وكالة فلسطين 24 الإخباريةالبث المباشر
EN
عاجل
1/3
تقارير وتحقيقات

من صيد الأسماك إلى انتشال الإسمنت.. صيادو غزة يغامرون بحياتهم بحثًا عن لقمة العيش

بعد فقدان معدات الصيد وتراجع مصادر الرزق بفعل الحرب، يلجأ صيادون إلى انتشال كتل الإسمنت من حطام سفينة غارقة منذ نصف قرن، وسط مخاطر تهدد حياتهم.

ف
فريق التحرير — فلسطين 24
غزة3 دقائق
حجم الخط:
Xواتساب
ألبوم صور التقرير (7 صور)
1 / 7
من صيد الأسماك إلى انتشال الإسمنت.. صيادو غزة يغامرون بحياتهم بحثًا عن لقمة العيش - 1

غزة – فلسطين24

في مشهد يعكس قسوة الأوضاع المعيشية التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تحوّل عدد من الصيادين الفلسطينيين من صيد الأسماك إلى استخراج كتل الإسمنت المتحجرة من أعماق البحر، في محاولة لتأمين قوت عائلاتهم بعدما فقدوا معداتهم ومصادر رزقهم، وتراجعت قدرتهم على ممارسة مهنتهم التقليدية.

وعلى امتداد الساحل، لم يعد البحر بالنسبة إلى بعض الصيادين مصدرًا للأسماك كما كان في السابق، بل أصبح مساحة للبحث عن أي مورد يمكن تحويله إلى دخل، حتى وإن تطلب ذلك المخاطرة بالحياة والغوص بأدوات بدائية وسط ظروف شديدة الخطورة.

وتتمثل المهنة الجديدة في استخراج كتل إسمنتية من حطام سفينة غرقت قبالة شواطئ قطاع غزة قبل نحو خمسين عامًا، بعدما اكتشف صيادون وجود كميات من الإسمنت المتصلب داخل بقاياها، ما دفعهم إلى محاولة انتشالها وبيعها لتوفير احتياجات أسرهم الأساسية.

رحلة محفوفة بالمخاطر

تبدأ رحلة البحث عن الإسمنت بالنزول إلى أعماق البحر لمسافة تصل إلى نحو ثلاثة أمتار، حيث يستخدم الغطاسون مطارق وأدوات حديدية بسيطة لتفتيت الكتل الإسمنتية المتماسكة وانتزاعها من بين أجزاء السفينة الغارقة.

وفي ظل غياب معدات الغوص الحديثة وأسطوانات الأكسجين، يعتمد العاملون على حبس أنفاسهم تحت الماء لفترات قصيرة، قبل الصعود إلى السطح لالتقاط أنفاسهم والعودة مجددًا لاستكمال العمل.

وتتكرر هذه العملية مرات عديدة خلال ساعات العمل، فيما يتولى صيادون آخرون سحب الكتل الثقيلة بالحبال ورفعها إلى قوارب صغيرة، تمهيدًا لنقلها إلى الشاطئ وتجهيزها للبيع.

ولا تقتصر المخاطر على صعوبة الغوص أو احتمال التعرض للإصابات، بل تشمل أيضًا الإرهاق الجسدي الناتج عن التعامل مع كتل إسمنتية ثقيلة، والعمل وسط حطام قديم وأجزاء حادة، فضلًا عن المخاطر الأمنية التي يواجهها الصيادون في عرض البحر.

الحرب تغيّر ملامح مهنة الصيد

دفعت الحرب الإسرائيلية وما رافقها من دمار وخسائر اقتصادية العديد من العاملين في قطاع الصيد إلى البحث عن بدائل لمهنهم، بعدما تعرضت قوارب وشباك ومعدات صيد للفقدان أو التلف، وتقلصت فرص العمل المتاحة لهم.

وكانت مهنة الصيد تشكل مصدر دخل أساسيًا لعائلات فلسطينية عديدة على امتداد ساحل قطاع غزة، إلا أن الظروف التي فرضتها الحرب جعلت الاستمرار فيها أكثر صعوبة، في ظل نقص الإمكانات والمعدات وتراجع القدرة على الوصول إلى مناطق الصيد.

وأمام محدودية الخيارات، وجد بعض الصيادين في الإسمنت المتحجر داخل السفينة الغارقة فرصة للحصول على دخل يومي، رغم أن عملية استخراجه تتطلب جهدًا مضاعفًا مقارنة بطبيعة عملهم المعتادة.

وباتت المطارق والحبال والأدوات الحديدية بديلًا عن الشباك ومعدات الصيد، في تحول يكشف حجم التغيرات التي أصابت الحياة الاقتصادية والمهنية في القطاع.

مشقة يومية لتأمين احتياجات الأسر

تتطلب عملية استخراج الإسمنت تعاون مجموعة من العاملين، يتوزعون بين الغوص وتكسير الكتل ورفعها إلى القوارب ونقلها إلى الشاطئ، في سلسلة من المهام الشاقة التي تستنزف طاقتهم الجسدية.

ويواجه بعض العاملين ظروفًا صحية صعبة وإصابات سابقة، ما يزيد من مشقة حمل الأحجار الثقيلة والعمل لساعات طويلة، إلا أن الحاجة إلى توفير الغذاء والمستلزمات الأساسية تدفعهم إلى مواصلة هذه المهنة.

ورغم الجهد المبذول والمخاطر المصاحبة للعمل، لا يضمن استخراج الإسمنت تحقيق دخل ثابت، إذ يرتبط العائد بكمية المواد التي يتمكن الصيادون من انتشالها وإمكانية بيعها.

وتعكس هذه الظروف واقعًا اقتصاديًا قاسيًا تعيشه عائلات فقدت مصادر دخلها، وأصبحت تعتمد على أعمال مؤقتة وغير مستقرة لتلبية احتياجاتها اليومية.

من البحر إلى الحطام

لا يمثل استخراج الإسمنت من السفينة الغارقة نشاطًا اقتصاديًا اعتياديًا، بل يعكس حجم التحولات التي طرأت على حياة الصيادين في غزة، بعدما دفعتهم الظروف إلى استبدال مهنتهم الأصلية بأعمال تنطوي على مخاطر جسدية وأمنية.

فالبحر الذي ارتبط تاريخيًا بحياة سكان غزة ومصادر رزقهم، أصبح بالنسبة إلى هؤلاء الصيادين مكانًا للبحث بين الحطام عن مواد يمكن بيعها، في محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي فرضته الحرب.

ومع استمرار الصعوبات التي تواجه قطاع الصيد، تبقى العودة إلى ممارسة المهنة التقليدية مرهونة بتوافر المعدات اللازمة وتحسن الظروف الأمنية والمعيشية، بما يتيح للصيادين استعادة قدرتهم على العمل بصورة آمنة ومستقرة.

وفي مشهد يلخص جانبًا من المعاناة اليومية في قطاع غزة، يواصل الصيادون الغوص في أعماق البحر بحثًا عن كتل الإسمنت، بعدما كانت رحلاتهم تبدأ بحثًا عن الأسماك وتنتهي بشباك تحمل رزق عائلاتهم.

هكذا، لم يعد بعض صيادي غزة يعودون من البحر بما تجود به مياهه من أسماك، بل بما يستطيعون انتزاعه من حطام سفينة غارقة، في محاولة شاقة لانتزاع لقمة العيش من قلب الخطر.

تقارير ذات صلة