وكالة فلسطين 24 الإخباريةالبث المباشر
EN
عاجل
1/3
رأي

أما آن لأمتنا أن تحقق الاستقلال التاريخي للذات العربية!

«إن الوحدة ليست شرطاً للتنمية والتقدم فحسب، بل إنها المتنفس الوحيد والسليم للدول العربية المختلفة».

د
دكتورة خديجة صبار
4 دقائق
حجم الخط:
Xواتساب
دكتورة خديجة صبار
كاتب رأي

دكتورة خديجة صبار

أبرز النقاط في هذا التقرير

  • •«إن الوحدة ليست شرطاً للتنمية والتقدم فحسب، بل إنها المتنفس الوحيد والسليم للدول العربية المختلفة».

دكتورة خديجة صبار
خرج التحديث من ظاهرة الاستعمار التي مارستها فرنسا في أقطار، ومارستها بريطانيا في أقطار أخرى، وكرست ازدواجية مركبة وعميقة في جسد مجتمعاتنا العربية، ازدواجية اقتصادية واجتماعية وثقافية وحضارية عامة، كان من نتائجها ما نشاهده اليوم من هوة سحيقة بين المركز والأطراف اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وممارسات. وبقي الاختلاف الذي نتج عن التحديث الاستعماري بنوعيه، القسري والتبعي بعد استقلال أقطارنا اختلافا في النوع لا غير.
تمكنت أوربا من مد الجسور بين البادية والمدينة، والتقليص من الاختلافات بينهما بفضل التصنيع الذي هو وحده أساس التحديث وأبو الحداثة، هذا ما يجب أن لا يغيب عن ذهننا. حول التصنيع الصراع في أوربا من صراع أفقي إلى صراع عمودي طبقي، وأمكن تجاوز التناقض الطبقي الحاد الذي أحدثه التصنيع بفضل نضالات الطبقة العمالية لانتزاع حقوقها التي هدرها الاستغلال الطبقي، وكانت النتيجة اضطرار الطبقات المستغلة إلى الاستجابة التدريجية لجل تلك الحقوق لأن المعامل لا يقوم لها وجود بدون العمال؛ فما كان يجمع، وفي نفس الوقت يفرق، بين أرباب المعامل والعمال، شيء واحد هو أدوات الإنتاج، ذلك هو الأساس الذي قام عليه التحديث في أوربا، هذا التحديث الذي سيكون بدوره أساس الحداثة فيها. أما في بلداننا كما في جميع البلدان المستعمرة “سابقا” فالأمر يختلف، فالاستعمار لم ينقل إليها الصناعة والتصنيع بل بالعكس نهب منها المواد الأولية الضرورية للصناعة في وطنه وفرض عليها أنماطا من الاستهلاك مازالت غارقة فيه لحد الساعة، مما حرمها من الحركة والتطور والنمو على مستوى البنيات الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية، وكرس فيها الثنائيات المعروفة: في المسكن والملبس والفكر والثقافة والرؤى والسلوك، والنتيجة الصراع بين “التقليدي” و”الحداثي” بين “الأصالة” و”المعاصرة”: سلاح الأول توظيف الدين في تعبئة العامة وسلاح الثاني مساندة الحكومات وتحريضها، علما أنها جميعها غير ديمقراطية وغير مستقلة عن إرادة الغرب العدواني الاستعماري الاحتكاري الذي لا يريد أن نمتلك التقانة والعلم بل يسعى علانية لكي نبقى سوقا استهلاكية لمنتوجاته.
هذا هو الصراع الذي تعيشه أقطارنا اليوم وغدا. إنه صراع لا تاريخي بمعنى أنه لا يحمل في جوفه ما يمكن أن ينتج عنه أي تقدم حقيقي إنه مجرد اقتتال: ما كان منه موجها ضد الغرب والحداثة وما كان منه موجها ضد الماضوية وما كان منه موجها من أجل الحداثة لا ينتج غير التوتر وعدم الاستقرار. والسياسة البراغماتية للغرب تفرض التعامل مرة مع التيار الحداثي وأخرى مع التيار الإسلامي طبقا لمصلحتها السياسية وللواقعية كما تفهمها. والسؤال الإشكالي هنا: ما هو المخرج بالنسبة لنا، أبناء ما يسمونه “الشرق الأوسط”، أبناء العالم الإسلامي؟ إنه شيء أقرب إلى ما سماه “غرامشي” ب “الكتلة التاريخية”. من هنا أهمية العودة إلى هذه الفكرة التي نادى بها المفكر المغربي العربي محمد عابد الجابري، في مناسبات عدة منذ عام 1982: وتعني كتلة تجمع فئات عريضة حول أهداف واضحة، تتعلق أولا بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية السياسية والاقتصادية والفكرية، وتتعلق ثانيا بإقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها، إلى درجة كبيرة، التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للإنتاج، كما ركز الأستاذ خير الدين حسيب بإقامتها على قاعدة أهداف المشروع النهضوي العربي الستة، كصيغة أقرب إلى التوافق التاريخي أو التسوية التاريخية بين التيارات، لتعبر عن حاجات المجتمع وتستجيب لمصالح أوسع الفئات والقوى فيه، كخيار وحيد لمواجهة الأزمة التي تستهدف وجود الأمة وهويتها واستقلالها ومواردها. وبما أن مشكلة التنمية في الوطن العربي، باعتبارها (=التنمية) عملية حضارية، مرتبطة بقضية الوحدة والقضاء على الانقسامات، فإن هذه الكتلة يجب أن تتخذ بعدا قوميا في جميع تنظيراتها لأن إرادة التغيير المأمول الذي طال انتظاره، تتطلب وحدة التفكير لتحقيق وحدة الهدف، أقتبس من كلام الأستاذ الجابري:” كان الباعث على اهتمامي بالموضوع هو ما لاحظته، وما كنا نلاحظه جميعا، من سلوك الثورة الإيرانية به نجاحها. قامت الثورة عام 1979، وقد قامت بها كتلة تاريخية، أعني الشعب الإيراني كله بما فيه رجال الدين، وحزب مجاهدي خلق اليساري، وأصحاب البازار الذين يمثلون الطبقة الرأسمالية. فهذه الثورة كانت ثورة الشعب كله، ونجحت لأنها كانت كذلك”. وجعَلها مفتوحة وتسع للجمع لا يستثنى منها إلا من غيب نفسه بنفسه.

واليوم حاضر منطقتنا العربية التي هي وحدة واحدة، يسوده التمزق الاجتماعي والتخلف الفكري والخضوع للهيمنة الإمبريالية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وإيديولوجيا أكثر من أي وقت مضى، يتم التعامل معها كأجزاء للتمكن من المزيد إضعافها وتعقيد واقعها، فكيف نحافظ على ذواتنا بل وكياننا المهدد والمعلن عنه صراحة، كيف نساهم في هذه الحضارة التي أصبحت حضارة العالم في عصرنا، ما هي المهام المطروحة علينا وهي مهام إن أخلفنا الوعد معها بقينا خارج التاريخ ! والعالم اليوم هو عالم تكتلات إقليمية، فكيف سنحتل مكاننا فيه إذا بقينا بدون حد أدنى من وحدة الرؤية، ووحدة المنهج، ووحدة العمل، لاسيما والوطن العربي متنوع وغني برجاله ونسائه وشبابه وأمواله وخيراته الطبيعية والبشرية، وبموقعه الإستراتيجي وإمكاناته العديدة التي لم تستغل بعد لصالحه: لنتصور حاضرنا لو أننا وظفنا كل طاقاتنا من الخليج إلى المحيط في عملية تنموية واحدة متكاملة ! (علما أن لو غير موجودة في التاريخ). المسألة في نهاية المطاف مرهونة بعزمنا وقناعتنا، بإرادتنا السياسية. ومهما بعدت المسافة بيننا وبين الحضارة الحديثة والتقدم العلمي المتسارع فمازالت هناك إمكانية لتدارك الموقف في عالم يتغير بسرعة فائقة منذ حدث طوفان الأقصى المبارك إلى العدوان على الحمهورية الإسلامية الفاقد للشرعية الذي عرى كل شيء، وما أفرزه من المآلات المتمثلة في تنامي الوعي الشعبي الغربي ( إفراز الانتخابات النصفية في أمركا وفي الكيان الصهيوني).
ورغم أن فرصة الطفرة النفطية الذهبية خلال سبعينيات القرن الماضي قد فقدت بعض قيمتها ولم يستفد منها سوى الغرب الذي غرس الكيان الصهيوني في قلب أمتنا، وأظهر جحوده بالعيان لدول الخليج في صورة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الذي غرف من أموالها بالأكياس مقابل تثبيت أمنها، ليكشف بصفاقته المعهودة عن حقيقة الغرب الأطلسي الحريص على مصالحه، وعن ارتباطه العضوي بالكيان الصهيوني وحمايته ومؤازة مجازره وتفريخ المستوطنات واستهداف المقدسات، وحبه لأموال الخليج لا غير، فضلا على أن عدم الحسم في ما يجري هدفه إدامة النزاع في منطقتنا التي مزقتها الحروب المفتعلة، لخلق المزيد من الفرقة والتجزئة بين الجيران المحكومين بالجغرافيا كعامل محدِد، والقضاء على مشروع المقاومة بأجنحتها المختلفة السياسية والإعلامية والحقوقية. والمشهد أمام هذا الواقع يفرض شروطه، ويتطلب العقلنة في التفكير والتدبير والتوافق على المشترك في إطار بنية فكرية إيديولوجية واحدة للتأسيس لتطبيق برنامج العمل للمشروع النهضوي العربي، من أجل النهوض بمستقبل الأمة العربية التي لن تعود إلى التاريخ إلا باتحاد مكوناتها في كتلة تاريخية، تستجيب لحاجة عملية يفرضها وضع الذات العربية في الوقت الراهن للخروج من هذا المخاض العسير: فإما السير في طريق الوحدة وهي من أهداف القومية وبالتالي طريق الاستقلال الذاتي، وإما مواصلة المسير في طريق التبعية لمراكز الهيمنة الخارجية. والمسؤولية تتحملها بالدرجة الأولى الأنظمة العربية التي لم تصل بعد إلى مستوى الوعي التاريخي لتسوية خلافاتها البينية عبر دبلوماسية الحوار المفتوح والتواصل والتفاهم بحكم منطق الجغرافيا والتاريخ عوض الخلافات، لأن العدو الحقيقي ومصدر الخطر الرئيس هو الكيان الصهيوني العنصري السفاح، مغتصب أرض فلسطين وصانعيه لتمزيق الصف العربي وقتل أي محاولة لتوحيده (كان بريطانيا بالأمس وهو اليوم الغرب الأطلسي بقيادة أمريكية). وجود الكيان يتغذى بخلق الضغائن والحروب والتجزئة وتفتيت المنطقة منذ 1948، تاريخ تأسيسه ويُدَعم للتمكين المتبوع بالتمدد والتوسع كأخطبوط في كل اتجاه، لقضم المزيد من الأرض في سياق استراتيجية محكمة ومتبعة بدقة، وما العدوان على الجمهورية الإسلامية إلا الإمعان في تفتيت المنطقة من جهة ولموقفها من القضية الفلسطينية من جهة ثانية؛ فأمن المنطقة بيد الأمة وتعاون مكوناتها مع الانفتاح من باب الندية لا التبعية وباتخاذ المواقف الحازمة ضد العدوان الأمريكي لما فيه مصلحة الجميع وذلك بالتفاعل وبفتح حوار عميق وصريح لدول الخليج مع الجمهورية الإسلامية الجارة، لما هو في صالح الجميع وفي صالح المنطقة ككل.
ما زالت هناك إمكانات متنوعة للتغيير المنشود تتطلب الحزم المؤدي إلى تكتل الجميع في حدود معينة يتفق عليها، غير أن ما نحتاج إليه هو الإرادة السياسية التي تعكس تطورا في الفكر العربي والعقل المنتج له، للدخول عمليا في العمل الوحدوي المخطط، لأن الوحدة ليست شرطا للتنمية والتقدم فحسب بل إنها المتنفس الوحيد والسليم للدول العربية المختلفة. وهذه الحاجة إلى التكتل والتضامن ضمن مجموعات إقليمية كبرى ليست ضرورية للعرب وحدهم بل هي من ضرورات التقدم في عصرنا الحالي، عصر تطور العلم والتقانة. إننا نعيش فعلا في زحمة من الأحداث تدفع بنا نحو المستقبل الذي ينتظرنا في عالم يطبعه السباق لغزوه (=المستقبل) ليس على صعيد الكرة الأرضية فقط بل على مستوى اللغة والفكر و الإيديولوجيا، وعلى مستوى أذواق الناس وتحديد سلوكهم التجاري بل أيضا التأثير في عقولهم ووعيهم السياسي والاجتماعي كذلك، ونحن لا نشعر فقط بأننا في عملية الغزو الشاملة هذه بل في أتونه، لا نحتل مكانتنا الطبيعية بل نشعر بأننا أصبحنا ننزلق بسرعة لنكون موضوعا ومحلا لهذا الغزو وليس من المساهمين فيه بله القائمين به. هذا بالإضافة إلى أنه يجب أن نضع في اعتبارنا أن المنطقة العربية مستهدفة أكثر من أي وقت مضى، وأكثر من غيرها بسبب موقعها الجغرافي الإستراتيجي وإمكاناتها النفطية وطاقاتها الاستهلاكية، وبسبب الأطماع الصهيونية المدعومة التي لا حدود لها. و إذا نحن أضفنا إلى هذا كله أن الوضع الراهن لثقافتنا وضع مترهل لا يصمد أمام مثل هذا الغزو بل هو قابل له ومنفتح عليه من طرف البعض بصورة تهدد كياننا كأمة، وبإمكاننا أن نتوقع أن سلبيات الوضع الراهن ستزداد تجدرا واستفحالا وأن مجتمعنا العربي سيزداد تمزقا داخل القطر الواحد لا قدر الله: فئات منساقة ومستسلمة لهذا الغزو، وفئات رافضة متشبثة بمواقع خلفية، وأخرى ترى الخصوصية في الطائفية لا في الوحدة، ذلك أن الوحدة إذا كانت شرطا للتقدم بالنسبة للشعوب الصغيرة بالأخص منها تلك التي تشكل وحدات إقليمية فمن الواضح اليوم أن المستقبل هو للمجموعات الكبيرة المتكتلة وليس للشعوب الصغيرة المتفردة. إن التقدم على صعيد العلم والتقانة والصناعة والاقتصاد مشروط في وطننا العربي بقيام الوحدة بين الأقطار العربية والإسلامية يجعل قدراتها الاقتصادية والبشرية تتكامل في برامج لتنمية شاملة وبعيدة المدى. غير أن هذه الوحدة على صعيد البنى المادية لا يمكن أن تتحقق في وطننا العربي بمعزل عن وحدة مماثلة على صعيد البنى الفكرية والإيديولوجية والنفسية والوجدانية. ويستحضر الأستاذ الجابري المثال من تاريخنا، إذ لم يتمكن لا “الأمويون” ولا “الخوارج” ولا “الشيعة” ولا “أهل السنة والجماعة” ولا “المعتزلة” من تجاوز “الفتنة” إلا عندما شعر الجميع بعبثية الاقتتال، ودخلوا في كتلة تاريخية صنعت الدولة العباسية التي دشن بها التاريخ العربي والإسلامي عصرا جديدا.
الكاتبة العامة لمؤسسة محمد عابد الجابري للفكر والثقافة

د
دكتورة خديجة صبار
تقارير ذات صلة