وكالة فلسطين 24 الإخباريةالبث المباشر
EN
عاجل
1/3
تقارير وتحقيقات

في مواصي خان يونس.. رغيف الخبز رحلة يومية بين الطوابير وغلاء الوقود

شح غاز الطهي وارتفاع أسعار الحطب يدفعان الأسر النازحة إلى الوقوف لساعات للحصول على ربطة خبز، فيما تضاعف السوق السوداء أعباء المعيشة.

ف
فريق التحرير — فلسطين 24
3 دقائق
حجم الخط:
Xواتساب
في مواصي خان يونس.. رغيف الخبز رحلة يومية بين الطوابير وغلاء الوقود
المصدر: فلسطين 24

خان يونس – في ظل النقص الحاد في غاز الطهي والارتفاع الكبير في أسعار الحطب، يواجه النازحون في منطقة مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، معاناة يومية في تأمين أبسط احتياجاتهم الأساسية، وفي مقدمتها الخبز، الذي تحول الحصول عليه إلى رحلة شاقة تبدأ منذ ساعات الصباح الباكر.

ويصطف عشرات النازحين يوميًا أمام محال ونقاط بيع الخبز في طوابير تمتد لساعات، على أمل الحصول على ربطة خبز تعود بها الأسرة إلى خيمتها أو مكان نزوحها. وبالنسبة إلى كثير من العائلات، لا تكاد الربطة الواحدة تكفي احتياجاتها الأساسية ليوم واحد.

ومع شح غاز الطهي وارتفاع تكلفة الحطب إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر على تحملها، أصبح شراء الخبز الجاهز خيارًا اضطراريًا للكثير من النازحين، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية وتزداد الأعباء على أسر تعاني أصلًا من ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغياب مصادر الدخل المنتظمة.

ساعات من الانتظار من أجل ربطة خبز

يقول النازح محمد انشاصي (48 عامًا)، إنه يضطر يوميًا إلى التوجه منذ ساعات الصباح الباكر إلى أماكن توزيع الخبز، حيث يقف لساعات طويلة وسط طوابير مكتظة، على أمل الحصول على ربطة خبز تكفي أسرته.

ويعيل انشاصي أسرة مكونة من تسعة أفراد، ويقول إن جرة الغاز التي يحصل عليها من الموزع مرة واحدة كل ثلاثة أشهر تحتوي على ثمانية كيلوغرامات فقط، وهي كمية لا تكفي أسرته لأكثر من أسبوعين.

وبعد نفاد الغاز، يجد نفسه أمام خيارات صعبة: إما شراء الغاز من السوق السوداء بأسعار تصل، وفق قوله، إلى 85 شيكلًا للكيلوغرام الواحد، أو البحث عن بدائل أخرى لتأمين احتياجات أسرته اليومية.

ويشير إلى أن جرة الغاز التي يحصل عليها من الموزع، والمعبأة بثمانية كيلوغرامات، يبلغ سعرها 75 شيكلًا فقط، ما يجعل شراء الغاز من السوق السوداء عبئًا ماليًا لا تستطيع أسرته تحمله.

ويضيف: "لذلك ألجأ يوميًا إلى الاصطفاف في طوابير طويلة لشراء ربطة خبز واحدة بسعر ثلاثة شواقل. وإذا نفد الخبز قبل وصول دوري، أضطر إلى شرائها من الباعة المتجولين الذين ينتشرون بين أزقة المخيمات، بسعر يصل إلى ستة شواقل وأحيانًا ثمانية شواقل للربطة الواحدة".

ويرى انشاصي أن هذه الفروقات في الأسعار، رغم أنها قد تبدو محدودة، تتحول مع تكرارها يوميًا إلى عبء إضافي على الأسر النازحة التي تكافح لتوفير احتياجاتها الأساسية.

الحطب لم يعد بديلًا رخيصًا

أما النازح أبو محمد الأسطل (51 عامًا)، فيفضّل الوقوف يوميًا أمام أماكن توزيع الخبز وشراء ربطة جاهزة، بدلًا من شراء الحطب واستخدامه في إعداد الخبز داخل خيمته.

ويقول الأسطل، الذي يعيل أسرة مكونة من ستة أفراد، إن سعر كيلوغرام الحطب يصل إلى نحو 10 شواقل، وهي تكلفة مرتفعة بالنسبة إلى عائلة تحتاج إلى استخدامه بصورة شبه يومية للطهي وإعداد الخبز.

ويضيف أنه لم يعد قادرًا على خبز الخبز داخل خيمته بسبب الغلاء الكبير في أسعار الحطب، ما يدفعه إلى قضاء جزء من يومه في انتظار دوره للحصول على ربطة خبز.

وبالنسبة إلى الأسطل، لم يعد الاختيار بين الغاز والحطب والخبز الجاهز مرتبطًا بالراحة أو بطريقة إعداد الطعام، وإنما بما تستطيع الأسرة تحمله ماليًا في نهاية كل يوم.

"متى ستنتهي هذه المعاناة؟"

وبينما كان ينتظر دوره في طابور الخبز ويتصبب العرق من جبينه، عبّر النازح حسن الغلبان (50 عامًا) عن إرهاقه من تكرار المشهد يومًا بعد آخر.

ويقول الغلبان: "متى ستنتهي هذه المعاناة؟ أصبحت حياتنا لا تطاق. كل يوم نعيش الظروف نفسها، ونضطر إلى الاصطفاف لساعات طويلة من أجل الحصول على ربطة خبز واحدة فقط".

ويعيل الغلبان أسرة مكونة من ثمانية أفراد، ويقول إن ربطة الخبز الواحدة بالكاد تكفي أسرته، فيما يترك ارتفاع أسعار الحطب والغاز أمامهم خيارات محدودة للغاية.

ويضيف: "لا نستطيع شراء الحطب لأن تكلفته مرتفعة، كما لا نستطيع شراء الغاز بالأسعار المضاعفة. لذلك نلجأ إلى شراء الخبز الجاهز من المحال، لأن تكلفته تبقى أقل مقارنة بما سندفعه لشراء الغاز أو الحطب لإعداد الخبز داخل خيامنا".

طحين مخزّن انتهى في النار

أما المواطن أبو حمود شعت (47 عامًا)، فلم يكن تخزين الطحين بالنسبة إليه مجرد احتياط منزلي، وإنما محاولة لتأمين قوت أسرته تحسبًا لأي طارئ أو نقص جديد في المواد الغذائية.

لكن محاولته انتهت بخسارة ما خزنه، بعدما فسدت كمية من الطحين ولم تعد صالحة للاستخدام، ما اضطره إلى التخلص منها وحرقها.

ويقول شعت إن خوفه من تكرار الظروف القاسية التي عاشها سكان قطاع غزة خلال فترات الإغلاق ونقص الطحين والمواد الغذائية دفعه إلى تخزين كميات إضافية، خشية أن يجد نفسه وأسرته مرة أخرى أمام نقص حاد في الغذاء.

ولم تعد المشكلة، بحسب شعت، تقتصر على الخبز والطحين، إذ يشير إلى أن أسعار الخضروات وغيرها من الاحتياجات اليومية أصبحت مرتفعة جدًا، في وقت لا يملك فيه مصدر دخل ثابتًا يساعده على توفير احتياجات أسرته.

ويقول إنه يشاهد شاحنات محملة بالبضائع تدخل إلى القطاع، لكنه لا يلمس، بحسب وصفه، انعكاسًا كافيًا لذلك على الأسعار في الأسواق أو على قدرة الأسر محدودة الدخل على شراء احتياجاتها.

ويضيف أن المساعدات التي كانت تصل إلى النازحين في منطقة مواصي خان يونس لم تعد تصل إليهم كما في السابق، موضحًا أنه لم يتلقَّ أي طرد مساعدات منذ فترة، ما جعله يعتمد بدرجة أكبر على شراء احتياجات أسرته من الأسواق.

رغيف يلخص معاناة النزوح

وتختصر طوابير الخبز الممتدة في مواصي خان يونس جانبًا من الحياة اليومية التي تعيشها الأسر النازحة؛ فالحصول على رغيف الخبز لم يعد مهمة بسيطة، وإنما رحلة قد تبدأ بالبحث عن الغاز أو الحطب وتنتهي بساعات طويلة من الانتظار أمام نقاط البيع.

وبين شح الوقود وارتفاع أسعار الحطب والمواد الغذائية وتراجع المساعدات وغياب مصادر الدخل لدى العديد من الأسر، يجد النازحون أنفسهم أمام خيارات محدودة لتأمين قوتهم اليومي.

وفي مواصي خان يونس، حيث تعيش عائلات كثيرة ظروف نزوح قاسية، بات رغيف الخبز يعكس معادلة يومية مرهقة: إما دفع أسعار لا تستطيع الأسر تحملها، أو الوقوف لساعات في الطوابير على أمل العودة إلى الخيمة بربطة خبز تكفي أفراد الأسرة حتى اليوم التالي.

تقارير ذات صلة