سألني صديق: إذا جرت الانتخابات، لمن ستعطي صوتك؟
فكرت قليلًا، وقلت لنفسي: لم يعد السؤال بالنسبة لي فقط: من أعرف؟ ومن من عائلتي؟ ومن من فصيلي؟
السؤال الأهم هو: ماذا سيقدم هذا المرشح للإنسان الفلسطيني؟
أنا أريد أن أنتخب من يفهم أن السياسة ليست شعارات وخطابات، بل هي حياة الناس اليومية وكرامتهم ومستقبل أبنائهم.
أريد دولة توفر فرص العمل للشباب، وتعطيهم فرصة حقيقية لبناء مستقبلهم هنا؛ دولة تشجع المشاريع الصغيرة والابتكار وريادة الأعمال، وتربط التعليم بسوق العمل، بدل أن يبقى الشاب سنوات ينتظر وظيفة أو يفكر في الهجرة.
وأريد تعليمًا فلسطينيًا يواكب التطور التكنولوجي، ويهيئ أبناءنا لعالم جديد يتغير بسرعة؛ تعليمًا يفتح أمامهم أبواب العلوم والذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية واللغات، ولا يكتفي بمنحهم شهادة.
وأريد نظام رعاية صحية يحترم الإنسان، بحيث يحصل المواطن على العلاج والرعاية دون أن يتحول المرض إلى أزمة مالية تهدد أسرته.
وأريد أن أتذكر كبار السن؛ الذين أمضوا عمرهم في بناء أسرهم ومجتمعهم. من حقهم أن يعيشوا شيخوخة بكرامة، في ظل رعاية صحية واجتماعية ودخل وخدمات تحفظ لهم مكانتهم.
لكن كل هذه الحقوق تحتاج إلى شيء أساسي: دولة قوية بمؤسساتها، لا بأشخاصها.
دولة تمارس الرقابة على أداء مؤسساتها ومسؤوليها، وتعرف أين تذهب أموال الناس، وتفرض الشفافية، وتواجه الفساد دون انتقائية، وتحاسب من يسيء استخدام السلطة أو المال العام، وتكافئ من ينجح ويخدم الناس بكفاءة ونزاهة.
أنا أريد دولة لا يكون فيها السؤال: «من وراءك؟» حتى تحصل على حقك.
أريد دولة يكون فيها السؤال: «ما حقك؟» ثم تحصل عليه بالقانون.
ولهذا، فإن الرقابة ليست عداوة للمسؤول، والمساءلة ليست انتقامًا من أحد. بالعكس، المساءلة هي التي تحمي المسؤول النزيه قبل أن تحمي المواطن.
نريد مؤسسات يعرف فيها المسؤول أنه مؤتمن على المال العام، وأن أداءه قابل للتقييم والمراجعة، وأن المنصب مسؤولية مؤقتة وليس ملكية دائمة.
وعندما نذهب إلى صندوق الاقتراع، أعتقد أن علينا أن نسأل كل قائمة ومرشح:
ماذا ستفعلون؟ وكيف سنحاسبكم إذا لم تفعلوا؟
كم فرصة عمل ستوفرون؟
كيف ستطورون التعليم؟
كيف ستواكبون التكنولوجيا؟
كيف ستحمون صحة المواطن؟
كيف ستضمنون شيخوخة كريمة لكبار السن؟
وكيف ستجعلون الرقابة والمساءلة والشفافية جزءًا ثابتًا من عمل الدولة؟
هذه، بالنسبة لي، ليست تفاصيل ثانوية.
هذه هي الدولة التي أريد أن أعيش فيها.
لا أريد أن أنتخب شخصًا فقط.
أريد أن أنتخب مشروع دولة.
دولة يعيش فيها الشاب بفرصة، والطفل بتعليم حديث، والمريض برعاية صحية، وكبير السن بكرامة، والمواطن بحقوق مصانة، والمسؤول تحت الرقابة والمساءلة.
دولة لا يخاف فيها المواطن من السلطة، ولا تخاف فيها السلطة من الرقابة.
* أكاديمي وباحث سياسي






