وكالة فلسطين 24 الإخباريةالبث المباشر
EN
عاجل
1/3
تقارير وتحقيقات

كيف تُثقل آليات توزيع المساعدات كاهل النساء المعيلات في غزة؟

نساء غزة في مواجهة رحلة شاقة تبدأ من استلام المساعدات ولا تنتهي عند الوصول إلى الخيمة

ف
فريق التحرير — فلسطين 24
12 دقائق
حجم الخط:
Xواتساب
كيف تُثقل آليات توزيع المساعدات كاهل النساء المعيلات في غزة؟
المصدر: فلسطين 24

فلسطين24: غزة — آية راجي
انحنت "إلهام" للحظات على حافة طريق تغطيه الأتربة، تلتقطُ أنفاسها المقطوعة. التصق الغبار بعباءتها السوداء، واختلطت ذرات الطحين بوجهها الشاحب وغطاء رأسها المُنزلق. إلى جوارها، استقرَّ كيسٌ يزن خمسةً وعشرين كيلوغراماً، وكرتونتان من المساعدات الغذائية، وكأنها غنيمةٌ ثقيلةٌ انتزعتها من فم الحرب.
لكنها لم تكن غنيمةً، كانت بدايةَ معركةٍ أخرى.
المساعدة التي تتحوّل إلى معركة
لا تتلخص مشكلة إلهام في الحصول على المساعدة، بل في كيفية العودة بها إلى خيمتها. لا عربةَ تحملُ ما استلمته، ولا مالَ يكفي لاستئجار واحدة، بينما تنتظرها مسافةٌ أخرى تُقطَع بما تبقّى لديها من قدرة تنهار كلّ يوم.
ترفعُ إلهام (32 عاماً) بصرها نحو السماء وكأنها تستجدي أن تخفّف وطأةَ ما تحمله. أرملةٌ وأمٌّ لثلاثة أطفال، أكبرهم طفلةٌ في العاشرة. منذ فقدت زوجها العام الماضي أثناء محاولته جلب المساعدات لعائلته، وتركها تواجه وحدها جوعَ الصغار وثقلَ أكياس المساعدات. 
"المشكلة مش بس إنّي أستلم، المشكلة كيف بدي أروح بالكرتونة أو كيس الطحين؟"؛ تقولها مختصرة مأساةَ النساء اللواتي ينتظرنَ في طوابيرَ لا تنتهي، ليخرجنَ منها بحمولةٍ تفوقُ قدرتهن.
أمومةٌ تُوازن بين مرض طفلٍ وموعدِ استلام
ذاتَ صباح، لم تكن المسافةُ هي العدوّ الوحيد لإلهام كان أحدُ أطفالها يرتجف بحمّى شديدة بعد ليلةٍ قضتها إلى جواره، تحضنه وتخاف أن يَطيرَ بروحه كأبيه. وفي تلك اللحظة، وصلتها رسالةُ استلامِ فرشاتٍ جديدة، تُحدّد موعداً بين العاشرة والحادية عشرة.
وجدت إلهام نفسها ممزّقةً بين حاجتين لا تلتقيان: طفلٌ مريضٌ يحتاجُ إلى يدها، ومساعداتٌ قد تضيع إذا لم تحضرْ في الموعد المحدد.
حاولتْ تدبيرَ الأمر عبر والدها، أرسلتْ معه صورةً لهويتها على هاتفه، لكنّ طلبها رُفض بحزم: لا بدّ من حضورها شخصياً، أو تسجيل مقطع فيديو يوثّق تفويضَ والدها.
تسألُ إلهام بحسرةٍ تعلوها الدهشة: "ليش كل هالتعقيدات بدل ما يسهّلوا على الناس، خصوصاً النساء المعيلات؟".
بالنسبة إليها، لا تكمن المشكلة في إجراءات التحقّق بحدّ ذاتها، بل في غياب مساحةٍ لمراعاةِ ظروفٍ استثنائيةٍ تعيشها نساءٌ صِرْنَ يتحمّلنَ مسؤوليةَ أسرٍ بأكملها، بينما يعشنَ في خيامٍ لا تحمي من ريحٍ ولا مطر.
مريم.. حين تصبح المساعدة رهناً بالآخرين
على بُعدِ أميالٍ من إلهام، وفي زاويةٍ معتمةٍ من فصلٍ مدرسيٍ تحوّل إلى مركز إيواءٍ مكتظ في مدينة غزة، تستلقي "مريم" على فرشةٍ رقيقةٍ فوق أرضيةٍ قاسية. إلى جوارها تتناثر عبوات دواء؛ بعضها فرغ، وأخرى لم يبقَ منها سوى القليل، فيما تحتفظ بأوراقها الثبوتية داخل كيس بلاستيكي صغير تضعه قرب وسادتها، وكأنها تخشى أن تفقد ما يثبت حقها في وقت تعجز فيه عن الوصول بنفسها إلى أبسط حقوقها. 
في الرابعة والستين من عمرها، تعاني مريم من السكري وارتفاع الضغط وأمراض القلب، إلى جانب ضعفٍ في الرؤية ووزنٍ ألزمها الفراش. نزحت من جباليا إلى غزة، وتعيش وسط أبناء أخيها وعائلاتهم، لكنها، بخلافهم، لا تملك أبناءً يحملون عنها هذه المهمة.
عندما تصلها رسالةُ الاستلام، يفتحُ ذلك باباً جديداً من العجز. تبدأ رحلةُ التفتيش عن بديل بين أبناء أخيها، محاولةً التوفيق بين أوقاتهم وتفرّغهم. ومع ضيق الوقت، تتحوّل الرسالةُ التي يفترض أن تحمل خبراً جيداً إلى مصدرِ قلقٍ جديد.
وحين تجد شخصاً يوافق على الذهاب عنها، لا تنتهي المأساة. ففي بعض المرات، تعودُ المساعدةُ إليها ناقصةً، بعد أن يأخذ من يتولى استلامها جزءاً من محتويات الطرد بدلاً من المال.
تتنهد مريم، ويخنق الأسى صوتها وهي تتحدث عن المساعدة التي تصلها: «بآخذوا من الطرد غرض بدل تعبهم، وأنا أصلًا محتاجة كل إشي». فحتى عندما تنجح في الحصول على الطرد، لا تصل المساعدة إليها كاملة في كثير من الأحيان، ولا تكون بالضرورة ملائمة لما تحتاجه في حياتها اليومية.
فلا تنتهي معاناة مريم عند الحصول على المساعدة، إذ تواجه مشكلة أخرى تتعلق بمحتويات الطرود نفسها. معظم ما يصلها من مواد غذائية يعتمد على المعلبات والبقوليات والأطعمة الجافة التي تحتاج إلى ساعات من الطهو، وهي مواد لا تناسب دائمًا حالتها الصحية ولا قدرتها الجسدية على إعداد الطعام.
الطرد الذي يبقى في زاوية الغرفة
داخل الغرفة الضيقة التي تقيم فيها، تتراكم بعض المواد التي لا تستطيع تناولها أو إعدادها بسهولة. فالبقوليات ترهق جهازها الهضمي، والأطعمة الجافة يصعب عليها تناولها، فيما يحتاج إعداد بعض المواد إلى طهو طويل في ظل عدم توفر الغاز بصورة منتظمة. وبالنسبة إلى امرأة مسنة تعاني ضعفًا جسديًا، فإن إعداد وجبة من هذه المواد لا يبدو أمرًا بسيطًا، بل مهمة تحتاج إلى جهد لا تملكه.
ومع مرور الوقت، تتحول بعض المواد التي يفترض أن تخفف عنها وطأة الجوع إلى عبء آخر داخل مساحة الإيواء الضيقة. تبقى أكياس وعبوات في أحد أركان الغرفة، بينما تظل احتياجاتها اليومية الأكثر إلحاحًا، مثل الأطعمة اللينة وسهلة الهضم والخضروات الطازجة والمنظفات وبعض المستلزمات التي تحتاجها النساء الأكبر سنًا، أقل حضورًا في المساعدات التي تصلها.
«نحتاج إلى مساعدات تناسب أعمارنا وحالتنا الصحية» بالنسبة إلى مريم، لا تتعلق المشكلة بكمية المساعدة وحدها، بل بمدى قدرتها على تلبية احتياجات من يتلقاها. فالمساعدات، كما تراها، تصل في الغالب بالشكل نفسه، من دون أن تضع في الاعتبار اختلاف أعمار المستفيدين أو أوضاعهم الصحية وقدرتهم على الحركة وإعداد الطعام.
أم عبد الله.. حين يكون الكرسيُ أَوْلى من الطحين
لا تختلف تجربة "أم عبد الله" عن مريم في عجز الجسد، لكنها تكشفُ طبقةً أخرى من المعاناة: فبينما تحتاج مريم إلى شخصٍ يتحركُ نيابةً عنها، تحتاج أم عبد الله أوّلاً إلى شيءٍ يحرّك جسدها.
على أرضيةٍ رمليةٍ تتوسط تجمّعاً للخيام في دير البلح، تجلس أم عبد الله فوق كرسيٍ بلاستيكي. امرأةٌ في الأربعين، نزحت من بيت لاهيا، وتعيش اليوم مع ابنتها وزوج ابنتها وأطفالهم، بينما يقيم ابناها في شمال القطاع.
أثناء الحرب، ومع تكرار النزوح وحمل الأوزان الثقيلة ونقل جالونات المياه لمسافات طويلة، أصيبت بانزلاقٍ غضروفي حادٍّ أدّى إلى شللٍ في أطرافها السفلية. 
فيما لا تملك أم عبد الله كرسيًا متحركًا خاصًا بها، لذلك تبحث في كل مرة تصلها فيها رسالة استلام عن جارٍ يُعيرها واحدًا. أحيانًا يتردد أصحابه خوفًا من أن يتضرر فوق الرمال والركام، وأحيانًا لا تجد أصلًا. «معاناتي تبدأ قبل الوصول للمساعدة»، تقولها بمرارة، بينما تظل عيناها معلقتين بذلك الكرسي الذي تحتاج إليه لتصل إلى ما يفترض أن يصل إليها
وعندما تنجح في استعارة كرسي، تبدأ معركةٌ أخرى. تغوصُ العجلات في الرمال، ويتعثّر الكرسي فوق الحصى والركام، بينما يضطر أطفال ابنتها الصغار إلى دفعه بأجسادهم الصغيرة. تصلُ إلى نقطة التوزيع وقد استهلكتْ جزءاً كبيراً من قدرتها على الاحتمال.
هناك، لا تجد طريقاً ممهداً أمام الكرسي، ولا مساحةً كافية للحركة، بينما تقف الطوابير المكتظة كحاجزٍ إضافي أمام امرأة لا تستطيع الوقوف أو المشي.
وعندما يصل دورها، لا يتغيّر حجم العبء الذي ينتظرها. يُوضعُ كيس الطحين الذي يزن خمسةً وعشرين كيلوغراماً إلى جوارها، إلى جانب الطرود الثقيلة. تسألُ مذعورةً: "كيف لامرأة مشلولة أن تحملَ طرداً يزن خمسةً وعشرين كيلوغراماً؟"
كرسيٌ مستعارٌ وموعدٌ ضائع
في إحدى المرات، كانت المسافةُ والوقتُ كفيلين بإسقاط المساعدة من حساباتها قبل أن تصل إليها. تلقت رسالةً عند الساعة الحادية عشرة صباحاً تطلب منها استلام طردٍ صحي في مدينة غزة، بينما كانت تقيم في دير البلح، على أن ينتهي التوزيع عند الواحدة ظهراً.
ساعتان فقط كانتا متاحتين لامرأة لا تستطيع الوقوف، ولا تملك وسيلة نقلٍ أو كرسياً متحركاً خاصاً بها.
انتهى الموعد، وضاعت المساعدة.
وحتى حين تتمكن من الاستلام، لا تنتهي الرحلة. فالكرسي الذي يحمل جسدها مستعار، والطرد الذي حصلت عليه ثقيل، ولذلك تضطر في بعض المرات إلى دفع جزءٍ من المال الذي تحتاجه للطعام والدواء لشابٍ يساعدها في نقل المساعدة إلى الخيمة.
"أدفع من المال الذي أحتاجه للطعام والدواء لنقل المساعدة" تقول ثم تُغمضُ عينيها للحظات، وكأنها تغلقُ باباً على حلمٍ كان يراودها: أن تأتيها المساعدةُ إلى خيمتها، دون أن تكونَ رهناً بتوسّلِ الآخرين، ودون أن تدفعَ من جوعها ثمناً لنقلِ ما يفترض أن يصلَ إليها مجاناً.
في طوابير الانتظار الممتدة أمام مراكز ونقاط التوزيع في قطاع غزة، لا تقف المشكلة عند حدود الانتظار أو الاكتظاظ الطبيعي، بل تبدأ المعاناة الحقيقية لحظة الاستلام. فهناك، تصطدم مئات النساء المعيلات والأرامل بواقع أن المساعدات المقدمة – من أكياس طحين زنة 25 كجم وطرود غذائية او صحية ضخمة – صُممت بحجم وأوزان تتطلب "قوة بدنية فائقة" لا تتناسب مع قدراتهن أو ظروفهن الصحية.
هذا النظام الإغاثي، برغم وصوله الأخير للمستفيدات، يضع المرأة أمام معادلة شاقة: إما تحمّل مشقة بدنية وجسدية قاسية لنقل هذه الأحمال الثقيلة، أو دفع تكاليف إضافية مقابل نقلها وتوصيلها، مما يستنزف مواردها المادية الضئيلة أساساً.
ثلاثُ نساءٍ، وثلاثُ طرقٍ مختلفةٍ للوصولِ إلى المساعدة، لكنّهن يتّفقنَ على حقيقةٍ واحدةٍ تختصرُ كلَّ ما سبق: المساعدةُ في غزة ليستْ مجردَ طردٍ يُسلَّمُ عند نقطةِ توزيع. هي رحلةٌ تبدأُ بالجوع وتنتهي بالجوع، وتمرُّ في المنتصفِ بكلِّ أنواعِ العجزِ والتنازلِ والانتظار.

تقارير ذات صلة