسبًا لاحتمال تقييد الحسابات أو تقليص وصول المحتوى.

وبذلك لا يقتصر تأثير المنصات على ما يحدث بعد النشر، بل قد يمتد إلى تشكيل المادة الصحفية قبل وصولها إلى الجمهور.

وتبرز الحاجة إلى تعزيز مهارات الأمن الرقمي، وتوثيق حالات تقييد المحتوى، وتطوير آليات للاعتراض وحماية الأرشيف الإعلامي، دون التضحية بالدقة أو الحق في توثيق الانتهاكات.

حين يصبح الصمت خيارًا.. من يحمي الصحافة؟

لا تنحصر آثار الرقابة الذاتية في القرارات الفردية للعاملات والعاملين في الإعلام، بل قد تمتد إلى المجتمع، عندما تغيب عن التغطية قضايا تتعلق بالحقوق والخدمات والمساءلة.

وتوضح سحر غانم، المختصة بالحريات الإعلامية في نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أن الرقابة الذاتية قد تؤدي إلى تقييد المحتوى دون وجود قرار مباشر بالمنع، نتيجة الخوف من التهديد أو التشهير أو فقدان مصدر الدخل.

وتؤكد أهمية توفير الحماية القانونية والمهنية للصحفيات والصحفيين، وتعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية، وإنشاء آليات آمنة لتلقي الشكاوى، وتطوير التدريب على السلامة المهنية والأمن الرقمي.

وفي غزة، تتضاعف أهمية هذه المطالب في ظل الظروف المعيشية الصعبة، وتضرر البنية التحتية الإعلامية، ومحدودية الموارد وفرص العمل.

فحرية الصحافة لا تتحقق بمجرد الاعتراف بحق النشر، بل تتطلب ضمانات عملية تتيح للكوادر الصحفية أداء مهامها باستقلالية، دون خوف من التهديد أو الانتقام أو فقدان مصدر الرزق.

ما وراء الخبر.. قصص لم تصل إلى الجمهور

ربما يكون الأثر الأكثر تعقيدًا للرقابة الذاتية هو ذلك الذي يصعب قياسه؛ فالقصة التي لم تُكتب، والصورة التي لم تُنشر، والشهادة التي بقيت في التسجيلات، لا تظهر في إحصاءات الإنتاج الإعلامي.

 

وقد تتعلق هذه المواد بقضايا تمس حياة النساء والرجال والأطفال في غزة، مثل عدالة توزيع المساعدات، وأوضاع مراكز النزوح، والخدمات الأساسية، والانتهاكات التي تتعرض لها الفئات الأكثر هشاشة.

وحين تغيب هذه القضايا عن النقاش العام، لا تخسر الصحافة مساحة من استقلاليتها فحسب، بل يخسر المجتمع فرصًا للمساءلة والمطالبة بالحقوق والبحث عن حلول.

ولا تعني مواجهة الرقابة الذاتية مطالبة الصحفيات والصحفيين بالمجازفة بحياتهم أو تعريض مصادرهم للخطر، وإنما توفير بيئة مهنية وقانونية ورقمية تساعدهم على توثيق الوقائع ونشرها بمسؤولية واستقلالية.

إن حماية الصحفيات والصحفيين في غزة لا تعني الحفاظ على سلامتهم الجسدية والمهنية وحدها، بل حماية قدرة المجتمع الفلسطيني على رواية تجربته، وتوثيق الانتهاكات، ومساءلة الجهات المسؤولة، والدفاع عن حقوقه دون خوف.

وفي غزة، حيث تحمل الكلمة والصورة ذاكرة مجتمع يواجه الحرب والتهجير وفقدان الأمان، تصبح حرية الصحافة حقًا يتجاوز ما يظهر على الشاشات.

ويبقى السؤال الأهم: كم من القصص والشهادات والصور لم تصل إلى الجمهور، لأن الخوف سبق قرار النشر؟

 

تنويه: تم إعداد هذا التقرير بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage، تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التقرير بأي شكل من الأشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.

تقارير ذات صلة