وكالة فلسطين 24 الإخباريةالبث المباشر
EN
عاجل
1/3
تقارير وتحقيقات

نور عبد الجواد.. أربع سنوات من انتظار الأمومة تنتهي بولادة طفلة بلا يدين في غزة

بعد أربع سنوات من انتظار الإنجاب، استقبلت فايقة العريدي طفلتها الأولى نور دون أطراف علوية، وسط تساؤلات عن أسباب حالتها وتحديات الرعاية والتأهيل في غزة.

ف
فريق التحرير — فلسطين 24
3 دقائق
حجم الخط:
Xواتساب
ألبوم صور التقرير (5 صور)
1 / 5
نور عبد الجواد.. أربع سنوات من انتظار الأمومة تنتهي بولادة طفلة بلا يدين في غزة - 1

غزة – خاص/ فلسطين24 : إعداد: أميرة وافي

أربع سنوات من الانتظار ومحاولات الإنجاب، كانت خلالها الفلسطينية فايقة العريدي (33 عامًا) ترسم في مخيلتها ملامح طفلها الأول، وتحلم باللحظة التي تضمه فيها إلى صدرها، وتلامس أصابعه الصغيرة وجهها. لكن حين جاءت تلك اللحظة التي طال انتظارها، امتزجت فرحة الأمومة بصدمة لم تكن تتوقعها، بعدما وضعت طفلتها الأولى «نور عبد الجواد» دون أطراف علوية.

في مخيم البريج وسط قطاع غزة، حيث فرضت الحرب الإسرائيلية واقعًا قاسيًا على تفاصيل الحياة اليومية، بدأت حكاية نور قبل ولادتها بأشهر، حين كانت والدتها تعيش فترة الحمل وسط القصف والخوف والدخان المتصاعد من المنازل المجاورة، دون أن تتخيل أن استقبال طفلتها سيضعها أمام تحديات صحية وإنسانية مضاعفة.

وبين أحضان أمها، تنام نور اليوم بهدوء، غير مدركة للأسئلة التي تشغل عائلتها بشأن مستقبلها، وإمكانية حصولها على الرعاية الطبية والتأهيلية التي تحتاجها في قطاع غزة، حيث تعاني المنظومة الصحية من نقص حاد في الإمكانات والخدمات المتخصصة.

أربع سنوات من الانتظار.. وفرحة مختلفة

لم تكن رحلة فايقة العريدي نحو الأمومة سهلة. فقد أمضت أربع سنوات تحاول الإنجاب، تتمسك بالأمل في أن يأتي اليوم الذي تسمع فيه بكاء طفلها الأول، وتعيش تفاصيل الأمومة التي طالما حلمت بها.

وخلال تلك السنوات، كانت تتخيل شكل طفلها، وملامحه الأولى، وكيف ستحمله بين ذراعيها، وترافق خطواته الأولى في الحياة.

وحين حملت أخيرًا، بدا أن الحلم الذي انتظرته طويلًا أصبح قريبًا من التحقق، غير أن شهور الحمل تزامنت مع ظروف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما رافقها من قصف ونزوح وخوف وانعدام للاستقرار.

وجاءت ولادة نور لتمنح العائلة فرحة طال انتظارها، لكنها حملت معها واقعًا صحيًا لم تكن الأسرة مستعدة له، بعدما تبين أن الطفلة ولدت دون أطراف علوية.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت الأم رحلة جديدة، تحاول فيها التوفيق بين مشاعر الفرح بقدوم طفلتها والقلق على مستقبلها، وما قد تواجهه من صعوبات في حياتها اليومية.

حمل تحت القصف والدخان

في مخيم البريج، لم تعش فايقة شهور حملها في ظروف طبيعية، بل وسط أصوات الانفجارات والقصف الإسرائيلي الذي طال مناطق سكنية قريبة من منزلها.

وتروي العائلة أن صواريخ إسرائيلية استهدفت منازل مجاورة خلال فترة الحمل، ما أدى إلى تصاعد كميات من الدخان والغبار في محيط المكان الذي كانت تقيم فيه الأم.

وتعتقد فايقة أن تعرضها للدخان الناجم عن القصف ربما كان مرتبطًا بالحالة التي ولدت بها طفلتها، وهو اعتقاد يعكس مخاوفها وتساؤلاتها بشأن ما تعرضت له خلال الحمل.

غير أن تحديد الأسباب الطبية لغياب الأطراف العلوية لدى نور يحتاج إلى فحوصات وتقييم متخصص، ولا يمكن الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة بين التعرض للدخان وحالتها دون أدلة طبية موثقة.

وتشير المراجع الطبية إلى أن الاختلافات الخلقية في تكوّن الأطراف قد ترتبط بعوامل متعددة، بعضها وراثي أو بيئي أو متعلق بمراحل نمو الجنين، فيما تظل أسباب العديد من الحالات غير معروفة.

وبالنسبة لفايقة، فإن الأسئلة الطبية لا تنفصل عن واقع الحرب الذي عاشته، وما تركه من مخاوف بشأن صحة طفلتها ومستقبلها.

أمومة بين الحب والقلق

لم تمنع حالة نور والدتها من احتضانها والاعتناء بها، لكنها وضعتها أمام مسؤوليات جديدة تتطلب معرفة طبيعة احتياجات الطفلة الصحية والوظيفية، وكيفية مساعدتها على النمو والتطور.

تحتضن فايقة طفلتها، وتراقب ملامحها الصغيرة، وتحاول أن تمنحها شعورًا بالأمان، في وقت تتزايد فيه مخاوفها بشأن الرعاية الطبية التي ستحتاج إليها نور خلال مراحل نموها المختلفة.

فالأطفال الذين يولدون باختلافات خلقية في الأطراف قد يحتاجون إلى تقييم طبي وتأهيلي مبكر، ومتابعة مستمرة لتطورهم الحركي والوظيفي، إلى جانب خدمات العلاج الوظيفي والأجهزة المساعدة عند الحاجة، وفق توصيات المختصين.

ولا تقتصر التحديات على الجوانب الطبية، بل تشمل أيضًا توفير بيئة اجتماعية وتعليمية داعمة تتيح للطفلة تطوير قدراتها، وتعزز استقلاليتها وثقتها بنفسها بعيدًا عن الوصمة أو التمييز.

وبينما تحاول الأم استيعاب واقعها الجديد، يبقى هاجسها الأكبر أن تتمكن طفلتها من الحصول على فرص متكافئة في الرعاية والتعليم والحياة الكريمة.

غزة.. حين تصبح الرعاية المتخصصة تحديًا

تأتي ولادة نور في وقت يواجه فيه القطاع الصحي في غزة تحديات كبيرة نتيجة الحرب، وما خلفته من أضرار في المستشفيات والمراكز الطبية، ونقص في المعدات والأدوية والمستلزمات الصحية.

وتزداد صعوبة الأوضاع بالنسبة إلى الأطفال الذين يحتاجون إلى خدمات طبية وتأهيلية متخصصة، خصوصًا في ظل محدودية الإمكانات وصعوبة الوصول إلى بعض الخدمات الضرورية.

وبالنسبة لعائلة نور، فإن الحصول على تقييم طبي شامل لحالتها يمثل خطوة أساسية لتحديد احتياجاتها المستقبلية، ووضع خطة مناسبة لمتابعة نموها وتطورها.

وقد تحتاج الطفلة، وفق ما يحدده الأطباء والمختصون، إلى خدمات تأهيل مبكر وعلاج وظيفي وأدوات مساعدة تتناسب مع عمرها وقدراتها، بما يتيح لها اكتساب مهارات جديدة تساعدها على ممارسة أنشطتها اليومية.

لكن توفير هذه الخدمات في ظل الظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها قطاع غزة يشكل عبئًا إضافيًا على العائلات، لا سيما تلك التي فقدت مصادر دخلها أو تضررت مساكنها بفعل الحرب.

نور أكبر من اختلافها الجسدي

رغم التحديات التي قد تواجهها نور في المستقبل، فإن ولادتها دون أطراف علوية لا تعني أن حياتها ستقتصر على الصعوبات أو الاعتماد على الآخرين.

فمع الرعاية المناسبة والدعم الأسري والتأهيل المتخصص، يستطيع كثير من الأطفال الذين يولدون باختلافات في الأطراف تطوير مهاراتهم وقدراتهم بطرق تتناسب مع احتياجاتهم الفردية.

وتؤكد قصة نور أهمية النظر إلى الأطفال ذوي الإعاقة باعتبارهم أصحاب حقوق وقدرات وفرص، وليس من خلال حالتهم الجسدية وحدها.

ومن حق نور أن تحصل على الرعاية الصحية والتأهيل والتعليم والحماية، وأن تنشأ في بيئة تحترم اختلافها وتدعم إمكاناتها، بعيدًا عن الشفقة أو الأحكام المسبقة.

وتحتاج عائلتها، إلى جانب الخدمات الطبية، إلى الدعم النفسي والاجتماعي والإرشاد المتخصص الذي يساعدها على فهم احتياجات الطفلة والتعامل معها خلال مراحل نموها المختلفة.

حين تطارد الحرب أحلام الأمهات

لا تختصر قصة فايقة العريدي في لحظة الولادة وحدها، بل تمتد إلى سنوات الانتظار الطويلة، وشهور الحمل التي عاشتها تحت القصف، ثم المسؤوليات الجديدة التي أصبحت تواجهها بعد قدوم طفلتها الأولى.

ففي غزة، حيث تعيش آلاف العائلات ظروفًا إنسانية بالغة القسوة، تتحول تفاصيل الحياة التي يفترض أن تكون طبيعية، كالحمل والولادة ورعاية الأطفال، إلى تحديات يومية تتداخل فيها المخاوف الصحية مع صعوبات المعيشة.

وبالنسبة لفايقة، فإن الحلم الذي انتظرته أربع سنوات أصبح اليوم بين ذراعيها، طفلة تحمل اسم «نور»، وتحتاج إلى الحب والرعاية والفرص التي تستحقها كبقية الأطفال.

وبينما تواصل الأم احتضان صغيرتها والبحث عن مستقبل أفضل لها، تبقى قصة نور تذكيرًا بأن حماية الأطفال في غزة لا تقتصر على إنقاذ حياتهم من الحرب، بل تشمل ضمان حصولهم على الرعاية الصحية والتأهيلية والاجتماعية التي تكفل لهم حياة كريمة.

نور عبد الجواد لم تختر الظروف التي ولدت فيها، لكنها تستحق أن تكبر في عالم يمنحها الفرصة لاكتشاف قدراتها، وأن تجد في يدي أمها الحنان الذي انتظرته أربع سنوات، وفي المجتمع والمؤسسات الصحية الدعم الذي تحتاجه لتصنع مستقبلها.

تقارير ذات صلة