في القدس، لا تقاس المساحات التي تغلق بما وراء أبوابها وحده، بل بما ينتزع من حياة المدينة حين تحاصر مؤسساتها وتقيّد قدرتها على احتضان أبنائها. ففي حارة السعدية، أُغلق نادي أبناء القدس بقرار من وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، في واقعة تستدعي قراءة تتجاوز حدود المؤسسة الرياضية إلى طبيعة ما يواجهه المقدسيون من قيود تطول تفاصيل وجودهم اليومي، وحقهم في الاجتماع وممارسة أنشطتهم الثقافية والاجتماعية والرياضية. فالقدس، التي تستهدف في أرضها وذاكرتها وهويتها، تجد نفسها أمام أبواب تغلق تباعًا، ومساحات تضيق على أهلها، ووقائع تتعدد صورها وإن التقت في أثرها على الحياة الفلسطينية. غير أن ما وراء الباب المغلق يتجاوز حدود الملعب إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث لمدينة حين تصبح مؤسساتها، على اختلاف وظائفها، عرضة للإغلاق والمنع والتقييد؟
ثمة ما يستدعي التوقف عند هذا المشهد، لا بوصفه واقعة منفصلة عن سواها، وإنما باعتباره حلقة في سلسلة من الإجراءات التي تطال الحياة الفلسطينية المقدسية في وجوهها المتعددة. فالمكان الذي يحتضن نشاطًا رياضيًا ليس بمنأى عن المكان الذي يحتضن عرضًا مسرحيًا، والمؤسسة التي تجمع الشباب ليست منفصلة عن تلك التي تحفظ الحكاية والتراث. تتباين الوظائف، لكن الإنسان المقدسي يظل في مركز الاستهداف، وتظل المساحة التي يلتقي فيها بأبناء مدينته موضع تضييق. سبق أن تناولنا في مقال "عسكرة الوعي في مسرح الحكواتي". ما تعرضت له هذه المنارة الثقافية من اقتحام ومنع فعالية فنية، وما رافق ذلك من ترويع للأطفال واستدعاء للقائمين على النشاط. يومها كان المسرح، بما يحمله من حكاية وفن وذاكرة، في مواجهة قرار يضيّق على التعبير الثقافي الفلسطيني. واليوم، مع إغلاق نادي أبناء القدس، تتبدّل صورة المشهد؛ خشبة المسرح تحلّ محلها أرضية الملعب، والأطفال المشاركون في العرض يقابلهم الشباب المنخرطون في النشاط الرياضي، غير أن النتيجة واحدة: انتزاع مساحة من الحياة المقدسية. ليس المقصود أن المسرح والنادي يؤديان الوظيفة ذاتها، ولا أن كل إجراء يتخذ بحقهما يحمل التفاصيل القانونية نفسها. إنما ما يستحق القراءة هو تكرار استهداف المؤسسات الفلسطينية التي تمنح المجتمع إمكانية الاجتماع والتعبير والمشاركة. حين تتوالى الوقائع على هذا النحو، يصبح من الصعب التعامل مع كل واحدة منها باعتبارها حادثة عابرة لا صلة لها بما سبقها. إن انتظام التضييق عبر قطاعات مختلفة يطرح سؤالًا عن السياسة التي تحكمه، وعن حدود الحياة التي يُراد للمقدسيين أن يمارسوها داخل مدينتهم.
من يهاب اجتماع المقدسيين؟
ليس النادي في القدس جدرانًا تحيط بملعب، ولا عنوانًا في سجل المؤسسات. ثمة حياة تتكوّن داخله؛ أطفال يكتشفون معنى الفريق، وشباب يتعلّمون أن الانتماء مسؤولية، وعائلات تجد في النشاط الاجتماعي متنفسًا من ضيق يومي لا يحتاج إلى كثير من الشرح. وفي مدينة تتعرض هويتها للاستهداف، تكتسب المؤسسات الأهلية معنى يتجاوز وظيفتها المباشرة؛ فهي تحفظ روابط المجتمع، وتتيح له أن يظل حاضرًا في تفاصيل حياته، وأن يورّث أبناءه ذاكرة المكان من خلال الممارسة لا من خلال الحكاية وحدها. لذلك ، لا يمكن قراءة إغلاق نادي أبناء القدس بوصفه تعطيلًا لنشاط رياضي فحسب. فالمسألة تتصل بالمساحة التي يُراد انتزاعها من الحياة الفلسطينية المقدسية. حين تغلق مؤسسة تحتضن الشباب، لا يتوقف أثر القرار عند بابها الحديدي؛ يمتد إلى الأطفال الذين حُرموا من فضاء نشاطهم، وإلى الأسر التي فقدت مكانًا اجتماعيًا مألوفًا، وإلى شبكة العلاقات التي كانت تنمو في محيطها.
والأكثر دلالة أن القرار يأتي في سياق تتعامل فيه سلطات الاحتلال مع القدس باعتبارها ساحة لإعادة ضبط الوجود الفلسطيني فيها. هنا تبرز مفارقة تستحق المساءلة: كيف يمكن أن ينظر إلى نادٍ رياضي واجتماعي باعتباره تهديدًا أمنيًا؟ وأي مفهوم للأمن يطمئن إلى مدينة تضيق على مؤسساتها، وتنتزع من أبنائها المساحات التي يحتاجون إليها كي يحافظوا على تماسكهم؟
إن الأمن الذي يختزل حياة الناس في قائمة من الممنوعات لا يصنع استقرارًا؛ إنه يعيد إنتاج الخوف، ويحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى مجال للمراقبة والحرمان. فالملعب الذي يجمع الأطفال لا يقاس بما يجري فوق أرضه فقط، بل بما ينشأ حوله من علاقات وثقة وتعاون. والنادي الذي يحتضن الشباب لا يختزل في نشاطه الرياضي، لأن قيمته تتصل بما يتيحه من بدائل اجتماعية في مدينة تتناقص فيها المساحات الحرة. وقد تستند القرارات الإسرائيلية إلى نصوص وأوامر قانونية، غير أن وجود النص لا يعفي من مساءلة الغاية والأثر. فالقانون لا يقرأ بمعزل عن القوة التي تصدره، ولا عن الواقع الذي يفرضه على أصحاب المكان. وحين تستخدم الأدوات القانونية لتقييد المؤسسات الفلسطينية في القدس، يصبح السؤال عن العدالة سابقًا على الاكتفاء بتوصيف الإجراء. فالشرعية لا تستمد من صيغة الأمر وحدها، وإنما من مدى احترام الحقوق التي يفترض أن يصونها.
الانتهاك حين يتجاوز المؤسسة
إن ما يلفت النظر في المشهد المقدسي هو اتساع دوائر التضييق؛ من التعليم ومناهجه، إلى المسرح وفنونه، ومن المؤسسات الثقافية إلى الأندية الرياضية والاجتماعية. وهذه الدوائر ليست جزرًا منفصلة في حياة المدينة. فالتعليم يصوغ وعي الطفل، والمسرح يمنحه القدرة على التعبير عن حكايته، والنادي يتيح له أن يعيش جماعته ويتعلم المشاركة. حين تتعرض هذه المساحات للتقييد تباعًا، فإن الأثر لا يطول مؤسسة بعينها، بل يطال الشروط التي تسمح للمجتمع بأن ينشأ ويستمر. ولعلّ أخطر ما في هذا التتابع أن الانتهاك قد يكتسب مع الزمن هيئة المألوف. يغلق مسرح، ثم يمنع نشاط، ثم يستهدف نادٍ، فيصبح السؤال عن الواقعة التالية أكثر حضورًا من السؤال عن أصل السياسة التي تنتج هذه الوقائع. وهنا تكمن خطورة الاعتياد؛ أن يتحول ما ينبغي أن يستدعي مساءلة واسعة إلى خبر عابر في دورة الأخبار. والقدس ليست مدينة يمكن اختزالها في حدود جغرافية أو معالم حجرية. هويتها تصاغ أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية؛ في المدرسة والمكتبة والجمعية والنادي، وفي كل مساحة يلتقي فيها المقدسيون بوصفهم مجتمعًا له ذاكرة وحقوق وتطلعات. إن استهداف هذه المؤسسات يمسّ حق الناس في أن يعيشوا مدينتهم، لا أن يظلوا مجرد أفراد يتجاورون في مكان تفرض عليهم شروط الوجود فيه. ولعلّ أثر الإغلاق الأشدّ قسوة لا يظهر في يوم صدور القرار. فالطفل الذي لا يجد ملعبًا، والشاب الذي تغلق أمامه نافذة النشاط والانخراط، والأسرة التي تفقد مكانًا يجمعها بالمجتمع، جميعهم يدفعون ثمنًا لا يظهر في صياغة الأمر الأمني. إن تعطيل الحياة قد يبدأ بإغلاق باب، ثم يتسع حتى يصبح المجتمع مطالبًا بتدبير وجوده في مساحات آخذة في الانكماش.
لذلك ، فإن قيمة المؤسسات المقدسية لا تنحصر في قدرتها على الاستمرار تحت الضغط، بل في قدرتها على إبقاء المجتمع متصلًا بذاته. فالمقاومة هنا ليست شعارًا يُرفع في مناسبة، وإنما فعل يومي يحمي إمكان الحياة؛ أن يبقى الطفل قادرًا على اللعب، والشاب على المشاركة، والمؤسسة على أداء رسالتها. إن صيانة هذه المساحات مسؤولية تتجاوز إدارة النادي نفسه، لتطول المؤسسات الوطنية والمجتمعية والهيئات المعنية بحقوق الإنسان، بما يقتضيه ذلك من تحرك قانوني وإعلامي ومجتمعي جاد. إن إغلاق نادي أبناء القدس يعيد إلى الواجهة سؤالًا سبق أن طرحه مسرح الحكواتي بطريقته الخاصة: هل ويراد للقدس أن تبقى مدينة يعيش فيها أهلها حياة طبيعية، أم أن تختزل حياتهم في تدبير البقاء تحت وطأة القرارات المتعاقبة؟ وبين السؤالين تتحدد دلالة كل باب يغلق، وكل مساحة تُنتزع، وكل محاولة لتقليص حضور المقدسيين في مدينتهم.
قد تختلف أسماء المؤسسات، وتتباين ذرائع المنع، وتتعدد الجهات التي تطولها الإجراءات، لكن تكرار المشهد يستدعي النظر إلى ما يجمعه، لا إلى تفاصيله المتفرقة وحدها. فالمدينة لا تفرغ من أهلها بالضرورة حين تهدم البيوت؛ قد تنتزع منها الحياة أيضًا حين تغلق أبواب مؤسساتها، وتحاصر قدرتها على الاجتماع، ويصبح نشاطها الثقافي والاجتماعي والرياضي رهينًا بإرادة المحتل. قد يغلق القرار باب النادي، وقد يمنع عرض على خشبة الحكواتي، لكن المعنى الذي تنشأ منه هذه المؤسسات لا يقيم في جدرانها وحدها. إنه يسكن الناس، وفي ذاكرة الناس ما لا تستطيع الأوامر محوه. ولعلّ السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام العالم ليس: أي مؤسسة مقدسية ستغلق بعد اليوم؟ بل: أيّ مجتمع يراد له أن ينشأ حين يحاصر حقّه في الاجتماع والتعبير، وتغلق في وجهه المساحات التي يصنع فيها وعيه، ويحفظ بها ذاكرته، ويختبر من خلالها حقه في الحياة؟





