غزة: فلسطين24 – أميرة وافي
لم تكن إيمان محمد المغير تتخيل أن الصالة الرياضية التي أمضت سنوات في بنائها وتطويرها ستتحول إلى مجرد ذكرى، وأنها ستجد نفسها ذات يوم داخل خيمة نزوح، تصنع أدوات التدريب من علب المعلبات وزجاجات المياه المملوءة بالرمل، في محاولة للحفاظ على شغفها بالرياضة ومساعدة نساء يواجهن ظروف النزوح ذاتها.
فبعد أن دمرت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة صالتها الرياضية، التي تقول إنها استثمرت فيها نحو مليون دولار، وجدت إيمان، عضو الاتحاد الفلسطيني لكمال الأجسام واللياقة البدنية، نفسها أمام خسارة لم تقتصر على مصدر رزقها، بل امتدت إلى مشروع عمرها الذي ارتبط بأحلامها وطموحاتها المهنية.
ورغم النزوح إلى منطقة المواصي في رفح، وما رافقه من ظروف معيشية قاسية، رفضت إيمان أن تكون خسارة الصالة نهاية علاقتها بالرياضة، وقررت استثمار خبرتها في تقديم تمارين منزلية للنساء النازحات، باستخدام أدوات بسيطة يمكن توفيرها داخل الخيام.
صدمة فقدان مشروع العمر
بالنسبة إلى إيمان، لم تكن الصالة الرياضية مجرد مكان لممارسة التمارين، بل مساحة بنت فيها أحلامها، ومصدر رزق لها ولشريكاتها، ووجهة للنساء والفتيات الراغبات في تحسين لياقتهن البدنية والتخفيف من الضغوط النفسية.
ومع اندلاع الحرب واضطرارها إلى النزوح، تركت خلفها سنوات من العمل والاستثمار، دون أن تعرف مصير المشروع الذي كرست له وقتها وجهدها.
ومن داخل خيمة النزوح، ظلت تتابع صور الأقمار الصناعية، بحثاً عن أي مؤشر يطمئنها إلى أن صالتها ما زالت قائمة، قبل أن يصلها خبر تدميرها.
شكّل الخبر صدمة قاسية لإيمان، التي وجدت نفسها أمام واقع جديد، بعدما فقدت المشروع الذي كانت تعتمد عليه في تأمين مستقبلها.
وزادت قسوة التجربة مع تزامنها مع حملها بطفلتها الأولى، إذ أصبحت تواجه تحديات النزوح وفقدان مصدر الدخل، إلى جانب مخاوف الأمومة ومسؤولياتها في ظل ظروف الحرب.
لكن وسط تلك الخسارات، بدأت تفكر في كيفية الاستفادة من خبرتها الرياضية، والبحث عن وسيلة تتيح لها مواصلة عملها، ولو بإمكانات محدودة.
من علب المعلبات إلى أوزان رياضية
داخل خيمتها، حيث تغيب المعدات الرياضية والمساحات المخصصة للتدريب، بدأت إيمان تبحث عن بدائل يمكن استخدامها لممارسة التمارين.
لم تكن الخيارات كثيرة، لكن علب المعلبات وزجاجات المياه الفارغة أوحت لها بفكرة بسيطة: تحويلها إلى أوزان بديلة بعد ملئها بالرمل، والاستفادة منها في أداء تمارين تناسب الإمكانات المتاحة.
ومن هنا بدأت تجربتها الجديدة.
وظفت إيمان خبرتها في اللياقة البدنية لإعداد تمارين يمكن للنساء تنفيذها داخل الخيام، دون الحاجة إلى أجهزة رياضية أو اشتراكات في صالات التدريب.
وبدأت بتصوير مقاطع فيديو باستخدام هاتفها المحمول، ونشرها عبر حسابها على منصة «إنستغرام»، موضحة كيفية أداء التمارين والاستفادة من الأدوات المنزلية البسيطة.
ومع مرور الوقت، لم تعد المقاطع مجرد محاولة شخصية لاستعادة شغفها، بل تحولت إلى مبادرة تسعى من خلالها إلى تشجيع النساء النازحات على الحركة والاهتمام بصحتهن، رغم افتقارهن إلى أبسط مقومات الحياة الطبيعية.
تفاعل نسائي يشجعها على الاستمرار
لم تتوقع إيمان أن تحظى مقاطعها الرياضية بهذا القدر من التفاعل، لكنها بدأت تتلقى رسائل من نساء وفتيات يعبرن عن حاجتهن إلى التمارين التي تقدمها.
وتحدثت بعض المتابعات عن معاناتهن من آلام الظهر والركبتين والمفاصل، وضعف العضلات والإرهاق الجسدي، في ظل ظروف النزوح وقلة الحركة والأعباء اليومية المتزايدة.
وبحسب تقديرات إيمان، أبدت نحو 80% من النساء المتفاعلات مع محتواها رغبتهن في استمرار نشر التمارين، وهو ما منحها دافعاً إضافياً لمواصلة المبادرة.
ولم تخلُ تجربتها من الانتقادات والتعليقات السلبية، لكنها اختارت التركيز على رسائل التشجيع والتجارب التي تشاركها النساء معها.
فبالنسبة إليها، أصبح التفاعل مع المتابعات جزءاً أساسياً من المبادرة، ووسيلة للشعور بأنها لا تزال قادرة على تقديم شيء مفيد، رغم خسارة مشروعها وظروف نزوحها.
تدريب مجاني وسط تحديات الخيمة
لم يكن الانتقال من صالة مجهزة بالمعدات إلى خيمة نزوح أمراً سهلاً بالنسبة إلى مدربة اعتادت العمل في بيئة رياضية متخصصة.
فالمساحة الضيقة، وتقارب الخيام، وغياب الخصوصية، كلها تحديات تجعل تصوير مقاطع التدريب مهمة تحتاج إلى ترتيبات يومية.
وتضطر إيمان إلى اختيار أوقات تقل فيها الحركة حول خيمتها، حتى تتمكن من تصوير التمارين دون إزعاج المحيطين بها.
وتضاف إلى ذلك صعوبات شحن الهاتف وضعف الاتصال بالإنترنت وانقطاعه المتكرر، ما يؤخر نشر المقاطع ويجعل التواصل مع المتابعات أكثر صعوبة.
ورغم هذه العقبات، تواصل تقديم محتواها الرياضي مجاناً، دون مقابل مالي، انطلاقاً من رغبتها في مساعدة النساء اللواتي يعشن ظروفاً مشابهة.
وبينما فقدت مصدر رزقها الأساسي، وجدت في هذه المبادرة وسيلة للحفاظ على ارتباطها بمهنة أحبتها، وتحويل خبرتها إلى منفعة للآخرين.
الرياضة مساحة للتخفيف من ضغوط النزوح
لا تنظر إيمان إلى الرياضة باعتبارها وسيلة لتقوية العضلات وتحسين اللياقة البدنية فحسب، بل تراها أيضاً فرصة للنساء لتخصيص وقت لأنفسهن، بعيداً عن الضغوط اليومية التي فرضتها الحرب والنزوح.
فالنساء داخل الخيام يتحملن أعباء متزايدة، تبدأ برعاية الأطفال وتأمين الاحتياجات الأساسية للأسرة، ولا تنتهي بمحاولة التكيف مع غياب الخصوصية والاستقرار.
وفي ظل هذه الظروف، تسعى إيمان إلى تشجيع النساء على ممارسة التمارين المناسبة لقدراتهن الصحية، حتى لو كانت لفترات قصيرة وبأدوات بسيطة.
وتؤمن بأن فقدان الصالات الرياضية والمعدات لا ينبغي أن يعني التخلي عن الاهتمام بالصحة، وأن بإمكان النساء إيجاد مساحة صغيرة للحركة والنشاط، مهما كانت الظروف المحيطة صعبة.
وتحاول من خلال مقاطعها أن تقدم رسالة تتجاوز حدود التدريب الرياضي، مفادها أن الاهتمام بالنفس يظل حقاً وضرورة، حتى في أصعب الظروف.
شغف لم تدمره الحرب
بين صالة رياضية كانت تمثل ثمرة سنوات من العمل والطموح، وخيمة نزوح تحولت إلى مساحة صغيرة للتدريب، تقف إيمان المغير أمام تجربتين متناقضتين؛ الأولى تختصر حجم ما فقدته، والثانية تعكس محاولتها المستمرة للبدء من جديد.
لم تستطع استعادة صالتها أو المعدات التي خسرتها، لكنها استطاعت أن تجد في علب المعلبات وزجاجات المياه وسيلة لمواصلة رسالتها الرياضية.
واليوم، وبينما تواصل النساء النازحات مواجهة تحديات الحياة داخل الخيام، تحاول إيمان أن تمنحهن فرصة للاهتمام بصحتهن الجسدية والنفسية، مستفيدة من خبرتها وما توفر لديها من إمكانات.
فالحرب التي دمرت صالتها الرياضية وحرمتها من مشروع عمرها، لم تتمكن من إنهاء شغفها؛ ومن داخل خيمة النزوح، بدأت إيمان فصلاً جديداً من رحلتها، بأدوات بسيطة وإصرار على مواصلة ما تحب.





